حياكم الله زائرنا الكريم في شبكة الربانيون العلمية، إذا كنت قد اشتركت معنا سابقًا فيمكنك تسجيل الدخول بالضغط هنا، وإذا لم تسجل عضوية من قبل فيمكنك إنشاء حساب جديد بالضغط هنا، تقبل الله منا ومنكم.



عون الودود لتيسير مافي السلسلة الصحيحة من الفوائد والردود من المجلد الاول الى السادس

عون الودود لتيسير مافي السلسلة الصحيحة من الفوائد والردود الجزء الأول [IMG]http://r20.imgfast.net/users/2012/23/9 ..



27-11-2011 10:14 صباحا
أبو محمد عبدالحميد الأثري
المشرف العام - وفقه الله تعالى
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-02-2011
المشاركات : 3141
قوة السمعة : 10
 offline 
عون الودود لتيسير مافي السلسلة الصحيحة من الفوائد والردود




الجزء الأول




231570



إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا اله ألا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد



فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.

ثم أما بعد



فهذه الفوائد والردود التي ذكرها الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني في السلسلة الصحيحة جمعتها في هذا الكتاب حتى يسهل الأستفادة منها للعامة والخاصة وأسميته (عون الودود لتيسير مافي السلسلة الصحيحة من الفوائد والردود) , فأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يعنني على هذا العمل وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم وأن يتغمد برحمته الشيخ الألباني , ويسكنه فسيح جناته آمين.
ملاحظات:
1- ترقيم الأحاديث هي نفس الترقيم الموجودة في السلسلة لكي يسهل الرجوع إليها.
2- تبويب المواضيع هي نفس ما بوب لها الشيخ إلا ما لم يبوب لها فقد وضعت لها أبواباً من عندي.
3- كتابة جميع الفوائد والردود كاملة بدون أي أختصار إلا ماكان يتعلق بالموضيع الحديثة فلم اكتبها.
هذه الفوائد المذكورة في المجلد الأول والثاني من سلسلة الأحاديث الصحيحة , ونسأل الله العون والتوفيق في اتمام بقية الأحاديث .

كتاب العقيدة

القدر وحديث القبضتين حق



46- (هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه).
رواه المخلص , والبزار , والطبراني من حديث إبراهيم بن سعيد الجوهري : ثنا أبوأحمد : ثنا سفيان عن أيوب وإسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال في القبضتين (هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه) , وزاد (فتفرق الناس , وهم لا يختلفون في القدر).
47- (إن الله عز وجل قبض قبضة ، فقال: في الجنة برحمتي ، وقبض قبضة ، وقال: في النار ولا أبالي).
48- (إن الله عز وجل خلق آدم ، ثم أخذ الخلق من ظهره ، وقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي ، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي ، فقال قائل: يا رسول الله فعلى ماذا نعمل ؟ قال : على مواقع القدر).
49- (خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ حِينَ خَلَقَهُ فَضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُمْنَى فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً بَيْضَاءَ كَأَنَّهُمْ الذَّرُّ وَضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُسْرَى فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً سَوْدَاءَ كَأَنَّهُمْ الْحُمَمُ فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَمِينِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي وَقَالَ لِلَّذِي فِي كَفِّهِ الْيُسْرَى إِلَى النَّارِ وَلَا أُبَالِي).
50- (إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَبَضَ قَبْضَةً بِيَمِينِهِ فَقَالَ هَذِهِ لِهَذِهِ وَلَا أُبَالِ وَقَبْضَةً أُخْرَى يَعْنِي بِيَدِهِ الْأُخْرَى فَقَالَ هَذِهِ لِهَذِهِ وَلَا أُبَالِ فَلَا أَدْرِي فِي أَيِّ الْقَبْضَتَيْنِ أَنَا).
رواه أحمد والبزار مختصرأً عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ مَرِضَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ فَبَكَى فَقِيلَ لَهُ مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَلَمْ يَقُلْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذْ مِنْ شَارِبِكَ ثُمَّ أَقِرَّهُ حَتَّى تَلْقَانِي قَالَ بَلَى وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَبَضَ قَبْضَةً بِيَمِينِهِ وَقَالَ هَذِهِ لِهَذِهِ وَلَا أُبَالِي وَقَبَضَ قَبْضَةً أُخْرَى بِيَدِهِ الْأُخْرَى جَلَّ وَعَلَا فَقَالَ هَذِهِ لِهَذِهِ وَلَا أُبَالِي فَلَا أَدْرِي فِي أَيِّ الْقَبْضَتَيْنِ أَنَا.
اعلم أن الباعث على تخريج هذا الحديث وذكر طرقه أمران:
الأول : أن أحد أهل العلم وهو الشيخ محمد طاهر الفتني الهندي أورده في كتابه (تذكرة الموضوعات) ( 12 ) , وقال فيه (مضطرب الإسناد) , ولا أدري ما وجه ذلك ؟ فالحديث صحيح , ولا اضطراب فيه , إلا أن يكون اشتبه عليه بحديث آخر مضطرب , أو عنى طريقاً أخرى من طرقه , ثم لم يتتبع هذه الطرق الصحيحة له , والله أعلم.
والثاني : أن كثيراً من الناس يتوهمون أن هذه الأحاديث – ونحوها أحاديث كثيرة – تفيد أن الإنسان مجبور على أعماله الاختيارية , ما دام أنه حكم عليه منذ القديم وقبل أن يخلق : بالجنة أو النار.
وقد يتوهم آخرون أن الأمر فوضى أو حظ , فمن وقع في القبضة اليمنى , كان من أهل السعادة , ومن كان من القبضة الأخرى , كان من أهل الشقاوة.
فيجب أن يعلم جميعاً أن الله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) الشورى 11 , لا في ذاته , ولا في صفاته , فإذا قبض قبضة , فهي بعلمه وعدله وحكمته , فهو تعالى قبض باليمنى على من علم أنه سيطيعه حين يؤمر بطاعته , وقبض بالأخرى على من سبق في علمه تعالى أنه سيعصيه حين يؤمر بطاعته , ويستحيل على عدل الله تعالى أن يقبض باليمنى على من هو مستحق أن يكون من أهل القبضة الأخرى , والعكس بالعكس , كيف والله عز وجل يقول (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) القلم 35-36 .
ثم إن كلاً من القبضتين ليس فيها إجبار لأصحابهما أن يكونوا من أهل الجنة أو من أهل النار , بل هو حكم من الله تبارك وتعالى عليهم بما سيصدر منهم , من إيمان يستلزم الجنة , أو كفر يقتضي النار والعياذ بالله تعالى منها , وكل من الإيمان أو الكفر أمران اختياريان , لا يكره الله تبارك وتعالى أحداً من خلقه على واحد منهما (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) الكهف 29 , وهذا مشاهد معلوم بالضرورة , ولولا ذلك , لكان الثواب والعقاب عبثاً , والله منزه عن ذلك.
ومن المؤسف حقاً أن نسمع من كثير من الناس – حتى من بعض المشايخ – التصريح بأن الإنسان مجبور لا إرادة له , وبذلك يلزمون أنفسهم القول بأن الله يجوز له أن يظلم الناس , مع تصريحه تعالى بأنه لا يظلمهم مثقال ذرة , وإعلانه بأنه قادر على الظلم , ولكنه نزه نفسه عنه , كما في الحديث القدسي المشهور (يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي ..) , وإذا جوبهوا بهذه الحقيقة , بادروا إلى الاحتجاج بقوله تعالى (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) الأنبياء 23 , مصرين بذلك على أن الله تعالى قد يظلم , ولكنه لا يسأل عن ذلك تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وفاتهم أن الآية حجة عليهم ,لأن المراد بها – كما حققه العلامة ابن القيم في (شفاء العليل) وغيره- أن الله تعالى لحكمته وعدله في حكمه ليس لأحد أن يسأله عما يفعل , لأن كل أحكامه تعالى عدل واضح , فلا داعي للسؤال.
وللشيخ يوسف الدجوي رسالة مفيدة في تفسير هذه الآية , لعله أخذ مادتها من كتاب ابن القيم المشار إليه آنفاً , فليراجع.
هذه كلمة سريعة حول الأحاديث المتقدمة , حاولنا فيها إزالة شبهة بعض الناس حولها , فإن وفقت لذلك , فبها ونعمت , وإلا أحيل القارئ إلى المطولات في هذا البحث الخطير , مثل كتاب ابن القيم السابق , وكتب شيخه ابن تيمية الشاملة لمواضيع هامة هذا أحدها.

لا خير في العرب ولا في العجم إلا بالإسلام



51- (أَيُّمَا أَهْلِ بَيْت مِنْ الْعَرَبِ و الْعُجْمِ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ ثُمَّ تَقَعُ الْفِتَنُ كَأَنَّهَا الظُّلَلُ).
رواه أحمد , والحاكم , والبيهقي , وابن الأعرابي , وقال الحاكم : صحيح وليس له علة , وأقره الذهبي , وهو كما قالا .
وروى الحاكم ( 1/61-62 ) من طريق ابن شهاب قال : (خرج عمر بن الخطاب إلى الشام ومعنا أبو عبيدة بن الجراح فأتوا على مخاضة وعمر على ناقة فنزل عنها وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة فقال أبو عبيدة يا أمير المؤمنين أأنت تفعل هذا تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك فقال عمر أوه لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله).
والظلل : هي كل ما أظلك , واحدتها ظلة , أراد كأنها الجبال والسحب.

إن المؤمن لا يقبل منه عمله الصالح إذا لم يقصد به وجه الله



52- (إِنَّ اللَّهَ عز وجل لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ).وسببه كما رواه أَبِو أُمَامَةَ قَالَ : (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَالَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا شَيْءَ لَهُ فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّات يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا شَيْءَ لَهُ ثُمَّ قَالَ : (فذكره).
فهذا الحديث وغيره يدل على أن المؤمن لا يقبل منه عمله الصالح إذا لم يقصد به وجه الله عز وجل وفي ذلك يقول تعالى (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)الكهف110 , فإذا كان هذا شأن المؤمن , فماذا يكون حال الكافر بربه إذا لم يخلص له في عمله ؟ الجواب في قول الله تبارك وتعالى (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَل فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا)الفرقان23.
وعلى افتراض أن بعض الكفار يقصدون بعملهم الصالح وجه الله على كفرهم , فإن الله تعالى لا يضيع ذلك عليهم , بل يجازيهم عليها في الدنيا , وبذلك جاء النص الصحيح الصريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو:

53- (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَتةً يُعْطَى بِهَا [وفي رواية : يثاب عليها الرزق فِي الدُّنْيَا] , وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ يكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا).تلك هي القاعدة في هذه المسألة : أن الكافر يجازى على عمله الصالح شرعاً في الدنيا , فلا تنفعه حسناته في الآخرة , ولا يخفف عنه العذاب بسببها , فضلاً عن أن ينجو منه.
(تنبيه) : هذا في حسنات الكافر الذي يموت على كفره , كما هو ظاهر الحديث , وأما إذا أسلم , فإن الله تبارك وتعالى يكتب له كل حسناته التي عمل بها في كفره , ويجازيه بها في الآخرة , وفي ذلك أحاديث كثيرة , كقوله صلى الله عليه وسلم (إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ حَسَنَة كَانَ أَزْلَفَهَا) الحديث.
هذا , وقد يظن بعض الناس أن في السنة ما ينافي القاعدة المذكورة من مثل الحديث الآتي:
عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِب فَقَالَ :

54- (لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاح مِنْ نَار يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ).وجوابنا على ذلك من وجهين أيضاً :
الأول : أننا لا نجد في الحديث ما يعارض القاعدة المشار إليها , إذ ليس فيه أن عمل أبي طالب هو السبب في تخفيف العذاب عنه , بل السبب شفاعته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهي التي تنفعه.
ويؤيد هذا الحديث التالي :
عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِب بِشَيْء فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ قَالَ :

55- (نَعَمْ هُوَ فِي ضَحْضَاح مِنْ نَار وَلَوْلَا أَنَا [أي : شفاعته] لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ).فهذا الحديث نص في أن السبب في التخفيف إنما هو النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أي شفاعته كما في الحديث قبله , وليس هو عمل أبي طالب , فلا تعارض حينئذ بين الحديث وبين القاعدة السابقة.
ويعود أمر الحديث أخيراً إلى أنه خصوصية للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكرامة أكرمه الله تبارك وتعالى بها , حيث قبل شفاعته في عمه وقد مات على الشرك , مع أن القاعدة في المشركين أنهم كما قال الله عز وجل . (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ)المدثر 48 , ولكن الله تبارك وتعالى يخص بتفضله من شاء , ومن أحق بذلك من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سيد الأنبياء عليهم جميعاً صلوات الله؟.
والجواب الثاني : أننا لو سلمنا جدلاً أن سبب تخفيف العذاب عن أبي طالب هو انتصاره للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع كفره به , فذلك مستثنى من القاعدة , ولا يجوز ضربها بهذا الحديث , كما هو مقرر في علم أصول الفقه , ولكن الذي نعتمده في الجواب إنما هو الأول لوضوحه , والله أعلم.
توقيع :أبو محمد عبدالحميد الأثري

27-11-2011 10:15 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [1]
أبو محمد عبدالحميد الأثري
المشرف العام - وفقه الله تعالى
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-02-2011
المشاركات : 3141
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif عون الودود لتيسير مافي السلسلة الصحيحة من الفوائد والردود من المجلد الاول الى السادس
كَرَاهِيَةِ الْحَلْفِ بِالْأَمَانَةِ



94- (مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا).
قال الخطابي في (معالم السنن) تعليقاً على الحديث : (هذا يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل أنه إنما أمر أن يحلف بالله وصفاته , وليست الأمانة من صفاته , وإنما هي أمر من أمره وفرض من فروضه , فنهوا عنه , لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله عز وجل وصفاته).

من عظمة العرش والكرسي



109- (ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة).
رواه محمد بن أبي شيبة عن أبي ذر الغفاري قال : (دخلت المسجد الحرام , فرأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحده , فجلست إليه , فقلت : يارسول الله أيما نزلت آية عليك أفضل ؟ قال : آية الكرسي , ما السماوات السبع ...)الحديث.
والحديث خرج مخرج التفسير لقوله تعالى : (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)البقرة 255 , وهو صريح في كون الكرسي أعظم المخلوقات بعد العرش , وأنه جرم قائم بنفسه وليس شيئاً معنوياً , ففيه رد على من يتأوله بمعنى الملك وسعة السلطان , كما جاء في بعض التفاسير , وما روي عن ابن عباس أنه العلم , فلا يصح إسناده إليه , لأنه من رواية جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عنه , رواه ابن جرير.
قال ابن منده : (ابن أبي المغيرة ليس بالقوي في ابن جبير).
وأعلم أنه لا يصح في صفة الكرسي غير هذا الحديث , كما في بعض الرويات أنه موضع القدمين , وأن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد , وأنه يحمله أربعة أملاك , لكل ملك أربعة وجوه , وأقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة .... إلخ , فهذا كله لا يصح مرفوعاً عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وبعضه أشد ضعفاً من بعض , وقد خرجت بعضها فيما علقناه على كتاب (ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان) ملحقاً بآخره طبع المكتب الإسلامي.

جواب : من خلق الله



116- (إِنَّ أَحَدَكُمْ يَأْتِيهِ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَكَ فَيَقُولُ اللَّهُ فَيَقُولُ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقْرَأْ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُذْهِبُ عَنْهُ).
رواه أحمد : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (فذكره).

117- (يَأْتِي شَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا ؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا ؟ من خلق كذا ؟ حَتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ).
وللحديث طريق أخرى عن أبي هريرة بلفظ :

118- (يوشك الناس يتساءلون بينهم ، حتى يقول قائلهم: هذا الله خلق الخلق ، فمن خلق الله عز وجل ؟ فإذا قالوا ذلك ، فقولوا: [الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد] ، ثم ليتفل أحدكم عن يساره ثلاثا ، وليستعذ من الشيطان).
لقد دلت هذه الأحاديث الصحيحة على أنه يجب على من وسوس إليه الشيطان بقوله : من خلق الله ؟ أن ينصرف عن مجادلته إلى إجابته بما جاء في الأحاديث المذكورة , وخلاصتها أن يقول : (آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ , الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد، ثم يتفل عن يساره ثلاثا ، ويستعيذ بالله من الشيطان , ثم ينتهي عن الانسياق مع الوسوسة).
وأعتقد أن من فعل ذلك , طاعة لله ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مخلصاً في ذلك , أنه لا بد أن تذهب الوسوسة عنه , ويندحر شيطانه , لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (فَإِنَّ ذَلِكَ يُذْهِبُ عَنْهُ).
وهذا التعليم النبوي الكريم أنفع وأقطع للوسوسة من المجادلة العقلية في هذه القضية , فإن المجادلة قلما تنفع في مثلها , ومن المؤسف أن أكثر الناس في غفلة عن هذا التعليم النبوي الكريم , فتنبهوا أيها المسلمون , وتعرفوا إلى سنة نبيكم , واعملوا بها , فإن فيها شفاءكم وعزكم.

أول مخلوق



133- (إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم ، وأمره أن يكتب كل شيء يكون).
في الحديث إشارة إلى رد ما يتناقله الناس , حتى صار ذلك عقيدة راسخة في قلوب كثير منهم , وهو أن النور المحمدي هو أول ما خلق الله تبارك وتعالى , وليس لذلك أساس من الصحة , وحديث عبدالرزاق غير معروف إسناده , ولعلنا نفرده بالكلام في الأحاديث الضعيفة إن شاء الله تعالى.
وفيه رد على من يقول بأن العرش هو أول مخلوق , ولا نص في ذلك عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وإنما يقول به من قال كابن تيمية وغيره استنباطاً واجتهاداً , فالأخذ بهذا الحديث – وفي معناه أحاديث أخرى – أولى , لأنه نص في المسألة , ولا اجتهاد في مورد النص كما هو معلوم.
وتأويله بأن القلم مخلوق بعد العرش باطل , لأنه يصح مثل هذا التأويل لو كان هناك نص قاطع على أن العرش أول المخلوقات كلها , ومنها القلم , أما ومثل هذا النص مفقود , فلا يجوز هذا التأويل.
وفيه رد أيضاً على من يقول بحوادث لا أول لها , وأنه ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بمخلوق قبله , وهكذا إلى ما لا بداية له , بحيث لا يمكن أن يقال : هذا أول مخلوق , فالحديث يبطل هذا القول , ويعين أن القلم أول مخلوق , فليس قبله قطعاً أي مخلوق.
ولقد أطال ابن تيمية رحمه الله في الكلام في رده على الفلاسفة محاولاً إثبات حوادث لا أول لها , وجاء في أثناء ذلك بما تحار فيه العقول , ولا تقبله أكثر القلوب , حتى اتهمه خصومه بأنه يقول بأن المخلوقات قديمة لا أول لها , مع أنه يقول ويصرح بأن ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بالعدم , ولكنه مع ذلك يقول بتسلسل الحوادث إلى ما لا بداية له , كما يقول هو وغيره بتسلسل الحوادث إلى ما لا نهاية , فذلك القول منه غير مقبول , بل هو مرفوض بهذا الحديث , وكم كنا نود أن لا يلج ابن تيمية رحمه الله هذا المولج , لأن الكلام فيه شبيه بالفلسفة وعلم الكلام الذي تعلمنا منه التحذير والتنفير منه , ولكن صدق الإمام مالك رحمه الله حين قال : (ما منا من أحد إلا رد عليه إلا صاحب هذا القبر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).

حديث البطاقة



135- (إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَقُولُ أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا ؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ ؟ فَيَقُولُ لَا يَا رَبِّ فَيَقُولُ أَفَلَكَ عُذْرٌ ؟ فَيَقُولُ لَا يَا رَبِّ فَيَقُولُ بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولُ احْضُرْ وَزْنَكَ فَيَقُولُ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ فَقَالَ إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ قَالَ فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّة وَالْبِطَاقَةُ فِي كَفَّة فَطَاشَتْ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ).
وفي الحديث دليل على أن ميزان الأعمال له كفتان مشاهدتان , وأن الأعمال وإن كانت أعراضاً فإنها توزن , والله على كل شئ قدير , وذلك من عقائد أهل السنة , والأحاديث في ذلك متضافرة إن لم تكن متواترة.

من الآداب الواجبة مع الله



136- (قولوا: ماشاء الله ثم شئت ، وقولوا: ورب الكعبة).
أخرجه الطحاوي , والحاكم , والبيهقي , وأحمد , من طريق المسعودي عن سعيد بن خالد عن عبدالله بن يسار عن قتيلة بنت صيفي امرأة من جهينة قالت : (إن حبراً جاء إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : إنكم تشركون , تقولون : ما شاء الله وشئت , وتقولون : والكعبة , فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (فذكره).
ولعبدالله بن يسار حديث آخر نحو هذا , وهو:

137- (لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ).

138- (إِنَّ طُفَيْلًا رَأَى رُؤْيَا فَأَخْبَرَ بِهَا مَنْ أَخْبَرَ مِنْكُمْ وَإِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ كَلِمَةً كَانَ يَمْنُعُنِي الْحَيَاءُ مِنْكُمْ أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْهَا قَالَ لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ مُحَمَّدٌ).
وللحديث شاهد آخر من حديث ابْنِ عَبَّاس قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فُرَاجِعُهُ في بعض الْكَلَامَ فَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ فَقَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

139- (أجعلتني مع الله عدلاً [وفي لفظ: نداً] ؟ ! لا ، بل ما شاء الله وحده).
وفي هذه الأحاديث أن قول الرجل لغيره (ما شاء الله وشئت) : يعد شركاً في الشريعة , وهو من شرك الألفاظ , لأنه يوهم أن مشيئة العبد في درجة مشيئة الرب سبحانه وتعالى , وسببه القرن بين المشيئتين , ومثل ذلك قول بعض العامة وأشباههم ممن يدعي العلم ( مالي غير الله وأنت ) و(وتوكلنا على الله وعليك) , ومثله قول بعض المحاضرين : (باسم الله والوطن) , أو (باسم الله والشعب) , ونحو ذلك من الألفاظ الشركية التي يجب الانتهاء عنها والتوبة منها , أدباً مع الله تبارك وتعالى.
ولقد غفل عن هذا الأدب الكريم كثير من العامة , وغير قليل من الخاصة الذين يسوغون النطق بمثل هذه الشركيات , كمناداتهم غير الله في الشدائد , والاستنجاد بالأموات من الصالحين , والحلف بهم من دون الله تعالى , والإقسام بهم على الله عز وجل , فإذا ما أنكر ذلك عليهم عالم بالكتاب والسنة , فإنهم بدل أن يكونوا عوناً على إنكار المنكر , عادوا بالإنكار عليه , وقالوا : إن نية أولئك المنادين غير الله طيبة , وإنها الأعمال بالنيات كما جاء في الحديث.
فيجهلون أويتجاهلون – إرضاء للعامة – أن النية الطيبة وإن وجدت عند المذكورين , فهي لا تجعل العمل السيئ صالحاً , وأن معنى الحديث المذكور إنما الأعمال الصالحة بالنيات الخالصة , لا أن الأعمال المخالفة للشريعة تنقلب إلى أعمال صالحة مشروعة بسبب اقتران النية الصالحة بها , ذلك ما لا يقوله إلا جاهل أو مغرض , ألا ترى أن رجلاً لو صلى تجاه القبر , لكان ذلك منكراً من العمل , لمخالفته للأحاديث والآثار الواردة في النهي عن استقبال القبر بالصلاة , فهل يقول عاقل : إن الذي يعود إلى الاستقبال – بعد علمه بنهي الشرع عنه – إن نيته طيبة وعمله مشروع ؟ كلا ثم كلا , فكذلك هؤلاء الذي يستغيثون بغير الله تعالى , وينسونه تعالى في حالة هم أحوج ما يكونون فيها إلى عونه ومدده , لا يعقل أن تكون نياتهم طيبة , فضلاً عن أن يكون عملهم صالحاً , وهم يصرون على هذا المنكر وهم يعلمون.

مسمى الإسلام غير مسمى الإيمان



155- (أَسْلَمَ النَّاسُ وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِي).
وفي الحديث منقبة عظيمة لعمرو بن العاص رضي الله عنه , إذ شهد له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنه مؤمن , فإن هذا يستلزم الشهادة له بالجنة , لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الصحيح المشهور (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ) , متفق عليه , وقال تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)التوبة72.
وعلى هذا , فلا يجوز الطعن في عمرو رضي الله عنه – كما يفعل بعض الكتاب المعاصرين وغيرهم من المخالفين – بسبب ما وقع له من الخلاف – بل القتال – مع علي رضي الله عنه , لأن ذلك لا ينافي الإيمان , فإنه لا يستلزم العصمة كما لا يخفى , لا سيما إذا قيل : إن ذلك وقع منه بنوع الاجتهاد , وليس اتباعاً للهوى.
وفي الحديث إشارة إلى أن مسمى الإسلام غير الإيمان , وقد اختلف العلماء في ذلك اختلافاً كثيراً , والحق ما ذهب إليه جمهور السلف من التفريق بينهما , لدلالة الكتاب والسنة على ذلك فقال تعالى : (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)الحجرات14, وحديث جبريل في التفريق بين الإسلام والإيمان معروف مشهور.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان (ص 305- طبع المكتب الإسلامي) : (والرد إلى الله ورسوله في مسألة الإسلام والإيمان يوجب أن كلاً من الاسمين , وإن كان مسماه واجباً , ولا يستحق أحد الجنة إلا بأن يكون مؤمناً مسلماً , فالحق في ذلك ما بينه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث جبريل , فجعل الدين وأهله ثلاث طبقات : أولها الإسلام , وأوسطها الإيمان , وأعلاها الإحسان , ومن وصل إلى العليا فقد وصل إلى التي تليها , فالمحسن مؤمن , والمؤمن مسلم , وأما المسلم , فلا يجب أن يكون مؤمناً).
ومن شاء بسط الكلام على هذه المسألة مع التحقيق الدقيق , فليرجع إلى الكتاب المذكور , فإنه خير ما ألف في هذا الموضوع.

عاقبة من لم يؤمن به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ



157- (والذي نفسي بيده ؛ لا يسمع بي رجل من هذه الأمة ، ولا يهودي ، ولا نصراني ، ثم لم يؤمن بي ؛ إلا كان من أهل النار).
والحديث صريح في أن من سمع بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما أرسل به , بلغه ذلك على الوجه الذي أنزله الله عليه , ثم لم يؤمن به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أن مصيره إلى النار , لا فرق في ذلك بين يهودي أو نصراني أو مجوسي أو لا ديني.
واعتقادي أن كثيراً من الكفار لو اتيح لهم الاطلاع على الأصول والعقائد والعبادات التي جاء بها الإسلام , لسارعوا إلى الدخول فيه أفواجاً , كما وقع ذلك في أول الأمر , فليت أن بعض الدول الإسلامية ترسل إلى بلاد الغرب من يدعو إلى الإسلام ممن هو علىعلم به علي حقيقته , وعلى معرفة بما ألصق به من الخرافات والبدع والافتراءات , ليحسن عرضه على المدعوين إليه , وذلك يستدعي أن يكون على علم بالكتاب والسنة الصحيحة , ومعرفة ببعض اللغات الأجنبية الرائجة , وهذا شئ عزيز يكاد يكون مفقوداً , فالقضية تتطلب استعدادات هامة , فلعلهم يفعلون.
توقيع :أبو محمد عبدالحميد الأثري

27-11-2011 10:15 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [2]
أبو محمد عبدالحميد الأثري
المشرف العام - وفقه الله تعالى
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-02-2011
المشاركات : 3141
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif عون الودود لتيسير مافي السلسلة الصحيحة من الفوائد والردود من المجلد الاول الى السادس
الجاهليون ليسوا من أهل الفترة



158- (لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُسْمِعَكُمْ [من] عَذَابَ الْقَبْرِ [ما أسمعني]).
قال الإمام أحمد حَدَّثَنَا يَزِيدُ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِنَخْل لِبَنِي النَّجَّارِ فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا قَبْرُ رَجُل دُفِنَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فذكره).
وله شاهد من حديث جابر قال : (دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا نَخْلًا لِبَنِي النَّجَّارِ فَسَمِعَ أَصْوَاتَ رِجَال مِنْ بَنِي النَّجَّارِ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزِعًا فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ تَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) ، أخرجه أحمد بسند صحيح متصل علي شرط مسلم.
وله شاهد آخر من حديث زَيْدِ بْنِ ثَابِت مرفوعاً , وهو:

159- (إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا , فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا , لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْه . قال زيد :ُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ , فَقَالَ تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ قَالُوا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ فَقَالَ تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ قَالُوا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ قَالَ تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ قَالُوا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ قَالَ تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ قَالُوا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ).
أخرجه مسلم من طريق ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ وَأَخْبَرَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِت قَالَ أَبُو سَعِيد وَلَمْ أَشْهَدْهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ حَدَّثَنِيهِ زَيْدُ بْنُ ثَابِت قَالَ : بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَائِط لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَة لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ – شك الجريري - فَقَالَ مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَقْبُرِ فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا قَالَ فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ قَالَ مَاتُوا فِي الْإِشْرَاكِ فَقَالَ (فذكره).
وفي هذه الأحاديث فوائد كثيرة أذكر بعضها أو أهمها:
1- إثبات عذاب القبر , والأحاديث في ذلك متواترة , فلا مجال للشك فيه بزعم أنها آحاد , ولو سلمنا أنها آحاد , فيجب الأخذ بها لأن القرآن يشهد لها , قال تعالى (وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)غافر45-46 , ولو سلمنا أنه لا يوجد في القرآن ما يشهد لها , فهي وحدها كافية لإثبات هذه العقيدة , والزعم بأن العقيدة لا تثبت بما صح من أحاديث الآحاد زعم باطل دخيل في الإسلام , لم يقل به أحد من الأئمة الأعلام – كالأربعة وغيرهم- بل هو مما جاء به بعض علماء الكلام بدون برهان من الله ولا سلطان , وقد كتبنا فصلاً خاصاً في هذا الموضوع الخطير في كتاب لنا , أرجو أن أوفق لتبييضه ونشره على الناس.
2- أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسمع ما لا يسمع الناس , وهذا من خصوصياته عليه الصلاة والسلام , كما أنه كان يرى جبريل ويكلمه والناس لا يرونه ولا يسمعون كلامه , فقد ثبت في البخاري وغيره أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال يوماً لعائشة رضي الله عنها : (هذا جبريل يقرئك السلام , فقالت : وعليه السلام يارسول الله ترى ما لا نرى).
ولكن خصوصياته عليه السلام إنما تثبت بالنص الصحيح , فلا تثبت بالنص الضعيف ولا بالقياس والأهواء , والناس في هذه المسألة على طرفي نقيض , فمنهم من ينكر كثيراً من خصوصياته الثابتة بالإسانيد الصحيحة , إما لأنها غير متواترة بزعمه , وإما لأنها غير معقولة لديه , ومنهم من يثبت له عليه السلام ما لم يثبت , مثل قولهم : إنه أول المخلوقات , وإنه كان لا ظل له في الأرض , وإنه إذا سار في الرمل , لا تؤثر قدمه فيه , بينما إذا داس على الصخر علم عليه , وغير ذلك من الأباطيل.
والقول الوسط في ذلك أن يقال : إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشر بنص القرآن والسنة وإجماع الأمة , فلا يجوز أن يعطى له من الصفات والخصوصيات إلا ما صح به النص في الكتاب والسنة , فإذا ثبت ذلك , وجب التسليم له , ولم يجز رده بفلسفة خاصة علمية أو عقلية زعموا.
ومن المؤسف أنه قد انتشر في العصر الحاضر انتشاراً مخيفاً رد الأحاديث الصحيحة لأدنى شبهة ترد من بعض الناس , حتى ليكاد يقوم في النفس أنهم يعاملون أحاديثه عليه السلام معاملة أحاديث غيره من البشر الذين ليسوا معصومين , فهم يأخذون منها ما شاؤوا , ويدعون ما شاؤوا , ومن أولئك طائفة ينتمون إلى العلم وبعضهم يتولى مناصب شرعية كبيرة , فإنا لله وإنا إليه راجعون , ونسأله تعالى أن يحفظنا من شر الفريقين المبطلين والغالين.
3- إن سؤال الملكين في القبر حق ثابت , فيجب اعتقاده أيضاً , والأحاديث فيه أيضاً متواترة.
4- إن فتنة الدجال فتنة عظيمة , ولذلك أمر بالاستعاذة من شرها في هذا الحديث وفي أحاديث أخرى , حتى أمر بذلك في الصلاة قبل السلام , كما ثبت في البخاري وغيره , وأحاديث الدجال كثيرة جداً , بل هي متواترة عند أهل العلم بالسنة.
ولذلك جاء في كتب العقائد وجوب الإيمان بخروجه في آخر الزمان , كما جاء فيها وجوب الإيمان بعذاب القبر وسؤال الملكين.
5- إن أهل الجاهلية الذين ماتوا قبل بعثته عليه الصلاة والسلام معذبون بشركهم وكفرهم , وذلك يدل على أنهم ليسوا من أهل الفترة الذين لم تبلغهم دعوة نبي , خلافاً لما يظنه بعض المتأخرين إذ لو كانوا كذلك , لم يستحقوا العذاب لقوله سبحانه وتعالى : (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الإسراء 15.
وقد قال النووي في شرح حديث مسلم : (إن رجلاً قال : يارسول الله , أين أبي ؟ قال في النار ...) الحديث , قال النووي : فيه أن من مات على الكفر فهو في النار , ولا تنفعه قرابة المقربين , وفيه أن من مات علي الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار , وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة , فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم.

لا طاعة لبشر في معصية الله



179- (لَا طَاعَةَ لِأَحَد فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى).
رواه أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : أَرَادَ زِيَادٌ أَنْ يَبْعَثَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْن عَلَى خُرَاسَانَ فَأَبَى عَلَيْهِمْ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ أَتَرَكْتَ خُرَاسَانَ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهَا قَالَ فَقَالَ إِنِّي وَاللَّهِ مَا يَسُرُّنِي أَنْ أُصَلِّيَ بِحَرِّهَا وَتُصَلُّونَ بِبَرْدِهَا إِنِّي أَخَافُ إِذَا كُنْتُ فِي نُحُورِ الْعَدُوِّ أَنْ يَأْتِيَنِي كِتَابٌ مِنْ زِيَاد فَإِنْ أَنَا مَضَيْتُ هَلَكْتُ وَإِنْ رَجَعْتُ ضُرِبَتْ عُنُقِي قَالَ فَأَرَادَ الْحَكَمَ بْنَ عَمْرو الْغِفَارِيَّ عَلَيْهَا قَالَ فَانْقَادَ لِأَمْرِهِ قَالَ فَقَالَ عِمْرَانُ أَلَا أَحَدٌ يَدْعُو لِي الْحَكَمَ قَالَ فَانْطَلَقَ الرَّسُولُ قَالَ فَأَقْبَلَ الْحَكَمُ إِلَيْهِ قَالَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ فَقَالَ عِمْرَانُ لِلْحَكَمِ أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (فذكره) ؟ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ عِمْرَانُ لِلَّهِ الْحَمْدُ أَوْ اللَّهُ أَكْبَرُ.

180- (لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى).
وللحديث شاهد من حديث علي , وفيه تفصيل قصة الأمير الذي أمر جنده بدخول النار , وهو:

181- (لَا طَاعَة [لبشر]َ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ).
أخرجه البخاري , ومسلم , و وأبوداود , والنسائي , والطيالسي , وأحمد , عَنْ عَلِيّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ جَيْشًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا فَأَوْقَدَ نَارًا وَقَالَ ادْخُلُوهَا فَأَرَادَ نَاسٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا وَقَالَ الْآخَرُونَ إِنَّا قَدْ فَرَرْنَا مِنْهَا فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقَالَ لِلْآخَرِينَ قَوْلًا حَسَنًا وَقَالَ sadفذكره).
وفي هذا الحديث فوائد كثيرة , أهمها أنه لا يجوز إطاعة أحد في معصية الله تبارك وتعالى و سواء في ذلك الأمراء والعلماء والمشايخ.
ومنه يعلم ضلال طوائف من الناس:
الطائفة الأول : بعض المتصوفة الذين يطيعون شيوخهم , ولو أمروهم بمعصية ظاهرة و بحجة أنها في الحقيقة ليست بمعصية , وأن الشيخ يرى ما لا يرى المريد , وأعرف شيخاً من هؤلاء نصب نفسه مرشداً قص على أتباعه في بعض دروسه في المسجد قصة خلاصتها أن أحد مشايخ الصوفية أمر ليلة أحد مريديه بأن يذهب إلى أبيه فيقتله على فراشه بجانب زوجته , فلما قتله عاد إلى شيخه مسروراً لتنفيذ أمر الشيخ , فنظر إليه الشيخ , وقال : أتظن أنك قتلت أباك حقيقة ؟ إنما هو صاحب أمك , وأما أبوك فهو غائب , ثم بنى على هذه القصة حكماً شرعياً بزعمه , فقال لهم : إن الشيخ إذا أمر مريده بحكم مخالف للشرع في الظاهر أن على المريد أن يطيعه في ذلك , قال : ألا ترون إلى هذا الشيخ أنه في الظاهر أمر الولد بقتل والده , ولكنه في الحقيقة إنما أمره بقتل الزاني بوالدة الولد , وهو يستحق القتل شرعاً , ولا يخفى بطلان هذه القصة شرعاً على وجوه كثيرة:
أولاً : أن تنفيذ الحد ليس من حق الشيخ مهما كان شأنه , وإنما هو من حق الأمير أو الوالي.
ثانياً : أنه لو كان له ذلك , فلماذا نفذ الحد بالرجل دون المرأة , وهما في ذلك سواء؟.
ثالثاً : أن الزاني المحصن حكمه شرعاً القتل رجماً , وليس القتل بغير الرجم.
ومن ذلك يتبين أن ذلك الشيخ قد خالف الشرع من وجوه , وكذلك شأن ذلك المرشد الذي بنى على القصة ما بنى من وجوب إطاعة الشيخ ولو خالف الشرع ظاهراً , حتى لقد قال لهم : إذا رأيتم الشيخ على عنقه الصليب , فلا يجوز لكم أن تنكروا عليه.
ومع وضوح بطلان مثل هذا الكلام , ومخالفته للشرع , والعقل معاً نجد في الناس من ينطلي عليه كلامه , وفيهم بعض الشباب المثقف.
ولقد جرت بيني وبين أحدهم مناقشة حول تلك القصة , وكان قد سمعها من ذلك المرشد , وما بنى عليها من حكم , ولكن لم تجد المناقشة معه شيئاً , وظل مؤمناً بالقصة , لأنها من باب الكرامات في زعمه , قال : وأنتم تنكرون الكرامة , ولما قلت له : لو أمرك شيخك بقتل والدك فهل تفعل؟ فقال إنني لم أصل بعد إلى هذه المنزلة.
فتباً لإرشاد يؤدي إلى تعطيل العقول والإستسلام للمضلين إلى هذه المنزلة فهل من عتب بعد ذلك على من يصف دين هؤلاء بأنه أفيون الشعب؟
الطائفة الثانية : وهم المقلدة الذين يؤثرون اتباع كلام المذهب على كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع وضوح ما يؤخذ منه , فإذا قيل لأحدهم مثلاً لا تصل سنة الفجر بعد أن أقيمت الصلاة لنهي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك صراحة , لم يطع , وقال المذهب : يجيز ذلك , وإذا قيل له : إن نكاح التحليل باطل , لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن فاعله , أجابك بقوله : لا , بل هو جائز في المذهب الفلاني , وهكذا إلى مئات المسائل , ولهذا ذهب كثير من المحقيقين إلى أن أمثال هؤلاء المقلدين ينطبق عليهم قول الله تبارك وتعالى في النصارىsadاتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)التوبة31 , كما بين ذلك الفخر الرازي في تفسيره.
الطائفة الثالثة : وهم الذين يطيعون ولاة الأمور فيما يشرعونه للناس من نظم وقرارات مخالفة للشرع , كالشيوعية وما شابهها , وشرهم من يحاول أن يظهر أن ذلك موافق للشرع غير مخالف له , وهذه مصيبة شملت كثيراً ممن يدعي العلم والإصلاح في هذا الزمان , حتى اغتر بذلك كثير من العوام , فيصح فيهم وفي متبوعيهم الآية السابقة (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)التوبة31 , نسأل الله الحماية والسلامة.

كراهة الاكتواء والاسترقاء



244- (مَنِ اكْتَوَى أَوِ اسْتَرْقَى فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ).
وفي الحديث كراهة الاكتواء والاسترقاء : أما الأول , فلما فيه من التعذيب بالنار , وأما الآخر , فلما فيه من الاحتياج إلى الغير فيما الفائدة فيه مظنونة غير راجحة , ولذلك كان من صفات الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون , كما في حديث ابن عباس عند الشيخين , وزاد مسلم في روايته فقال : لا يرقون ولا يسترقون , وهي زيادة شاذة كما بينته فيما علقته على كتابي مختصر صحيح مسلم.
توقيع :أبو محمد عبدالحميد الأثري

27-11-2011 10:15 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [3]
أبو محمد عبدالحميد الأثري
المشرف العام - وفقه الله تعالى
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-02-2011
المشاركات : 3141
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif عون الودود لتيسير مافي السلسلة الصحيحة من الفوائد والردود من المجلد الاول الى السادس
الكافر إذا أسلم نفعه عمله الصالح في الجاهلية



247 – (إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ حَسَنَة كَانَ أَزْلَفَهَا وَمُحِيَتْ عَنْهُ كُلُّ سَيِّئَة كَانَ أَزْلَفَهَا ثُمَّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْف وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهَا).
قال الحافظ في الفتح:
(وقد ثبت في جميع الروايات ما سقط من رواية البخاري وهو كتابة الحسنات المتقدمة قبل الإسلام , وقوله " كتب الله " أي أمر أن بكتب , وللدارقطني من طريق زيد بن شعيب عن مالك بلفظ " يقول الله لملائكته اكتبوا " فقيل إن المصنف أسقط ما رواه غيره عمدا لأنه مشكل على القواعد وقال المازري : الكافر ليس كذلك , فلا يثاب على العمل الصالح الصادر منه في شركه , لأن من شرط المتقرب أن يكون عارفا لمن يتقرب إليه والكافر ليس كذلك . وتابعه القاضي عياض على تقرير هذا الإشكال , واستضعف ذلك النووي فقال : الصواب الذي عليه المحققون - بل نقل بعضهم فيه الإجماع - أن الكافر إذا فعل أفعالا جميلة كالصدقة وصلة الرحم ثم أسلم ثم مات على الإسلام أن ثواب ذلك يكتب له , وأما دعوى أنه مخالف للقواعد فغير مسلم لأنه قد يعتد ببعض أفعال الكافر في الدنيا ككفارة الظهار فإنه لا يلزمه إعادتها إذا أسلم وتجزئه انتهى).
ثم قال الحافظ : (والحق أنه لا يلزم من كتابة الثواب للمسلم في حال إسلامه تفضلا من الله وإحسانا أن يكون ذلك لكون عمله الصادر منه في الكفر مقبولا , والحديث إنما تضمن كتابة الثواب ولم يتعرض للقبول , ويحتمل أن يكون القبول يصير معلقا على إسلامه فيقبل ويثاب إن أسلم وإلا فلا , وهذا قوي , وقد جزم بما جزم به النووي إبراهيم الحربي وابن بطال وغيرهما من القدماء والقرطبي وابن المنير من المتأخرين , قال ابن المنير : المخالف للقواعد دعوى أن يكتب له ذلك في حال كفره , وأما أن الله يضيف إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه مما كان يظنه خيرا فلا مانع منه كما لو تفضل عليه ابتداء من غير عمل , وكما يتفضل على العاجز بثواب ما كان يعمل وهو قادر , فإذا جاز أن يكتب له ثواب ما لم يعمل البتة جاز أن يكتب له ثواب ما عمله غير موفي الشروط واستدل غيره بأن من آمن من أهل الكتاب يؤتى أجره مرتين كما دل عليه القرآن والحديث الصحيح , وهو لو مات على إيمانه الأول لم ينفعه شيء من عمله الصالح , بل يكون هباء منثورا . فدل على أن ثواب عمله الأول يكتب له مضافا إلى عمله الثاني , وبقوله صلى الله عليه وسلم لما سألته عائشة عن ابن جدعان : وما كان يصنعه من الخير هل ينفعه ؟ فقال " إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين " فدل على أنه لو قالها بعد أن أسلم نفعه ما عمله في الكفر).
قلت : وهذا هو الصواب الذي لا يجوز القول بخلافه , لتضافر الأحاديث على ذلك ولهذا قال السندي رحمه الله في حاشيته على النسائي : (وهذا الحديث يدل على أن حسنات الكافر موقوفة إن أسلم تقبل وإلا ترد وعلى هذا فنحو قوله تعالى (والذين كفروا أعمالهم كسراب) النور 29 , محمول على من مات على الكفر والظاهر أنه لا دليل على خلافه وفضل الله أوسع من هذا وأكثر فلا استبعاد فيه وحديث الإيمان يجب ما قبله من الخطايا في السيئات لا في الحسنات).
قلت : ومثل الآية التي ذكرها السندي رحمه الله سائر الآيات الواردة في إحباط العمل بالشرك , كقوله تعالى : (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) الزمر 65 , فإنها كلها محمولة على من مات مشركاً , ومن الدليل على ذلك قوله عز وجل : (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)البقرة217.
ويترتب على ذلك مسألة فقهية , وهي أن المسلم إذا حج ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام , لم يحبط حجه , ولم يجب عليه إعادته , وهو مذهب الإمام الشافعي , وأحد قولي الليث بن سعد , واختاره ابن حزم وانتصر له بكلام جيد متين , أرى أنه لا بد من ذكره , قال رحمه الله تعالى: (مَسْأَلَةٌ : مَنْ حَجَّ وَاعْتَمَرَ , ثُمَّ ارْتَدَّ , ثُمَّ هَدَاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَاسْتَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ فَأَسْلَمَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْحَجَّ ، وَلاَ الْعُمْرَةَ , وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ , وَأَحَدُ قَوْلَيْ اللَّيْثِ.
وقال أبو حنيفة , وَمَالِكٌ , وَأَبُو سُلَيْمَانَ : يُعِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ , وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ)الزمر65 , مَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَهَا , وَلاَ حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا ; لإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ فِيهَا : لَئِنْ أَشْرَكَتْ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك الَّذِي عَمِلْت قَبْلَ أَنْ تُشْرِكَ , وَهَذِهِ زِيَادَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لاَ تَجُوزُ , وَإِنَّمَا أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ يَحْبَطُ عَمَلُهُ بَعْدَ الشِّرْكِ إذَا مَاتَ أَيْضًا عَلَى شِرْكِهِ لاَ إذَا أَسْلَمَ وَهَذَا حَقٌّ بِلاَ شَكّ. وَلَوْ حَجَّ مُشْرِكٌ أَوْ اعْتَمَرَ , أَوْ صَلَّى , أَوْ صَامَ , أَوْ زَكَّى , لَمْ يُجْزِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، عَنِ الْوَاجِبِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ قوله تعالى فِيهَا : (وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ)الزمر65 , بَيَانُ أَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا رَجَعَ إلَى الإِسْلاَمِ لَمْ يَحْبَطْ مَا عَمِلَ قَبْلُ إسْلاَمِهِ أَصْلاً بَلْ هُوَ مَكْتُوبٌ لَهُ وَمُجَازًى عَلَيْهِ بِالْجَنَّةِ ; لاَِنَّهُ لاَ خِلاَفَ بَيْنَ أَحَد مِنْ الآُمَّةِ فِي أَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا رَجَعَ إلى الإِسْلاَمَ لَيْسَ مِنْ الْخَاسِرِينَ , بَلْ مِنْ الْمُرْبِحِينَ الْمُفْلِحِينَ الْفَائِزِينَ , فَصَحَّ أَنَّ الَّذِي يَحْبَطُ عَمَلُهُ هُوَ الْمَيِّتُ عَلَى كُفْرِهِ مُرْتَدًّا أَوْ غَيْرَ مُرْتَدّ , وَهَذَا هُوَ مِنْ الْخَاسِرِينَ بِلاَ شَكّ , لاَ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ كُفْرِهِ أَوْ رَاجَعَ الإِسْلاَمَ بَعْدَ رِدَّتِهِ.
وَقَالَ تَعَالَى (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ ، عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ)البقرة217 , فَصَحَّ نَصُّ قَوْلِنَا : مِنْ أَنَّهُ لاَ يَحْبَطُ عَمَلُهُ إنْ ارْتَدَّ إلاَّ بِأَنْ يَمُوتَ وَهُوَ كَافِر.
وَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : (أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِل مِنْكُمْ مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى)ال عمران195 , وَقَالَ تَعَالَى (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْرًا يَرَه)الزلزلة7 , ُوَهَذَا عُمُومٌ لاَ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ , فَصَحَّ أَنَّ حَجَّهُ وَعُمْرَتَهُ إذَا رَاجَعَ الإِسْلاَمَ سَيَرَاهُمَا ، وَلاَ يَضِيعَانِ لَهُ.
وروينا من طرق كالشمس عن الزهري وعن هشام بن عروة المعنى كلاهما عن عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال لرسول الله عليه السلام : أي رسول الله , أرأيت أموراً كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم , أفيها أجر ؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

248- (أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أسَلَفتَ مِنْ خَيْر).
أخرجه الشيخان وغيرهما.
قال ابن حزم : (فَصَحَّ أَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا أَسْلَمَ , وَالْكَافِرُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ قَطُّ , إذَا أَسْلَمَا فَقَدْ أَسْلَمَا عَلَى مَا أَسَلَفَا مِنْ الْخَيْرِ , وَقَدْ كَانَ الْمُرْتَدُّ إذَا حَجَّ وَهُوَ مُسْلِمٌ قَدْ أَدَّى مَا أُمِرَ بِهِ , وَمَا كُلِّفَ كَمَا أُمِرَ بِهِ فَقَدْ أَسْلَمَ الآنَ عَلَيْهِ , فَهُوَ لَهُ كَمَا كَانَ , وَأَمَّا الْكَافِرُ يَحُجُّ كَالصَّابِئِينَ الَّذِينَ يَرَوْنَ الْحَجَّ إلَى مَكَّةَ دِينِهِمْ , فَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ ; لاَِنَّهُ لَمْ يُؤَدِّهِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ ; لإِنَّ مِنْ فَرْضِ الْحَجِّ وَسَائِرِ الشَّرَائِعِ كُلِّهَا أَنْ لاَ تُؤَدَّى إلاَّ كَمَا أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فِي الدِّينِ الَّذِي جَاءَ بِهِ , الَّذِي لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى دِينًا غَيْرَهُ , وَقَالَ عليه السلام : (مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمَرْنَا فَهُوَ رَد) ٌّ, وَالصَّابِئُ إنَّمَا حَجَّ كَمَا أَمَرَهُ يوراسف , أَوْ هُرْمُسُ فَلاَ يُجْزِئُهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَيَلْزَمُ مَنْ أَسْقَطَ حَجَّهُ بِرِدَّتِهِ أَنْ يُسْقِطَ إحْصَانَهُ , وَطَلاَقَهُ الثَّلاَثَ , وَبَيْعَهُ , وَابْتِيَاعَهُ , وَعَطَايَاهُ الَّتِي كَانَتْ فِي الإِسْلاَمِ , وَهُمْ لاَ يَقُولُونَ بِهَذَا ; فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ).
وإذا تبين هذا , فلا منافاة بينه وبين حديث : (أن الكافر يثاب على حسناته ما عمل بها لله في الدنيا) , لأن المراد به الكافر الذي سبق في علم الله أنه يموت كافراً , بدليل قوله في آخره : (حتى إذا أفضى إلى الآخرة , لم يكن له حسنة يجزى بها) , وأما الكافر الذي سبق في علم الله أنه يسلم ويموت مؤمناً , فهو يجازى على حسناته التي عملها حالة كفره في الآخرة , كما أفادته الأحاديث المتقدمة , ومنها حديث حكيم بن حزام الذي أورده ابن حزم في كلامه المتقدم وصححه ولم يعزه لأحد من المؤلفين , وقد أخرجه البخاري , ومسلم , وأبوعوانة , وأحمد .
ومنها حديث عائشة في ابن جدعان الذي ذكره الحافظ غير معزو لأحد , فأنا أسوقه الآن وهو:

249- (لَا يَا عَائِشَةُ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ).
أخرجه مسلم , وأبو عوانة , وأحمد , وابنه عبدالله , وأبوبكر العدل , والواحدي , من طرق عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوق – ولم يذكر الأخيران مسروقاً - عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ قَالَ (فذكر).
وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة على أن الكافر إذا أسلم نفعه عمله الصالح في الجاهلية , بخلاف ما إذا مات على كفره , فإنه لا ينفعه , بل يحبط بكفره , وقد سبق بسط الكلام في هذا في الحديث الذي قبله.
وفيه دليل أيضاً على أن أهل الجاهلية الذين ماتوا قبل البعثة المحمدية ليسوا من أهل الفترة الذين لم تبلغهم دعوة الرسل , إذ لو كانوا كذلك , لم يستحق ابن جدعان العذاب , ولما حبط عمله الصالح , وفي هذا أحاديث أخرى كثيرة سبق أن ذكرنا بعضها.

تحريم سؤال شئ من أمور الدنيا بوجه الله تعالى وتحريم عدم إعطاء من سأل به تعالى



255- (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلًا قُلْنَا بَلَى قَالَ رَجُلٌ ممسك بِرَأْسِ فَرَسِه- أو قال فرس - ِ فِي سَبِيلِ اللَّه حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يُقْتَلَ . قال - وَأُخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَلِيهِ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : امرؤ مُعْتَزِلٌ فِي شِعْب , يُقِيمُ الصَّلَاةَ , وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ , وَيَعْتَزِلُ النَّاسِ , قال : فَأُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاس منزلة ؟ قُلْنَا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الَّذِي يُسْأَلُ بِاللَّهِ العظيم وَلَا يُعْطِي بِهِ).
في هذا الحديث تحريم سؤال شئ من أمور الدنيا بوجه الله تعالى , وتحريم عدم إعطاء من سأل به تعالى.
قال السندي في حاشية على النسائي : (الذي يسأل بالله على بناء الفاعل أي الذي يجمع بين القبيحتن أحدهما السؤال بالله والثاني عدم الإعطاء لمن يسأل به تعالى فما يراعي حرمة اسمه تعالى في الوقتين جميعا وأما جعله مبنيا للمفعول فبعيد إذ لا صنع للعبد في أن يسأله السائل بالله فلا وجه للجمع بينه وبين ترك الإعطاء في هذا المحل).
قلت : ومما يدل على تحريم عدم الإعطاء لمن يسأل به تعالى حديث ابن عمر (من استعاذكم بالله ؛ فأعيذوه ، ومن سألكم بالله ؛ فأعطوه ، ومن دعاكم ؛ فأجيبوه ، [ومن استجار بالله ؛ فأجيروه] ، ومن أتى إليكم معروفا ؛ فكافئوه ، فإن لم تجدوا ؛ فادعوا الله له حتى تعلموا أن قد كافأتموه) , وحديث ابن عباس مرفوعاً (من استعاذ بالله فأعيذوه , ومن سألكم بوجه الله فأعطوه) , ويدل على تحريم السؤال به تعالى حديث : (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة) , ولكنه ضعيف الإسناد , كما بينه المنذري وغيره , ولكن النظر الصحيح يشهد له , فإنه إذا ثبت وجوب الإعطاء لمن سأل به تعالى كما تقدم , فسؤال السائل به قد يعرض المسؤول للوقوع في المخالفة , وهي عدم إعطائه إياه ما سأل , وهو حرام , وما أدى إلى محرم فهو حرام , فتأمل.
ولقد كره عطاء أن يسأل بوجه الله أو بالقرآن شئ من أمور الدنيا.
ووجوب الإعطاء إنما هو إذا كان المسؤول قادراً على الإعطاء , ولا يلحقه ضرر به أو بأهليه , وإلا , فلا يجب عليه , والله أعلم.

بطلان الحديث الشائع : لهم ما لنا وعليهم ما علينا



303- (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنْ يَسْتَقْبِلُوا قِبْلَتَنَا وَيَأْكُلُوا ذَبِيحَتَنَا وَأَنْ يُصَلُّوا صَلَاتَنَا فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ [فقد] حُرِّمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ).
في هذا الحديث دليل على بطلان الحديث الشائع اليوم على ألسنة الخطباء والكتاب : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في أهل الذمة : (لهم ما لنا , وعليهم ما علينا).
وهذا مما لا أصل له عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بل هذا الحديث الصحيح يبطله , لأنه صريح في أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما قال فيمن أسلم من المشركين وأهل الكتاب , وعمدة أولئك الخطباء على بعض الفقهاء الذين لا علم عندهم بالحديث الشريف , كما بينته في الأحاديث الضعيفة والموضوعة , فراجعه , فإنه من المهمات.
وللحديث شاهد بلفظ آخر , وهو:

304- (من أسلم من أهل الكتاب ؛ فله أجره مرتين ، وله مثل الذي لنا ، وعليه مثل الذي علينا ، ومن أسلم من المشركين ، فله أجره ، وله مثل الذي لنا ، وعليه مثل الذي علينا).
توقيع :أبو محمد عبدالحميد الأثري

27-11-2011 10:15 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [4]
أبو محمد عبدالحميد الأثري
المشرف العام - وفقه الله تعالى
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-02-2011
المشاركات : 3141
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif عون الودود لتيسير مافي السلسلة الصحيحة من الفوائد والردود من المجلد الاول الى السادس
إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ



331 – (إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ).
والرقى : هي هنا كل ما فيه الاستعاذة بالجن أو لا يفهم معناها مثل كتابة بعض المشايخ من العجم على كتابهم لفظة (يا كبيكج) لحفظ الكتب من الأرضة زعموا.
والتمائم : جمع تميمة , وأصلها خرزات تعلقها العرب على رأس الولد لدفع العين , ثم توسعوا فيها , فسموا بها كل عوذة.
قلت : ومن ذلك تعليق بعضهم نعل الفرس على باب الدار , أو في صدر المكان , وتعليق بعض السائقين نعلاً في مقدمة السيارة أو مؤخرتها , أو الخرز الأزرق على مرآة السيارة التي تكون أمام السائق من الداخل , كل ذلك من أجل العين زعموا.
وهل يدخل في - التمائم – الحجب التي يعلقها بعض الناس على أولادهم أو على أنفسهم إذا كانت من القرآن أو الأدعية الثابتة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ للسلف في ذلك قولان , أرجحهما عندي المنع , كما بينته فيما علقته على الكلم الطيب لشيخ الإسلام ابن تيمية.
والتولة : بكسر التاء وفتح الواو , ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره , قال ابن الأثير : (جعله من الشرك لاعتقادهم أن ذلك يؤثر ويفعل خلاف ما قدره الله تعالى).

الملائكة فقط هم الذين خلقوا من نور



458- (خلقت الملائكة من نور ، وخلق إبليس من نار السموم ، وخلق آدم عليه السلام مما قد وصف لكم).
في الحديث إشارة إلى بطلان الحديث المشهور على ألسنة الناس : (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر) , ونحوه من الأحاديث التي تقول بأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلق من نور , فإن هذا الحديث دليل واضح على أن الملائكة فقط هم الذين خلقوا من نور , دون آدم وبنيه , فتنبه ولا تكن من الغافلين.
وأما ما رواه عبدالله بن أحمد في " السنة " " ص 151 " عن عكرمة قال : (خلقت الملائكة من نور العزة , وخلق إبليس من نار العزة) , وعن عبدالله بن عمرو قال : (خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر).
قلت : فهذا كله من الإسرائيليات التي لا يجوز الأخذ بها , لأنها لم ترد عن الصادق المصدوق صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

لا نبوة ولا وحي بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ



473- (كان إذا انصرف من صلاة الغداة يقول : هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا ؟ ويقول: ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة).
والحديث نص في أنه لا نبوة ولا وحي بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا المبشرات : الرؤيا الصالحة , وهي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.
ولقد ضلت طائفة زعمت بقاء النبوة واستمرارها بعده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وتأولوا – بل عطلوا – معنى هذا الحديث ونحوه مما في الباب , وكذلك حرفوا قول الله تعالى : (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)الأحزاب40 , بمثل قولهم : أي زينة النبيين , وتارة يقولون : هو آخر الأنبياء المشرعين , ويقولون ببقاء النبوة غير التشريعية.
ومن المؤسف أن أحدهم كان استخرج كلمات الشيخ محيي الدين بن عربي (النكرة) الدالة على بقاء هذه النبوة المزعومة من كتابه " الفتوحات المكية " في كراس نشر على الناس , ثم لم يستطيع أحد من المشايخ أن يرد عليهم , وكانوا من قبل قد ألفوا بعض الرسائل في الرد عليهم , وإنما أمسكوا عن الرد على هذا الكراس , لأن من مكر جامعه أنه لم يضع فيه من عند نفسه شيئاً سوى أنه ذكر فيه كلمات الشيخ المؤيدة لضلالهم في زعمهم المذكور , فلو ردوا عليه , لكان الرد متوجهاً إلى الشيخ الأكبر وذلك مما لا يجرؤ أحد منهم عليه , هذا إن لم يروه زندقة , فكأنهم يعتقدون أن الباطل إنما هو باعتبار المحل , فإذا قام فيمن يعتقدونه كافراً , فهو باطل , وأما إذا قام فيمن يعتقدونه مسلماً – بل ولياً فهو حق , والله المستعان.

فيما جاء في النذر



478- (قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَأْتِي النَّذْرُ عَلَى ابْنِ آدَمَ بِشَيْء لَمْ أُقَدِّرْهُ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ أَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ يُؤْتِينِي عَلَيْهِ مَا لَا يُؤْتِينِي عَلَى الْبُخْلِ , وفي رواية : ما لم يكن آتاني من قبل).
أخرجه الإمام أحمد : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (فذكره).
قلت وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين , وقد أخرجاه في " صحيحهما " , وأبو داود , وغيرهم من طرق أخرى عن أبي الزناد به , إلا أنهم لم يجعلوه حديثاً قدسياً , وقد ذكرت لفظه ومن خرجه وطرقه في "إرواء الغليل".
ورواه النسائي من طريق أخرى عن سفيان به مختصراً.
وتابعه همام بن منبه عن أبي هريرة به.
أخرجه ابن الجارود , وأحمد بإسناد صحيح على شرطيهما , ولم يخرجاه من هذا الطريق , ولا بلفظ الحديث القدسي .
وللحديث طريق ثالث بلفظ : (لَا تَنْذِرُوا فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يُغْنِي مِنْ الْقَدَرِ شَيْئًا وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ) , أخرجه مسلم , وصححه الترمذي .
وقد دل هذا الحديث بمجموع ألفاظه أن النذر لا يشرع عقده , بل هو مكروه , وظاهر النهي في بعض طرقه أنه حرام , وقد قال به قوم , إلا أن قوله تعالى : (أَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ) : يشعر أن الكراهة أو الحرمة خاص بنذر المجازاة أو المعاوضة , دون نذر الابتداء والتبرر , فهو قربة محضة , لأن للناذر فيه غرضاً صحيحاً , وهو أن يثاب عليه ثواب الواجب , وهو فوق ثواب التطوع , وهذا النذر هو المراد – والله أعلم – بقوله تعالى (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ) الإنسان 7 , دون الأول.
قال الحافظ في الفتح : (وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى (يوفون بالنذر) قال كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة ومما افترض عليهم فسماهم الله أبرارا , وهذا صريح في أن الثناء وقع في غير نذر المجازاة).
وقال قبل ذلك : (وجزم القرطبي في " المفهم " بحمل ما ورد في الأحاديث من النهي على نذر المجازاة فقال : هذا النهي محله أن يقول مثلا إن شفى الله مريضي فعلي صدقة كذا , ووجه الكراهة أنه لما وقف فعل القربة المذكور على حصول الغرض المذكور ظهر أنه لم يتمحض له نية التقرب إلى الله تعالى لما صدر منه بل سلك فيها مسلك المعاوضة , ويوضحه أنه لو لم يشف مريضه لم يتصدق بما علقه على شفائه , وهذه حالة البخيل فإنه لا يخرج من ماله شيئا إلا بعوض عاجل يزيد على ما أخرج غالبا . وهذا المعنى هو المشار إليه في الحديث بقوله " و إنما يستخرج به من البخيل ما لم يكن البخيل يخرجه " وقد ينضم إلى هذا اعتقاد جاهل يظن أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض , أو أن الله يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر , وإليهما الإشارة بقوله في الحديث أيضا " فإن النذر لا يرد من قدر الله شيئا " والحالة الأولى تقارب الكفر والثانية خطأ صريح).
قال الحافظ : (قلت : بل تقرب من الكفر أيضا . ثم نقل القرطبي عن العلماء حمل النهي الوارد في الخبر على الكراهة وقال : الذي يظهر لي أنه على التحريم في حق من يخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد فيكون إقدامه على ذلك محرما والكراهة في حق من لم يعتقد ذلك ا هـ . وهو تفصيل حسن , ويؤيده قصة ابن عمر راوي الحديث في النهي عن النذر فإنها في نذر المجازاة).
قلت : يريد بالقصة ما أخرجه الحاكم من طريق فليح بن سليمان عن سعيد بن الحارث أنه سمع عبدالله بن عمر وسأله رجل من بني كعب يقال له مسعود بن عمرو , يا أبى عبد الرحمن إن ابني كان بأرض فارس فيمن كان عند عمر بن عبيد الله , وإنه وقع بالبصرة طاعون شديد , فلما بلغ ذلك , نذرت : إن الله جاء بابني أن أمشي إلى الكعبة , فجاء مريضاً فمات , فما ترى ؟ فقال ابن عمر : أولم تنهوا عن النذر ؟ إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ( النذر لا يقدم شيئاً ولا يؤخره , فإنما يستخرج به من البخيل) , أوف بنذرك.
وبلجملة ففي الحديث تحذير للمسلم أن يقدم على نذر المجازاة , فعلى الناس أن يعرفوا ذلك حتى لا يقعوا في النهي وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

479- (النذر نذران : فما كان لله , فكفارته الوفاء , وما كان للشيطان , فلا وفاء فيه , وعليه كفارة يمين).
وفي الحديث دليل على أمرين اثنين :
الأول : أن النذر إذا كان طاعة لله , وجب الوفاء به , وأن ذلك كفارته , وقد صح عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : ( مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ)متفق عليه.
والآخر : أن من نذر نذراً فيه عصيان للرحمن , وإطاعة للشيطان , فلا يجوز الوفاء به , وعليه الكفارة كفارة اليمين , وإذا كان النذر مكروهاً أو مباحاً , فعليه الكفارة من باب أولى , ولعموم قوله عليه الصلاة والسلام : (كفارة النذر كفارة اليمين) , وأخرجه مسلم وغيره من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه , وهو مخرج في " الإرواء ".
وما ذكرنا من الأمر الأول والثاني متفق عليه بين العلماء , إلا في وجوب الكفارة في المعصية ونحوها , فالقول به مذهب الإمام أحمد وإسحاق , كما قال الترمذي , وهو مذهب الحنفية أيضاً , وهو الصواب , لهذا الحديث وما في معناه مما أشرنا إليه.

مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ



492- (مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ).
أخرجه الإمام أحمد , والحارث بن أبي أسامة في " مسنده " ومن طريقه أبو الحسن محمد بن محمد البزاز البغدادي عن عبدالعزيز بن منصور : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَنْصُور عَنْ دُخَيْن الْحَجْرِيِّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِر الْجُهَنِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ إِلَيْهِ رَهْطٌ فَبَايَعَ تِسْعَةً وَأَمْسَكَ عَنْ وَاحِد فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايَعْتَ تِسْعَةً وَتَرَكْتَ هَذَا قَالَ إِنَّ عَلَيْهِ تَمِيمَةً فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَقَطَعَهَا فَبَايَعَهُ وَقَالَ : (فذكره).
التميمة : خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم , يتقون بها العين في زعمهم , فأبطلها الإسلام , كما في " النهاية " لابن الأثير.
قلت : ولا تزال هذه الضلالة فاشية بين البدو والفلاحين وبعض المدنيين , ومثلها الخرزات التي يضعها بعض السائقين أمامهم في السيارة يعلقونها على المرآة , وبعضهم يعلق نعلاً عتيقه , في مقدمة السيارة أو في مؤخرتها , وغيرهم يعلقون نعل فرس في واجهة الدار أو الدكان , كل ذلك لدفع العين زعموا , وغير ذلك مما عم وطم بسبب الجهل بالتوحيد , وما ينافيه من الشركيات والوثنيات التي ما بعثت الرسل ولا أنزلت الكتب إلا من أجل إبطالها والقضاء عليها , فإلى الله المشتكى من جهل المسلمين اليوم وبعدهم عن الدين.
ولم يقف الأمر ببعضهم عند مجرد المخالفة , بل تعداه إلى التقرب بها إلى الله تعالى فهذا الشيخ الجزولي صاحب " دلائل الخيرات " يقول في الحزب السابع في يوم الأحد : (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد , ما سجعت الحمائم , وحمت الحوائم , وسرحت البهائم , ونفعت التمائم).
وتأويل الشارح لـ(الدلائل) بأن (التمائم جمع تميمة , وهي الورقة التي يكتب فيها شيء من الأسماء أو الآيات , وتعلق على الرأس مثلاً للتبرك) فمما لا يصح لأن التمائم عند الإطلاق إنما هي الخرزات , كما سبق عن ابن الأثير , على أنه لو سلم بهذا التأويل , فلا دليل في الشرع على أن التميمة بهذا المعنى تنفع , ولذلك جاء عن بعض السلف كراهة ذلك كما بينته في تعليقي على "الكلم الطيب".

يانعايا العرب



508- (يا نعايا العرب , يا نعايا العرب [ثلاثاً] , إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء , والشهوة الخفية).
تنبيه : الرياء , بالراء . ووقع في " الترغيب " و " المجمع " : الزنا , بالزاي . وقال المنذري : ( وقد قيده بعض الحفاظ " الرياء " بالراء والياء).
قلت : وكذلك هو في كل الكصادر المحفوظة وغيرها التي عزونا الحديث إليها , وكذلك أورده ابن الأثير في "النهاية" وقالsadوفي رواية:"يا نعيان العرب" . يقال : نعى الميت ينعاه نعياً : إذا أذاع موته وأخبر به وإذا نربه , قال الزمخشري : في " نعايا " ثلاثة أوجه:
أحدها : أن يكون جمع " نعي " وهو المصدر كصفي وصفايا.
والثاني : أن يكون اسم جمع كما جاء في أخيه أخايا.
والثالث : أن يكون جمع نعاء التي هي اسم الفعل.
والمعنى : يانعايا العرب , جئن فهذا وقتكن وزمانكن , يريد : أن العرب قد هلكت , والنعيان مصدر بمعنى النعي , وقيل : إنه جمع ناع , كراع ورعيان , والمشهور في العربية أن العرب كانوا إذا مات منهم شريف أو قتل , بعثوا راكباً إلى القبائل ينعاه إليهم , يقول : نعاء فلاناً أو يانعاء العرب , أي : هلك فلان , أو هلكت العرب بموت فلان , فنعاه من نعيت , مثل : نظار ودراك , فقوله : نعاء فلاناً معناه : انع فلاناً , كما تقول : دراك فلاناَ , أي : أدركه , فأما قوله : "يانعاء العرب" مع حرف النداء , فالمنادى محذوف تقديره : ياهذا نع العرب , أو ياهؤلاء انعوا العرب بموت فلان , كقوله تعالى (ألا يا اسجدوا) , أي : ياهؤلاء اسجدوا , فمن قرأ بتخفيف (ألا)".

عقوبة من قتل مؤمناً متعمداً



511- (كُلُّ ذَنْب عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إِلَّا مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا أَوْ مُؤْمِنٌ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا).
أخرجه أبوداود , وابن حبان , والحاكم , وكذا أبونعيم , وابن عساكر من طريق خَالِدِ بْنِ دِهْقَانَ قَالَ:
كُنَّا فِي غَزْوَةِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ بِذُلُقْيَةَ فَأَقْبَلَ رَجُلُ مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ وَخِيَارِهِمْ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ لَهُ يُقَالُ لَهُ هَانِئُ بْنُ كُلْثُومِ بْنِ شَرِيك الْكِنَانِيُّ فَسَلَّمَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زَكَرِيَّا وَكَانَ يَعْرِفُ لَهُ حَقَّهُ قَالَ لَنَا خَالِدٌ فَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا قَالَ سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ تَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (فذكره).
والحديث في ظاهره مخالف لقوله تعالى (إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ) , لأن القتل دون الشرك قطعاً , فكيف لا يغفره الله ؟ وقد وفق المناوي تبعاً لغيره بحمل الحديث على ما إذا استحل , وإلا فهو تهوبل وتغليظ , وخير منه قول السندي في حاشيته على النسائي : (وكأن المراد كل ذنب ترجى مغفرته ابتداء إلا قتل المؤمن فإنه لا يغفر بلا سبق عقوبة وإلا الكفر فإنه لا يغفر أصلا ولو حمل على القتل مستحلا لا يبقى المقابلة بينه وبين الكفر [يعني : لأن الاستحلال كفر , ولا فرق بين استحلال القتل أو غيره من الذنوب , إذ كل ذلك كفر] . ثم لابد من حمله على ما إذا لم يتب وإلا فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له كيف وقد يدخل القاتل والمقتول الجنة معا كما إذا قتله وهو كافر ثم آمن وقتل).

النهي عن سب الدهر



531- (قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَقُولُ يَا خَيْبَةَ الدَّهْر [وفي رواية : يَسُبُّ الدَّهْرَ] فَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنِّي أَنَا الدَّهْرُ أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُهُمَا).
معني الحديث :
قال المنذري : (ومعنى الحديث : أن العرب كانت إذا نزلت بأحدهم نازلة وأصابته مصيبة أو مكروه , يسب الدهر اعتقاداً منهم أن الذي أصابه فعل الدهر , كما كانت العرب تيتمطر بالأنواء وتقول : مطرنا بنوء كذا , اعتقاداً أن ذلك فعل الأنواء , فكان هذا كاللاعن للفاعل , ولا فاعل لكل شيء إلا الله تعالى خالق كل شيء وفاعله , فنهاهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك.
وكان [محمد] بن داود ينكر رواية أهل الحديث : " وأنا الدهر " بضم الراء ويقول : لو كان كذلك كان الدهر اسماً من أسماء الله عز وجل , وكان يرويه : " وأنا الدهر أقلب الليل والنهار " بفتح راء الدهر , على النظر في معناه : أنا طول الدهر والزمان أقلب الليل والنهار , ورجح هذا بعضهم ورواية من قال : "فإن الله هو الدهر " يرد هذا , والجمهور على ضم الراء , والله أعلم".
وللحديث طريق أخرى بلفظ وهو:

532- (لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ أَنَا الدَّهْرُ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي لِي أُجَدِّدُهَا وَأُبْلِيهَا وَآتِي بِمُلُوك بَعْدَ مُلُوك).
توقيع :أبو محمد عبدالحميد الأثري

27-11-2011 10:15 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [5]
أبو محمد عبدالحميد الأثري
المشرف العام - وفقه الله تعالى
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-02-2011
المشاركات : 3141
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif عون الودود لتيسير مافي السلسلة الصحيحة من الفوائد والردود من المجلد الاول الى السادس
من لقي الله مدمن خمر مستحلاً لشربه ، لقيه كعابد وثن



677-(مُدْمِنُ الْخَمْرِ إِنْ مَاتَ لَقِيَ اللَّهَ كَعَابِدِ وَثَن).
أخرجه احمد(1/272):ثنا اسود بن عامر:ثنا الحسن –يعني:ابن صالح-عن محمد بن المنكدر قال:حدثت عن ابن عباس انه قال: قال رسول لله صلى عليه وسلم: فذكره.
ورواه عبد بن حميد في((المنتخب))(80/1) والخلعي في ((الفوائد))(501/1) عن الحسن بن صالح به.
قلت:وهذا إسناد رجاله ثقات رجال مسلم، غير شيخ ابن المنكدر فهو مجهول لم يسم، وقد جاء مسمى في بعض الطرق، فأخرجه ابن حبان في ((صحيحه))(1379)، وعنه الضياء المقدسي في ((الأحاديث المختارة))(154/1)، وابن عدي في ((الكامل))(220/1))عن عبدالله بن خراش: حدثنا العوام بن حوشب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به نحوه.وقال ابن عدي:
((عبد الله بن خراش منكر الحديث)).
قلت: ولم يتفرد به، فقد رواه اسرئيل: نا حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير به.
أخرجه ابن أبي حاتم(2/26)، والسلفي في ((الطيوريات))(198/1)، وكذا ابونعيم في((الحلية))(9/253) من طرق عن اسرئيل به.قال ابن أبي حاتم:
((ورواه احمد بن يونس فقال : عن اسرئيل عن ثوير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ،قال أبي: حديث حكيم عندي اصح . قلت لأبي : فحكيم بن جبير أحب إليك اوثوير؟ فقال :ما فيهما إلا ضعيف غال في التشيع ز قلت:فأيهما أحب أليك؟ قال :هما متقاربان )).
وقد أخرجه الطبراني في ((الأوسط))(3/161/2)،وابن بشران في((الامالي))(52/87/2) عن ثوير بن أبي فاختة به.
ثم روى ابن أبي حاتم عن أبي زرعة انه رجح أيضا حديث حكيم.
قلت: وهو ضعيف كما في ((التقريب))، وكذلك ثوير.
ثم قال ابن أبي حاتم(2/27).
(( سالت أبي عن حديث رواه المؤمل بن إسماعيل عن سفيان عن محمد بن المكندر عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :فذكره.سمعت أبي يقول :هذا خطا ،أنما هو كما رواه حسن بن صالح عن محمد بن المكندر قال : حدثت عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم)).
قلت: وقد أخرجه من حديث ابن عمرو أبو الحسن الحربي في ((الفوائد المنتقاة))(3/155/2) من طريق المؤمل به.
وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعاً مختصراً بلفظ:
(( مدمن الخمر كعابد وثن)).
أخرجه البخاري في (( التاريخ الكبير))(1/1/386)،وابن ماجه(3375)،وأبو بكر الملحمي في ((الوسيط))(1/255)، والضياء المقدسي في ((المنتقى من الأحاديث الصحاح والحسان))(278/2) من طرق عن محمد بن سليمان بن الأصبهاني عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. وقال الآبنوسي:
((قال الدارقطني:تفرد به محمد بن سليمان عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة)).
قلت: وفي رواية للبخاري عن سليمان عن سهيل بن أبي صالح عن محمد بن عبد الله عن أبيه قال النبي صلى الله عليه وسلم :فذكره . وقال: ((لا يصح حديث أبي هريرة في هذا)).
قلت:وأكثر الرواة عن محمد بن سليمان وصلوه، وهو الأرجح عندي.
ومحمد بن سليمان قال الذهبي في (( الضعفاء)):
((صدوق، قال ابوحاتم : لا يحتج به )).
وقال الحافظ في(( التقريب)) :
((صدوق يخطئ)).
قلت: فالحديث بمجموع طرقه حسن أو صحيح .والله اعلم .
(فائـدة): ذكر الضياء عن ابن حبان –وهو في صحيحه- الإحسان ))(7/367)-أنه قال :
(( يشبه أن يكون معنى الخبر : من لقى الله مدمن خمر مستحلاً لشربه ، لقيه كعابد وثن ، لا ستوائهما في حالة الكفر)).

الفرق بين التطير والتفاؤل



762-(كَانَ لَا يَتَطَيَّرُ مِنْ شَيْء، وَكَانَ إِذَا بَعَثَ عَامِلًا سَأَلَ عَنْ اسْمِهِ، فَإِذَا أَعْجَبَهُ اسْمُهُ فَرِحَ بِهِ، وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ فِي وَجْهِه،ِ وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهُ رُئِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِذَا دَخَلَ قَرْيَةً سَأَلَ عَنْ اسْمِهَا، فَإِنْ أَعْجَبَهُ اسْمُهَا فَرِحَ بها، وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهَا رُئِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ).
أخرجه أبودود(2/859)،وابن حبان(1430)،وتمام في((الفوائد))(109/2)،وأحمد(5/347-348)،وابن أبي خيثمة في((التاريخ))(1920)،وابن عساكر(2/136/1)،عن هشام عن قتادة عن عبدالله بن بريدة عن أبيه مرفوعاً.
وليس عند ابن حبان قضية العامل،وهي عند تمام دون قضية القرية.
قلت:وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
أخرجه ابن عدي(28/2)من طريق أوس بن عبدالله بن بريدة عن حسين بن واقد عن عبدالله بن بريدة عن أبيه قال:
((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتطير، ولكن يتفائل. فذكر قصة إسلام بريدة. الحديث)).
و أوس هذا ضعيف جداً، ولكن تفاؤله صلى الله عليه وسلم ثابت عنه في غير ما حديث، وما قبله صحيح بمتابعة قتادة.والله أعلم.
والحديث عزاه في((الجامع))للحكيم والبغوي عن بريده.قال المناوي:
((ورواه عنه أيضاً قاسم بن أصبغ، وسكت عليه عبدا لحق مصححاً له.
قال ابن القطان: وما مثله يصح. فإن فيه أوس بن... منكر الحديث وروى أبودود عنه قول((كان لا يتطير)). قال:وإسناده صحيح)).
قلت: الصواب تصحيح عبدا لحق، وليس هو تصحيحاً لذته حتى يرد عليه ما تعقبه ابن قطان، وإنما هو التفصيل الذي ذكرته، فتنبه ولا تكن من الغافلين.
ثم وجدت للحديث شاهداً من حديث ابن عباس رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ:
((كان يتفاءل ولا يتطير)).
ويأتي تخريجه قريباً إن شاء الله تعالى برقم(777).
(فائدة): في الحديث أوس بن عبدالله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: من أنت؟ قال: بريدة، فقال صلى الله عليه وسلم ((برد امرنا وصلح))وعزاه ابن تيمية في آخر(( الكلم الطيب)) إلي(الصحاح)هو وهم تبعه عليه ابن القيم، وحاباهما الشيخ إسماعيل الأنصاري كما هي عادته، وقد رددت عليه في((الضعيفة))(4112).

معنى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ



862-(إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ).
أخرجه أحمد(2/244): ثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعاً.
وهذا سند صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه؛ وإنما أخرج مسلم(8/31)، وكذا البخاري(5/182/2559)، وابن حبان(5575-الإحسان)منه الشطر الأول بلفظ:
((إذا قاتل أحدكم أخاه....)). وليس عند البخاري((أخاه)).
وأخرجه بتمامه الآجري في((الشريعة))(ص314) والبيهقي في((الأسماء))(ص290)من طرق عن سفيان به.
ثم أخرجه من طريق ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة به.
و أخرجه البخاري في((الأدب لمفرد))(ص27)عن ابن عجلان قال: أخبرني أبي وسعيد عن أبي هريرة مرفوعاً دون السطر الثاني. وهو حسن أيضاً.
وكذلك أخرجه البخاري في((صحيحه))(5/182) من وجه آخر ضعيف عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة.
ورواه أحمد عن ابن عجلان بلفظ:
((إذا ضرب أحدكم فليتجنب الوجه، ولا تقل قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك؛ فإن الله تعالى خلق آدم على صورته)).
قال أحمد(2/25و434):ثنا يحيى عن ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة مرفوعاً. وهذا سند حسن.
وأخرجه ابن خزيمة في(( التوحيد))(ص26)، والبيهقي في((الأسماء والصفات**(ص291)،وقال البخاري في((الأدب المفرد)): ثنا عبدالله بن محمد قال:ثنا ابن عينية عن ابن عجلان به؛ إلا أنه أوقفه على أبي هريرة به، وعلقه الآجري ورواه البخاري من طريق أخرى عن عينية به مرفوعاً مقتصراً على قولهsad(لا تقولوا قبح الله وجهه))، فالظاهر أن ابن عجلان كان تارة يرفعه وأخرى يوفقه، والحديث مرفوع بلا شك.
وأخرج الشطر الأول منه أبودود(2/243)من طريق عمر-يعني: ابن أبي سلمة- عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً.
وسنده حسن في المتابعات.
فـائدة:يرجع الضمير في قوله (على صورته) إلي آدم عليه السلام؛ لأنه أقرب مذكور؛ ولأنه مصرح به في رواية آخر للبخاري عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ ((خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً))، وقد مضى تخريجه برقم(449)،وأما حديث((....على صورة الرحمن)؛ فهو منكر، كما حققته في الكتاب(1176)، مع الرد على من صححه من المعاصرين كالشيخ التويجري رحمه الله وغيره

اثبات العلو للعلي القدير



925-(الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ تبارك وتعالى، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ((الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللَّهُ)).
ورواه أبو داود(4941)، والترمذي(1/350)، وأحمد(2/160)، والحميدي(591)، وعنه البخاري في ((التاريخ / الكنى))(64/ 574)، وابن أبي شيبة في ((المصنف))(8/526)، والحاكم(4/159)وصححه، ووافقه الذهبي، والخطيب في ((التاريخ)) (3/260)، والبيهقي في((شعب الأيمان))(7/476/11048)،وأبو الفتح الخرقي في((الفوائد الملتقطة))(222ـ223)، كلهم عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو مرفوعاً. وقال الترمذي:
((هذا حديث حسن صحيح)).
وصححه الخرقي أيضا، وقواه الحافظ في((الفتح))(10/440)بسكوته عليه.
قلت:ورواه العراقي في ((العشاريات))(59/1) من هذا الوجه مسلسلاً بقول الراوي وهو أول حديث سمعته منه ))، ثم قال: ((هذا حديث صحيح)).
وصححه أيضاً ابن ناصر الدين الدمشقي في بعض مجالسه المحفوظة في ظاهرية دمشق؛ لكن أوراقها مشوشة الترتيب، وقال:
((ولأبي قابوس متابع رويناه في((مسندي أحمد بن حنبل وعبد بن حميد))من حديث أبي خداش حبان بن زيد الشرعبي الحمصي-أحد الثقات عن عبد الله بن عمرو بمعناه، وللحديث شاهد عن نيف وعشرين صحابياً؛ منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم)).
قلت: ورجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير أبي قابوس فقال الذهبي:
((لا يعرف)).
وقال الحافظ:
((مقبول)). يعني: عند المتابعة. وقد توبع كما تقدم عن ابن ناصر الدين؛ مع الشواهد التي أشار إليها؛ ومنها حديث إسحاق عن أبي ظبيان عن جرير مرفوعاً بلفظ:
(من لا يرحم من في الأرض؛ لا يرحمه من في السماء)).
أخرجه ابن أبي شيبة(8/528/5416)والطبراني في((المعجم الكبير))(1/118/2).قال المنذري في((الترغيب))(3/155):
((وإسناده جيد قوي))كذا قال، وأقره العلجوني، والصواب قول الذهبي في((العلو))(رقم5-مختصر))،والحافظ في((الفتح)) (رواته ثقات).
وذلك لأن أبا إسحاق-وهو السبيعي-كان اختلط، ثم وهو مدلس. والجملة الأولى منه عند الشيخين، وهو مخرج في((مشكلة الفقر))(108).
(تنبيه): المتابعة التي أشار إليها الحافظ ابن ناصر الدين هي بلفظ آخر، وقد مضى تخريجه برقم(482)، وهي متابعة قاصرة فتنبه.
(فائدة):قوله في هذا الحديث ((في)): هو بمعنى((على))؛ كما في قوله تعالى((قل سيروا في الأرض))، فالحديث من الأدلة الكثيرة على أن الله تعالى فوق المخلوقات كلها، وفي ذلك ألف الحافظ الذهبي كتابه((العلو للعلي القدير))، وقد انتهيت من اختصاره قريباً، ووضعت له مقدمة ضافية، وخرجت أحاديثه وآثاره، ونزهته من الأخبار الواهية. وقد يسر الله طبعه، والحمد لله.
وقد أنكر الملقب بـ(السقاف) المعنى المذكور، ولذا ابطل الحديث، وانظر((الاستدراك))(11).

مذهب السلف إمرار احاديث الصفات على ظاهرها



756-(إذا جمع الله الأولى والأخرى يوم القيامة، جاء الرب تبارك وتعالى إلى المؤمنين فوقف عليهم، والمؤمنون على كوم _ فقالوا لعقبة ما الكوم؟ قال: مكان مرتفع _ فيقول هل تعرفون ربكم؟ فيقولون إن عرفنا نفسه عرفناه . ثم يقول لهم الثانية فيضحك في وجوههم، فيخرون له سجدا).
أخرجه ابن خزيمة في((التوحيد)(ص153)من طريق فرقد بن الحجاج قال: سمعت عقبة بن أبي الحسناء قال: سمعت أبا هريرة
يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:فذكره.
قلت: وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد،غير عقبة هذا فهو مجهول، وأما ابن حبان فذكره في((الثقات)) لكن يشهد له حديث جابر المتقدم.
وأعلم أن هذا الحديث-كغيره من أحاديث الصفات-يجب أمراره على ظاهره دون تعطيل، أو تشبيه، كما هو مذهب السلف، وليس مذهبهم التفويض كما يزعم الكوثري وأمثاله من المعطلة، كما شرحه ابن تيمية في رسالته(التدمرية)وغيرها والتفويض بزعمهم إمرار النصوص بدون فهم مع الإيمان بألفاظها ولازم ذلك نسبة الجهل إلي السلف بأعز شئ لديهم وأقدسه عندهم وهو أسماء الله وصفاته.
ومن عرف هذا علم خطورة ما ينسبونه إليهم. والله المستعان ورجع ذلك مقدمتي لكتابي(مختصر العلو للذهبي)،يسر الله طبعه. ثم طبع والحمد لله.

يحرم شد الرحل لغير المساجد الثلاثة



997-( إنما تضرب أكباد المطي إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى).
أخرجه أبو يعلى في((مسنده))(ق306/1): ثنا محمد بن المنهال:ثنا يزيد بن زريع: ثنا روح عن زيد بن أسلم عن سعيد بن أبي سعيد المقبري:
((أن أبا بصرة جميل بن بصرة لقي أبا هريرة وهو مقبل من(الطور)، فقال: لو لقيتك قبل أن تأتيه لم تأته؛ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول))فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات، وهو على شرط الشيخين إن كان محمد بن المنهال هذا هو التميمي الحافظ، وفي طبقته محمد بن المنهال البصري الأنماطي أخو الحجاج، وهو ثقة اتفاقاً، وكلاهما يروي بن زريع، وعنهما أبو يعلى.
وقد أخرجه الطبراني(2/310/2159)من طريق أخرى صحيحة عن يزيد بن زريع به.
ثم أخرجه هو وأحمد(6/7و397)من طريق أخرى صحيحة عن أبي بصرة.
والحديث في((الصحيحين))وغيرهما من طرق عن أبي هريرة بلفظ((لا تشد الرحال))، وقد خرجتها في((أرواء الغليل))(رقم951)، وإنما خرجته هنا لهذه الزيادة التي فيها إنكار أبي بصرة على أبي هريرة رضي الله عنهما سفره إلي الطور، ولها طرق أخرى أوردتها هناك، فلما وقفت على هذه الطريق أحببت أن أقيدها هنا، وقد فاتني ثم.
وفي هذه الزيادة فائدة هامة؛ وهي أن راوي الحديث-وهو الصحابي الجليل أبو بصرة رضي الله عنه-وقد فهم من النبي صلى الله عليه وسلم أن النهي يشمل غير المساجد الثلاثة من المواطن الفاضلة كالطور؛ وهو جبل كلم الله عليه موسى تكليماً، ولذلك أنكر على أبي هريرة سفره إليه، وقال((لو لقيتك قبل أن تأتيه لم تأته))، وأقره على ذلك أبو هريرة ولم يقل كما يقول بعض المتأخرين:
((الاستثناء مفرغ، والمعنى: لا يسافر لمسجد للصلاة فيه إلا لهذه الثلاثة))
بل المراد: لا يسافر إلي موضع من المواضع الفاضلة التي تقصد لذاتها ابتغاء بركتها وفضل العبادة إلا إلي ثلاثة مساجد.
وهذا هو الذي يدل عليه فهم الصحابيين المذكورين، وثبت مثله عن ابن عمر رضي الله عنه؛ كما بينته في كتابي((أحكام الجنائز وبدعها))(ص226)، وهو الذي أختاره جماعة من العلماء: كالقاضي عياض، والإمام الجويني، والقاضي حسين؛ فقالوا:
((يحرم شد الرحل لغير المساجد الثلاثة؛ كقبور الصالحين، والمواضع الفاضلة)). ذكره المناوي في((الفيض)).
فليس هو رأي ابن تيمية وحده كما يظن بعض الجهلة، وإن كان له الفضل الدعوة إليه، والانتصار له بالسنة وأقوال السلف بما لا يعرف له مثيل، فجـزاه الله عنا خير الجزاء.
فهل آن للغافلين أن يعودوا إلي رشدهم، ويتبعوا السلف في عبادتهم، وأن ينتهوا عن اتهام الأبرياء بما ليس فيهم؟
توقيع :أبو محمد عبدالحميد الأثري

27-11-2011 10:15 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [6]
أبو محمد عبدالحميد الأثري
المشرف العام - وفقه الله تعالى
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-02-2011
المشاركات : 3141
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif عون الودود لتيسير مافي السلسلة الصحيحة من الفوائد والردود من المجلد الاول الى السادس
كتاب الطهارة

مسح الأذنين هل هو فرض أم سنة



36- (الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ).
فهذا الحديث يدل على مسألتين من مسائل الفقه , اختلفت أنظار العلماء فيهما:
أما المسألة الأول , فهي أن مسح الأذنين هل هو فرض أم سنة ؟
ذهب إلى الأول الحنابلة , وحجتهم هذا الحديث , فإنه صريح في إلحاقهما بالرأس , وما ذلك إلا لبيان أن حكمهما في المسح كحكم الرأس فيه.
وذهب الجمهور إلى أن مسحهما سنة فقط , كما في (الفقه على المذاهب الأربعة) (1/65) , ولم نجد لهم حجة يجوز التمسك بها في مخالفة هذا الحديث إلا قول النووي في (المجموع) (1/415) : (إنه ضعيف من جميع طرقه).
وإذا علمت أن الأمر ليس كذلك , وأن بعض طرقه صحيح , لم يطلع عليه النووي , وبعضها الآخر صحيح لغيره , استطعت أن تعرف ضعف هذه الحجة , ووجوب التمسك بما دل عليه الحديث من وجوب مسح الأذنين , وأنهما في ذلك كالرأس , وحسبك قدوة في هذا المذهب إمام السنة أبو عبدالله أحمد بن حنبل , وسلفه في ذلك جماعة من الصحابة , وقد عزاه النووي (1/ 413) إلى الأكثرين من السلف.
وأما المسألة الأخرى , فهي : هل يكفي في مسح الأذنين ماء الرأس أم لا بد لذلك من جديد ؟ ذهب إلى الأول الأئمة الثلاثة , كما نص في (فيض القدير) للمناوي , فقال في شرح الحديث:
(الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ : لا من الوجه , ولا مستقلتان , يعني فلا حاجة إلى أخذ ماء جديد منفرد لهما غير ماء الرأس في الوضوء , بل يجزئ مسحهما ببلل ماء الرأس , وإلا لكان بياناً للخلقة فقط , والمصطفى صلى الله عليه وسلم لم يبعث لذلك , وبه قال الأئمة الثلاثة).
وخالف في ذلك الشافعية , فذهبوا إلى أنه يسن تجديد الماء للإذنين ومسحهما على الانفراد , ولا يجب , واحتج النووي لهم بحديث عبدلله بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ لأذنيه ماء خلاف الذي أخذ لرأسه.
قال النووي في (المجموع) (1/412) : (حديث حسن , رواه البيهقي , وقال : إسناده صحيح).
وقال في مكان آخر (1/414) : (وهو حديث صحيح كما سبق بيانه قريباً , فهذا صريح في أنهما ليستا من الرأس , إذ لو كانتا منه , لما أخذ لهما ماء جديداً كسائر أجزاء الجسد , وهو صريح في أخذ ماء جديد).
قلت : ولا حجة فيه على ماقالوا , إذ غاية ما فيه مشروعية أخذ الماء لهما , وهذا لا ينافي جواز الاكتفاء بما الرأس , كما دل عليه هذا الحديث , فاتفقا ولم يتعارضا , ويؤيد ما ذكرت أنه صح عنه صلى الله عليه وسلم : (أنه مَسَحَ بِرَأْسِهِ مِنْ فَضْلِ مَاء كَانَ فِي يَدِهِ) رواه ابوداود بسند حسن كما بينته في صحيح سننه , وهذا كله يقال على فرض التسليم بصحة حديث عبدالله بن زيد , ولكنه غير ثابت , بل هو شاذ كما ذكرت في (صحيح سنن أبي داود) (111) , وبينته في (سلسلة الأحاديث الضعيفة) (997).
وجملة القول : فإن أسعد الناس بهذا الحديث من بين الأئمة الأربعة أحمد بن حنبل رضي الله عنهم أجمعين , فقد أخذ بما دل عليه الحديث في المسألتين , ولم يأخذ به في الواحدة دون الأخرى كما صنع غيره.

التنزه من البول



201- (مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا).
أخرجه النسائي , والترمذي , وابن ماجه , والطيالسي , كلهم عن شَرِيكٌ عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْح عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : (فذكره).
أعلم أن قول عائشة - في هذا الحديث – إنما هو باعتبار علمها , وإلا فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث حذيفة رضي الله عنه قال : (أتى النبي صلى الله عليه وسلم سباطة قوم , فبال قائماً) , وهو مخرج في الإرواء , ولذلك فالصواب جواز البول قاعداً وقائماً , والمهم أمن الرشاش , فبأيهما حصل وجب.
وأما النهي عن البول قائماً , فلم يصح فيه حديث مثل حديث : (لا تبل قائماً) , وقد تكلمت عليه في الأحاديث الضعيفة.

هل يستحب إطالة الغرة والتحجيل؟



252 – (تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنْ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوَضُوءُ).
صحيح من حديث أبي هريرة مصرحاً بسماعه من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وله عنه طريقان:
الأولى : عن خَلَفٌ بْنَ خَلِيفَةَ عَنْ أَبِي مَالِك الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي حَازِم قَالَ كُنْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ فَكَانَ يَمُدُّ يَدَهُ حَتَّى يَبْلُغَ إِبْطَهُ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا هَذَا الْوُضُوءُ فَقَالَ يَا بَنِي فَرُّوخَ أَنْتُمْ هَاهُنَا لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ هَاهُنَا مَا تَوَضَّأْتُ هَذَا الْوُضُوءَ سَمِعْتُ خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (فذكره).
والطريق الأخرى عن يحيى بن أيوب البجلي عن أبي زرعة قال (دخلت على أبي هريرة , فتوضأ إلى منكبيه , وإلى ركبتيه , فقلت له : ألا تكتفي بما فرض الله عليك من هذا ؟ قال : بلي , ولكني سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : مبلغ الحلية مبلغ الوضوء , فأحببت أن يزيدني في حليتي).
هل هذا الحديث يدل على استحباب إطالة الغرة والتحجيل؟
الذي نراه – إذا لم نعتد برأي أبي هريرة رضي الله عنه – أنه لا يدل على ذلك , لأن قوله : (مبلغ الوضوء) , من الواضح أنه أراد الوضوء الشرعي , فإذا لم يثبت في الشرع الإطالة , لم يجز الزيادة عليه , كما لا يخفى.
على أنه إن دل الحديث على ذلك , فلن يدل على غسل العضد , لأنه ليس من الغرة ولا التحجيل , ولذلك قال ابن القيم رحمه الله تعالى في حادي الأرواح : (وقد احتج بهذا الحديث من يرى استحباب غسل العضد وإطالته , والصحيح أنه لا يستحب , وهو قول أهل المدينة , وعن أحمد روايتان , والحديث لا يدل على الإطالة , فإن الحلية إنما تكون زينة في الساعد والمعصم , لا العضد والكتف).
واعلم أن هناك حديثاً آخر يستدل به من يذهب إلى استحباب إطالة الغرة والتحجيل , وهو بلفظ : (إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ) , وهو متفق عليه بين الشيخين , لكن قوله (فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ ) , مدرج من قول أبي هريرة , ليس من حديثه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كما شهد بذلك جماعة من الحفاظ , كالمنذري , وابن تيمية , وابن القيم , والعسقلاني , وغيرهم , وقد بينت ذلك بياناً شافياً في الأحاديث الضعيفة , فأغنى عن الإعادة , ولو صحت هذه الجملة , لكانت نصاً على استحباب إطالة الغرة والتحجيل لا على إطالة العضد , والله ولي التوفيق.

الترتيب في الوضوء غير واجب



261 - (هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي).
رواه ابن شاهين في الترغيب عن محمد بن مصفى : أنا ابن أبي فديك قال : حدثني طلحة بن يحيى عن أنس بن مالك قال : دعا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بوضوء , فغسل وجهه مرة , ويديه مرة , ورجليه مرة مرة , وقال : هذا وضوء لا يقبل الله عز وجل الصلاة إلا به , ثم دعا بوضوء فتوضأ مرتين مرتين , وقال : هذا وضوء من توضأ ضاعف الله له الأجر مرتين , ثم دعا بوضوء فتوضأ ثلاثاً , وقال : هكذا وضوء نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والنبيين قبله , أو قال هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي.
والحديث مع أنه لم يذكر فيه الترتيب صراحة , فلا يؤخذ ذلك من قوله فيه (فغسل وجهه مرة , ويديه مرة , ورجليه مرة مرة , وقال : هذا..) , لما اشتهر أن الواو لمطلق الجمع , فلا تفيد الترتيب , لا سيما والأحاديث الأخرى التي أشرنا إليها لم يذكر فيها أعضاء الوضوء , بل جاءت مختصرة بلفظ : (توضأ مرة مرة , ثم قال : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به).
ومن الواضح أن الإشارة بـ(هذا) , هنا إنما هو إلى الوضوء مرة مرة , كما أن الإشارة بذلك في الفقرتين الأخريين إنما هو للوضوء مرتين مرتين و الوضوء ثلاثاً ثلاتاً فلا دلالة في الحديث على الموالاة , ولا على الترتيب , والله أعلم.
وليس هناك ما يدل على وجوب الترتيب , وقول ابن القيم في الزاد (وكان وضوؤه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرتباً متوالياَ لم يخل به مرة واحدة البتة) , غير مسلم في الترتيب , لحديث الْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيَّ قَالَ (أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَضُوء فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا) , رواه أحمد , وعنه أبوداود بإسناد صحيح , وقال الشوكاني : (إسناد صالح , وقد أخرجه الضياء في المختارة).
فهذا يدل على أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يلتزم الترتين في بعض المرات , فذلك دليل على أن الترتيب غير واجب , ومحافظته عليه في غالب أحواله دليل على سنيته , والله أعلم.
توقيع :أبو محمد عبدالحميد الأثري

27-11-2011 10:15 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [7]
أبو محمد عبدالحميد الأثري
المشرف العام - وفقه الله تعالى
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-02-2011
المشاركات : 3141
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif عون الودود لتيسير مافي السلسلة الصحيحة من الفوائد والردود من المجلد الاول الى السادس
دم الحيض والدماء



298 – (يَكْفِيكِ الْمَاءُ وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ).
أخرجه أبوادود وأحمد قالا حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيب عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ يَسَار أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَأَنَا أَحِيضُ فِيهِ فَكَيْفَ أَصْنَعُ َقَالَ إِذَا طَهُرْتِ فَاغْسِلِيهِ ثُمَّ صَلِّي فِيهِ فَقَالَتْ فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ الدَّمُ قَالَ يَكْفِيكِ الْمَاءُ وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ.
والحديث دليل على نجاسة دم الحيض لأمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بغسله , وظاهره أنه يكفي فيه الغسل , ولا يجب فيه استعمال شئ من الحواد والمواد القاطعة لأثر الدم.
ويؤيده الحديث الآتي:

299- (إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنْ الْحَيْضَةِ , فَلْتَقْرُصْهُ , ثُمَّ لِتَنْضِحْهُ بِالْمَاءِ [وفي رواية : ثم اقرصيه بماء , ثم انضحي في سائره] , ثُمَّ لِتُصَلِّ فِيهِ).
أخرجه مالك , وعنه البخاري , ومسلم , وأبوداود , والبيهقي , كلهم عَنْ مَالِك عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْر الصِّدِّيقِ أَنَّهَا قَالَتْ سَأَلَتْ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنْ الْحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ فِيهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فذكره).
وظاهر الحديث يدل كالحديث الذي قبله على أن الماء يكفي في غسل دم الحيض , وأنه لا يجب فيه استعمال شئ من الحواد , كالسدر والصابون ونحوه , لكن قد جاء ما يدل على وجوب ذلك وهو الحديث الآتي:

300- (حُكِّيهِ بِضِلَع وَاغْسِلِيهِ بِمَاء وَسِدْر).
أخرجه أبوداود , والنسائي , والدارمي , وابن ماجه , وابن حبان , والبيهقي , وأحمد من طرق عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِي ثَابِتٌ الْحَدَّادُ حَدَّثَنِي ْ عَدِيِّ بْنِ دِينَار قَالَ سَمِعْتُ أُمَّ قَيْس بِنْتَ مِحْصَن تقول : سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ دَمِ الْحَيْضَ يكون في الثَّوْبَ قَالَ : (فذكره).
يستفاد من هذه الأحاديث أحكام كثيرة أذكر أهمها:
الأول : أن النجاسات إنما تزال بالماء دون غيره من المائعات , لأن الجميع النجاسات بمثابة دم الحيض , ولا فرق بينه وبينها اتفاقاً , وهو مذهب الجمهور , وذهب ابوحنيفة إلى أنه يجوز تطهير النجاسة بكل مائع طاهر قال الشوكاني : (والحق أن الماء أصل في التطهير لوصفه بذلك كتابًا وسنة وصفًا مطلقًا غير مقيد لكن القول بتعينه وعدم إجزاء غيره يرده حديث مسح النعل وفرك المني وإماطته بأذخرة وأمثال ذلك كثير فالإنصاف أن يقال أنه يطهر كل فرد من أفراد النجاسة المنصوص على تطهيرها بما اشتمل عليه النص لكنه إن كان ذلك الفرد المحال عليه هو الماء فلا يجوز العدول إلى غيره للمزية التي اختص بها وعدم مساواة غيره له فيها وإن كان ذلك الفرد غير الماء جاز العدول عنه إلى غير الماء لذلك وإن وجد فرد من أفراد النجاسة لم يقع من الشارع الإحالة في تطهيره على فرد من أفراد المطهرات بل مجرد الأمر بمطلق التطهير فالاقتصار على الماء هو اللازم لحصول الامتثال به بالقطع وغيره مشكوك فيه وهذه طريقة متوسطة بين القولين لا محيص عن سلوكها‏).‏
قلت : وهذا هو التحقيق , فشد عليه بالنواجذ.
ومما يدل على أن غير الماء لا يجزئ في دم الحيض قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الثاني : (يَكْفِيكِ الْمَاءُ) , فإن مفهومه أن غير الماء لا يكفي , فتأمل.
الثاني : أنه يجب غسل دم الحيض , ولو قل , لعموم الأمر , وهل يجب استعمال شئ من المواد لقطع أثر النجاسة كالسدر والصابون ونحوهما ؟ فذهب الحنفية وغيرهم إلى عدم الوجوب , مستدلين بعدم ورود الحاد في الحديثين الأولين , وذهب الشافعي والعترة – كما في نيل الأوطار – إلى الوجوب , واستدلوا بأمر بالسدر في الحديث الثالث وهو من الحواد , وجنح إلى هذا الصنعاني , وقال في سبل السلام رد على الشارح المغربي – وهو صاحب بدر التمام – أصل السبل – في قوله : (والقول الأول أظهر) : (وقد يقال : قد ورد الأمر بالغسل لدم الحيض بماء والسدر , والسدر من الحواد , والحديث الوارد به في غاية الصحة كما عرفت , فيقيد به ما أطلق في غيره – كالحديثين السابقين – ويخص الحاد بدم الحيض , ولا يقاس عليه غيره من النجاسات , وذلك لعدم تحقق شروط القياس , ويحمل حديث (وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ) , وقول عائشة : (فلم يذهب) , أي : بعد الحاد).
قلت : وهذا هو الأقرب إلى ظاهر الحديث , ومن الغريب أن ابن حزم لم يتعرض له في المحلى بذكر , فكأنه لم يبلغه.
الثالث : أن دم الحيض نجس للأمر بغسله , وعليه الإجماع كما ذكره الشوكاني عن النووي , وأما سائر الدماء , فلا أعلم نجاستها اللهم إلا ما ذكره القرطبي في تفسيره من (اتفق العلماء على نجاسة الدم) , هكذا قال (الدم), فأطلقه , وفيه نظر من وجهين:
الوجه الأول : أن ابن رشد ذكر ذلك مقيداً , فقال في البداية : (اتفق العلماء على أن دم الحيوان البرئ نجس , واختلفوا في دم السمك ..).
الوجه الثاني : أنه قد ثبت عن بعض السلف ما ينافي الإطلاق المذكور , بل إن بعض ذلك في حكم المرفوع إلى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
1- قصة ذلك الصحابي الأنصاري الذي رماه المشرك بثلاثة أسهم , وهو قائم يصلي , فستمر في صلاته والدماء تسيل منه , وذلك في غزوة ذات الرقاع كما اخرجه ابوداود وغيره من حديث جابر بسند حسن , كما بينته في صحيح ابي داود , ومن الظاهر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علم بها , لأنه يبعد أن لا يطلع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علي مثل هذه الواقعة العظيمة , ولم ينقل أنه اخبره بأن صلاته بطلت كما قال الشوكاني.
2- عن محمد ابن سيرين عن يحيى الجزار قال : صلي ابن مسعود وعلي بطنه فرث ودم من جزور ونحوها , ولم يتوضأ , واسناده صحيح.
3- ذكر ابن رشد اختلاف العلماء في دم السمك وذكر : (أن السبب في اختلافهم هو اختلافهم في ميتته فمن جعل ميتته داخلة تحت عموم التحريم , جعل دمه كذلك , ومن اخرج ميتته اخرج دمه قياساً علي الميتة).
فهذا يشعر بأمرين:
أحداهما : أن إطلاق الاتفاق علي نجاسة الدم ليس بصواب , لأن هناك بعض الدماء اختلف في نجاستها , كدم السمك مثلاً , فما دام أن الاتفاق علي إطلاقه لم يثبت , لم يصح الاستدلال به علي موارد النزاع , بل وجب الرجوع فيه إلى النص , والنص إنما دل علي نجاسة دم الحيض , وما سوى ذلك , فهو علي الأصل المتفق عليه بين المتنازعين , وهو الطهارة فلا يخرج منه إلا بنص تقوم به الحجة.
الأمر الآخر : أن القائلين بنجاسة الدماء ليس عندهم حجة , إلا أنه محرم بنص القرآن , فستلزموا من التحريم التنجيس كما فعلوا تماما في الخمر ولا يخفى أنه لا يلزم من التحريم التنجيس , بخلاف العكس , كما بينه الصنعاني في سبل السلام , ثم الشوكاني وغيرهما , ولذلك قال المحقق صديق حسن خان في الروضة الندية بعد أن ذكر حديث أسماء المتقدم وحديث أم قيس الثالث : (فالأمر بغسل دم الحيض , يفيد ثبوت نجاسته , وإن اختلف وجه تطهيره , فذلك لا يخرجه عن كونه نجسا , وأما سائر الدماء , فالأدلة مختلفة مضطربة , والبراءة الأصلية مستصحبة , حتي يأتي الدليل الخالص عن المعارضة الراجحة أو المساوية , ولو قام الدليل علي الرجوع الضمير في قوله تعالي : (فإنه رجس) إلي جميع ما تقدم في الآية الكريمة من : الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير , لكان ذلك مفيداً لناجسة الدم المسفوح والميتة , ولكن لم يرد ما يفيد ذلك , بل النزاع كائن في رجوعه إلي الكل أو الأقرب , والظاهر الرجوع إلي الأقرب , وهو لحم الخنزير , لإفراد الضمير , ولهذا جزمنا هنا بنجاسة لحم الخنزير دون الدم الذي ليس بدم حيض , ومن رام تحقيق الكلام في الخلاف الواقع في مثل هذا الضمير المذكور في الآية , فليرجع إلي ما ذكره أهل الأصول في الكلام علي القيد الواقع بعد جملة مشتملة علي أمور متعددة).
ولهذا لم يذكر الشوكاني في النجاسات من الدرر البهية الدم علي عمومه , وإنما دم الحيض فقط , وتبعه علي ذلك صديق حسن خان كما رأيت فيما نقلته عنه آنفاً.
وأما تعقب العلامة أحمد شاكر في تعليقه علي الروضة الندية بقوله : (هذا خطأ من المؤلف والشارح , فإن نجاسة دم الحيض ليست لأنه دم حيض , بل لمطلق الدم , والمتتبع للأحاديث يجد أنه كان مفهوماً أن الدم نجس , ولو لم يأت لفظ صريح بذلك , وقد كانوا يعرفون ما هو قذر نجس بالفطرة الطاهرة).
قلت : فهذا تعقب لا طائل تحته , لأنه ليس فيه إلا مجرد الدعوى , وإلا ، فأين الدليل علي أن نجاسة دم الحيض ليس لأنه دم حيض بل لمطلق الدم ؟ ولو كان هناك دليل علي هذا , لذكره هو نفسه , ولما خفي إن شاء الله تعالي علي الشوكاني وصديق خان وغيرهما.
ومما يؤيد ما ذكرته أن ابن حزم – علي سعة اطلاعه – لم يجد دليلاً علي نجاسة الدم مطلقاً , إلا حديثاً واحداً , وهو إنما يدل على نجاسة دم الحيض فقط , كما سيأتي بيانه , فلو كان عنده غيره , لأورده ، كما هي عادته في استقصاء الأدلة , لا سيما ما كان منها مؤيداً لمذهبه .
وأما قول الشيخ أحمد شاكر : (والمتتبع للأحاديث يجد أنه كان مفهوماً أن الدم نجس) , فهو مجرد دعوى أيضاً , وشئ لم أشعر به البتة فيما وقفت عليه من الأحاديث , بل وجدت فيها ما يبطل هذه الدعوى , كما سبق في حديث الأنصاري وأثر ابن مسعود.
ومثل ذلك قوله : (وقد كانوا يعرفون ما هو قذر نجس بالفطرة الطاهرة) , فما علمنا أن للفطرة مدخلاً في معرفة النجاسات في عرف الشارع , ألا تري أن الشارع حكم بطهارة المني ونجاسة المذي ، فهل هذا مما يمكن معرفته بالفطرة ، وكذلك ذهب الجمهور إلي نجاسة الخمر وأنها تطهر إذا تخللت فهل هذا مما يمكن معرفته بالفطرة ؟ اللهم لا , فلو أنه قال (ما هو قذر) ولم يزد , لكان مسلماً , والله تعالى ولي الهداية والتوفيق.

301- (إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ [ثم توضئي لكل صلاة حتى يجئ ذلك الوقت] ثم صَلِّي).
أخرجه الشيخان وأبوعوانة وأصحاب السنن الأربعة ومالك , والدارقطني , والبيهقي , وأحمد من حديث عَائِشَةَ قَالَتْ إن فَاطِمَةُ بِنْتُ حُبَيْش جاءت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ إني امرأة أستحاض فلا أطهر , أفأدع الصلاة ؟ قال : (فذكره).
والشاهد من الحديث قوله : (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ) , فهو دليل آخر علي نجاسة دم الحيض.
ومن غرائب ابن حزم أنه ذهب إلي أن قوله فيه (الدم) علي العموم يشمل جميع الدماء من الإنسان والحيون فقال في المحلي : (وهذا عموم منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لنوع الدم , ولا نبالي بالسؤال إذا كان جوابه عليه السلام قائماً بنفسه غير مردود بضمير إلى السؤال).
وقد رد عليه بعض الفضلاء , فقال في هامش النسخة المخطوطة من المحلي – نقلاً عن حاشية المطبوعة – ما نصه : (بل الأظهر أنه يريد دم الحيض , واللام للعهد الذكري الدال عليه ذكر الحيضة والسياق فهو كعود الضمير سواء , فلا يتم قوله : وهذا عموم ... إلخ).
قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه عليه : (وهذا استدراك واضح صحيح).
قلت : فهذا يدلك علي أن الذين ذهبوا إلى القول بنجاسة الدم إطلاقاً ليس عندهم بذلك نقل صحيح صريح , فهذا ابن حزم يستدل عليه بمثل هذا الحديث , وفيه ما رأيت , واقتصاره عليه وحده يشعر اللبيب بأن القوم ليس عندهم غيره وإلا لذكره ابن حزم , وكذا غيره , فتأمل.
وجملة القول : أنه لم يرد دليل فيما نعلم علي نجاسة الدم علي أختلاف أنواعه , إلا دم الحيض , ودعوى الاتفاق علي نجاسته منقوضة بما سبق من القول , والأصل الطهارة , فلا يترك إلا بنص صحيح يجوز به ترك الأصل , وإذ لم يرد شئ من ذلك , فالبقاء علي الأصل هو الواجب , والله أعلم.

جواز تلاوة القرآن للجنب



406- (كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِه).
أخرجه مسلم , وأبوداود , والترمذي , وابن ماجه , وأبوعوانة , والبيهقي , وأحمد من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن أبيه عن خالد بن سلمة عن عبدالله البهي عن عروة عن عائشة مرفوعاً.
في الحديث دلالة على جواز تلاوة القرآن للجنب , لأن القرآن ذكر , (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ)النحل 44 , فيدخل في عموم قولها : (يذكر الله).
نعم , الأفضل أن يقرأ على طهارة , لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين رد السلام عقب التيمم : (إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة) , وهو مخرج في "صحيح أبي داود".

هو الطهور ماؤه , الحل ميتته



480- (هو الطهور ماؤه , الحل ميتته).
أخرجه مالك عن صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْم عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ هُوَ مِنْ آلِ بْنيِ الْأَزْرَقِ عن الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : " جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ به ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فذكره).
وفي الحديث فائدة هامة , وهي حل ما مات في البحر مما كان يحيا فيه , ولو كان طافياً على الماء.
وما أحسن ما روى عن ابن عمر أنه سئل : آكل ما طفا على الماء ؟ قال : إن طافيه ميتته , وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إن ماءه طهور , وميته حل) , رواه الدارقطني.
وحديث النهي عن أكل ما طفا منه على الماء لا يصح , كما هو مبين في موضع آخر.
توقيع :أبو محمد عبدالحميد الأثري

27-11-2011 10:16 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [8]
أبو محمد عبدالحميد الأثري
المشرف العام - وفقه الله تعالى
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-02-2011
المشاركات : 3141
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif عون الودود لتيسير مافي السلسلة الصحيحة من الفوائد والردود من المجلد الاول الى السادس
كراهية ذكر الله الا على طهارة



834-(إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا عَلَى طُهْر أَوْ قَالَ عَلَى طَهَارَة).
أخرجه أبودود(1/4)، والنسائي(1/16)، والدارمي(2/287)، وابن ماجه(1/145)، وابن خزيمة في(صحيحه)(206)، وعنه ابن حبان(189)، والحاكم(1/167)، وعنه البيهقي(1/90)، وأحمد(5/80) عن قتادة عن الحسن عن حصين بن المنذر أبي ساسان عن المهاجر بن قنفذ:
((أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقالwink_3) فذكره. وليس عند النسائي والدارمي المتن المذكور أعلاه. وقال الحاكم:
((صحيح على شرط الشيخين))، ووافقه الذهبي.
كذا قال؛ مع أنه قال في((الميزان)):
(كان الحسن البصري كثير التدليس؛ فإذا قال في حديث(عن فلان) ضعف احتجاجه؛ ولا سيما عمن قيل: إنه لم يسمع منهم كأبي هريرة ونحوه، فعدوا ما كان له عن أبي هريرة في جملة المنقطع)).
لكن الظاهر أن المراد من تدليسه إنما هو ما كان من روايته عن الصحابة دون غيرهم؛ لأن الحافظ في((التهذيب))أكثر من ذكر النقول عن العلماء في روايته عمن لم يلقهم، وكلهم من الصحابة، فلم يذكروا ولا رجلاً واحداً من التابعين روى عنه الحسن ولم يلقه، ويشهد لذلك إطباق العلماء جميعاً على الاحتجاج برواية الحسن وغيره من التابعين؛ بحيث إني لا أذكر أن أحداً أعل حديثاً ما من روايته عن التابعي لم يصرح بسماعه منه، ولعل هذا هو وجه من صحح الحديث ممن ذكرنا، وأقرهم الحافظ في((الفتح))(11/13)؛ ولا سيما ابن حبان منهم؛ فإنه صرح في((الثقات))(4/123)بأنه كان يدلس.
هذا ما ظهر لي في هذا المقام. والله سبحانه وتعالى أعلم.
على أن لحديث هذا شاهداً من حديث ابن عمر عند أبي داود(1/54-55)، والطيالسي(رقم1851)عن محمد بن ثابت العبدي عن نافع عن ابن عمر به نحوه.
وهذا إسناد حسن في الشواهد، إلا أن فيه جملة مستنكرة أنكرت عليه في مسح الذراعين في التيمم، ولذلك أوردته في كتابي((ضعيف سنن أبي داود))(رقم58).
(فائدة): لما كان ((السلام)) اسماً من أسماء الله تعالى- كما سيأتي في الحديث(1894)- كره النبي صلى الله عليه وسلم أن يذكره إلا على طهارة، فدل ذلك على أن تلاوة القرآن بغير طهارة مكروه من باب أولى، فلا ينبغي إطلاق القول بجواز قراءته للمحدث؛ كما يفعل بعض إخواننا من أهل الحديث.

كتاب الصلاة



سنة متروكة يجب إحياؤها
استفاضت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بإقامة الصفوف وتسويتها , بحيث يندر أن تخفى على أحد من طلاب العلم فضلاً عن الشيوخ , ولكن ربما يخفى على الكثيرين منهم أن إقامة الصف تسويته بالأقدام , وليس فقط بالمناكب , بل لقد سمعنا مراراً من بعض أئمة المساجد – حين يأمرون بالتسوية – التنبيه على أن السنة فيها إنما هي بالمناكب فقط دون الأقدام , ولما كان ذلك خلاف الثابت في السنة الصحيحة , رأيت أنه لا بد من ذكر ماورد من الحديث , تذكيراً لمن أراد أن يعمل بما صح من السنة , غير مغتر بالعادات والتقاليد الفاشية في الأمة.
فأقول : لقد صح في ذلك حديثان:
الأول : من حديث أنس.
والآخر : من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما .
أما حديث أنس فهو:

31- (أَقِيمُوا صُفُوفَكُم ْ وتراصوا فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي).
رواه البخاري ,وأحمد من طرق عن حميد الطويل : ثنا أنس بن مالك قال : (أقيمت الصلاة , فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه , فقال : (فذكره).
زاد البخاري في رواية : (قبل أن يكبر) , وزاد أيضا في آخره : (وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه , وقدمه بقدمه).
وهي عند المخلص , وكذا ابن ابي شيبة بلفظ : (قال أنس : فلقد رأيت احدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه , فلو ذهبت تفعل هذا اليوم , لنفر أحدكم كأنه بغل شموس).
وترجم البخاري لهذا الحديث بقوله (باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف).
وأما حديث النعمان فهو:

32- (أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ [ثَلَاثًا] وَاللَّهِ لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ).
وفي هذين الحديثين فوائد هامة:
الأولى : وجوب إقامة الصفوف وتسويتها والتراص فيها , للأمر بذلك , والأصل فيه الوجوب , إلا لقرينة , كما هو مقرر في الأصول , والقرينة هنا تؤكد الوجوب , وهو قوله صلى الله عليه وسلم (أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ) , فإن مثل هذا التهديد لا يقال فيما ليس بواجب , كما لا يخفى.
الثانية : أن التسوية المذكورة إنما تكون بلصق المنكب بالمنكب , وحافة القدم بالقدم , لأن هذا هو الذي فعله الصحابة رضي الله عنهم حين أمروا بإقامة الصفوف , والتراص فيها , ولهذا قال الحافظ في (الفتح) بعد أن ساق الزيادة التي أوردتها في الحديث الأول من قول أنس:
(وأفاد هذا التصريح أن الفعل المذكور كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم , وبهذا يتم الاحتجاج به على بيان المراد بإقامة الصف وتسويته).
ومن المؤسف أن هذه السنة من التسوية قد تهاون بها المسلمون , بل أضاعوها , إلا القليل منهم , فإني لم أرها عند طائفة منهم إلا أهل الحديث , فإني رأيتهم في مكة سنة (1368هـ) حريصين على التمسك بها كغيرها من سنن المصطفى عليه الصلاة والسلام , بخلاف غيرهم من أتباع المذاهب الأربعة – لا أستثني منهم حتى الحنابلة – فقد صارت هذه السنة عندهم نسياً منسياً , بل إنهم تتابعوا على هجرها والإعراض عنها , ذلك لأن أكثر مذاهبهم نصت على أن السنة في القيام التفريج بين القدمين بقدر أربع أصابع , فإن زاد كره , كما جاء مفصلاً في (الفقه على المذاهب الأربعة)(1 207) , والتقدير المذكور لا أصل له في السنة , وإنما هو مجرد رأي , ولو صح لوجب تقييده بالإمام والمنفرد حتى لا يعارض به هذه السنة الصحيحة , كما تقتضيه القواعد الأصولية.
وخلاصة القول : إنني أهيب بالمسلمين – وبخاصة أئمة المساجد – الحريصين على اتباعه صلى الله عليه وسلم , واكتساب فضلية إحياء سنته صلى الله عليه وسلم , أن يعملوا بهذه السنة , ويحرصوا عليها , ويدعوا الناس إليها , حتى يجتمعوا عليها جميعاً , وبذلك ينجون من تهديد : (أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ).
وأزيد في هذه الطبعة فأقول:
لقد بلغني عن أحد الدعاة أنه يهون من شأن هذه السنة العملية التي جرى عليها الصحابة , وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم عليها , ويلمح إلى أنه لم يكن من تعليمه صلى الله عليه وسلم إياهم , ولم ينتبه – والله أعلم – إلى ذلك فهم منهم أولاً , وأنه صلى الله عليه وسلم قد أقرهم عليه ثانياً , وذلك كاف عند أهل السنة في إثبات شرعية ذلك , لأن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب , وهم القوم لا يشقى متبع سبيلهم.
الثالثة : في الحديث الأول معجزة ظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم , وهي رؤيته صلى الله عليه وسلم من ورائه , ولكن ينبغي أن يعلم أنها خاصة في حالة كونه صلى الله عليه وسلم في الصلاة , إذ لم يرد في شئ من السنة أنه كان يرى كذلك خارج الصلاة أيضاً , والله أعلم.
الرابعة : في الحديثين دليل واضح على أمر لا يعلمه كثير من الناس , وأن كان صار معروفاً في علم النفس , وهو أن فساد الظاهر يؤثر في فساد الباطن , والعكس بالعكس , وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة , لعلنا نتعرض لجمعها وتخريجها في مناسبة أخرى إن شاء الله تعالى .
الخامسة : أن شروع الإمام في تكبيرة الإحرام عند قول المؤذن : (قد قامت الصلاة) بدعة , لمخالفتها للسنة الصحيحة , كما يدل على ذلك هذان الحديثان , لا سيما الأول منهما , فإنهما يفيدان أن على الإمام بعد إقامة الصلاة واجباً ينبغي عليه القيام به , وهو أمر الناس بالتسوية , مذكراً لهم بها , فإنه مسؤول عنهم : (كُلُّكُمْ رَاع وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ .........).

من فضل الأذان



41- (يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ رَاعِي غَنَم فِي رَأْسِ شَظِيَّةِ بْجَبَلِ يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ وَيُصَلِّي فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ يَخَافُ مِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ).
الشظية : قطعة من رأس الجبل مرتفعة.
وفي الحديث من الفقه استحباب الأذان لمن يصلي وحده , وبذلك ترجم له النسائي , وقد جاء الأمر به وبالإقامة في بعض طرق حديث المسئ صلاته , فلا ينبغي التساهل بهما.

42- (مَنْ أَذَّنَ اثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَكُتِبَ لَهُ بِتَأْذِينِهِ فِي كُلِّ يَوْم سِتُّونَ حَسَنَةً و بإِقَامَة ثَلَاثُونَ حَسَنَةً).
وفي هذا الحديث فضل ظاهر للمؤذن المثابر على أذانه هذه المدة المذكورة فيه , ولا يخف أن ذلك مشروط بمن أذن خالصاً لوجه الله تعالى , لا يبتغي من ورائه رزقاً ولا رياء ولا سمعة , للأدلة الكثيرة الثابتة في الكتاب والسنة , التي تفيد أن الله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له.
راجع كتاب الرياء في أول (الترغيب والترهيب) للمنذري.
وقد ثبت أن رجلاً جاء إلى ابن عمر , فقال إني أحبك في الله ,قال فاشهد علي أني أبغضك في الله , قال : ولم ؟ قال : لأنك تلحن في أذانك , وتأخذ عليه أجراً .أخرجه الطبراني في ( المعجم الكبير )( 12/ 264/ 13059 ) وغيره.
وإن مما يؤسف له حقاً أن هذه العبادة العظيمة , والشعيرة الإسلامية , قد انصرف أكثر علماء المسلمين عنها في بلادنا , فلا تكاد ترى أحداً منهم يؤذن في مسجد ما , إلا ما شاء الله , بل ربما خجلوا من القيام بها , بينما تراهم يتهافتون على الإمامة بل ويتخاصمون , فإلى الله المشتكى من غربة هذا الزمان.

لا تدرك صلاة الفجر والعصر إلا بإدراك السجدة الأولى



66- (إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ [أَوَّلَ] سَجْدَة مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ وَإِذَا أَدْرَكَ [أَوَّلَ] سَجْدَة مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ).
وإنما آثرت الكلام على هذه الطريق , لورود الزيادتين المذكورتين فيها , فإنهما تحددان بدقة المعنى المراد من لفظة ( الركعة ) , الواردة في طرق الحديث , وهو إدراك الركوع و السجدة الأولى معاً , فمن لم يدرك السجدة , لم يدرك الركعة , ومن لم يدرك الركعة , لم يدرك الصلاة .
ومن ذلك يتبين أن الحديث يعطينا فوائد هامة:
الأولى : إبطال قول بعض المذاهب أن من طلعت عليه الشمس وهو في الركعة الثانية من صلاة الفجر , بطلت صلاته , وكذلك قالوا فيمن غربت عليه الشمس وهو في آخر ركعة من صلاة العصر , وهذا مذهب ظاهر البطلان , لمعارضته لنص الحديث , كما صرح بذلك الإمام النووي وغيره.
ولا يجوز معارضة الحديث بأحاديث النهى عن الصلاة في وقت الشروق والغروب , لأنها عامة , وهذا خاص والخاص يقضي على العام , كما هو مقرر في علم الأصول.
وإن من عجائب التعصب للمذهب ضد الحديث أن يستدل البعض به لمذهبه في مسألة , ويخالفه في هذه المسألة التي نتكلم فيها , وأن يستشكله آخر من أجلها , فإلى الله المشتكى مما جره التعصب على أهله من المخالفات للسنة الصحيحة.
قال الزيلعي في ( نصب الراية ) ( 1 / 229 ) بعد أن ساق حديث أبي هريرة هذا وغيره مما في معناه:
(وهذه الأحاديث أيضاً مشكلة عند مذهبنا في القول ببطلان صلاة الصبح إذا طلعت عليها الشمس , والمصنف استدل به على أن آخر وقت العصر ما لم تغرب الشمس).
فيا أيها المتعصبون , هل المشكلة مخالفة الحديث الصحيح لمذهبكم ؟ أم العكس هو الصواب؟.
الفائدة الثانية : الرد على من يقول إن الإدراك يحصل بمجرد إدراك أي جزء من الصلاة , ولو بتكبيرة الإحرام , وهذا خلاف ظاهر الحديث , وقد حكاه في (منار السبيل) قولاً للشافعي , وإنما هو وجه في مذهبه , كما في (المجموع) للنووي (3/63) , وهو مذهب الحنابلة , مع أنهم نقلوا عن الأمام أحمد أنه قال : (لا تدرك الصلاة إلا بركعة) , فهو أسعد الناس بالحديث , والله أعلم.
قال عبدالله بن أحمد في (مسائله) (46) : (سألت أبي عن رجل يصلي الغداة ؟ فلما صلى ركعة قام في الثانية طلعت الشمس ؟ قال : يتم صلاته وهي جائزة قلت لأبي فمن زعم أن ذلك لا يجزئه , فقال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : (من أدرك من صلاة الغداة ركعة قبل أن تطلع الشمس , فقد أدرك).
ثم رأيت ابن نجيح البزار روى في (حديثه) ( ق 111/1 ) بسند صحيح عن سعيد بن المسيب أنه قال : (إذا رفع رأسه من آخر سجدة , فقد تمت صلاته) , ولعله يعني آخر سجدة من الركعة الأولى , فيكون قولاً آخر في المسألة والله أعلم.
الفائدة الثالثة : واعلم أن الحديث إنما هو في المتعمد تأخير الصلاة إلى هذا الوقت الضيق , فهو على هذا آثم بالتأخير – وإن أدرك الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم : (تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا) , رواه مسلم وغيره من حديث أنس رضي الله عنه , وهو مخرج في (صحيح أبي داود) (441).
وأما غير المتعمد – وليس هو إلا النائم والساهي – فله حكم آخر , وهو أنه يصليها متى تذكرها , ولو عند طلوع الشمس وغروبها لقوله صلى الله عليه وسلم (مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا , فليصلها إذا ذكرها , لا كفارة لها إلا ذلك , فإن الله تعالى يقول [أَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي]) أخرجه مسلم أيضاً عنه , وكذا البخاري , وهو مخرج في (الصحيح) أيضاً (469).
فإذن هنا أمران : الإدرك , والإثم , والأول هو الذي سيق الحديث لبيانه , فلا يتوهمن أحد من سكوته عن الأمر الأخر أنه لا أثم عليه بالتأخير , كلا بل هو آثم على كل حال , أدرك الصلاة أو لم يدرك , غاية ما فيه أنه اعتبره مدركاً للصلاة بإدراك الركعة , وغير مدرك لها إذا لم يدركها , ففي الصورة الأولى صلاته صحيحة مع الإثم , وفي الصورة الأخرى صلاته غير صحيحة مع الإثم أيضاً , بل هو به أولى وأحرى , كما لا يخفى على أولي النهى.
الفائدة الرابعة : ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم (فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ) , أي : لأنه أدركها في وقتها وصلاها صحيحة , وبذلك برئت ذمته , وأنه إذا لم يدرك الركعة , فلا يتمها , لأنها ليست صحيحة بسبب خروج وقتها , فليست مبرئة للذمة.
ولا يخفى أن مثله – وأولى منه – من لم يدرك من صلاته شيئاً قبل خروج الوقت , فإنه لا صلاة له , ولا هي مبرئة لذمته , أي : أنه إذا كان الذي لم يدرك الركعة لا يؤمر بإتمام الصلاة , فالذي لم يدركها إطلاقاً أولى أن لا يؤمر بها , وليس ذلك إلا من باب الزجر والردع له عن إضاعة الصلاة , فلم يجعل الشارع الحكيم لمثله كفارة كي لا يعود إلى إضاعتها مرة أخرى , متعللاً بأنه يمكنه أن يقضيها بعد وقتها , كلا فلا قضاء للمتعمد كما أفاد هذا الحديث الشريف وحديث أنس السابق (لا كفارة لها إلا ذلك).
ومن ذلك يتبين لكل من أوتي شيئاً من العلم والفقه في الدين , أن قول بعض المتأخرين : (وإذا كان النائم والناسي للصلاة – وهما معذوران – يقضيانها بعد خروج وقتها , كان المتعمد لتركها أولى) : أنه قياس خاطئ , بل لعله من أفسد قياس على وجه الأرض , لأنه من باب قياس النقيض على نقيضه , وهو فاسد بداهة , إذ كيف يصح قياس غير المعذور على المعذور والمتعمد على الساهي ؟ ومن لم يجعل الله له كفارة على من جعل الله له كفارة ؟ وما سبب ذلك إلا من الغفلة عن المعنى المراد من هذا الحديث الشريف , وقد وفقنا الله تعالى لبيانه , والحمد لله تعالى على توفيقه.
وللعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى بحث هام مفصل في هذه المسألة , أظن أنه لم يسبق إلى مثله في الإفادة والتحقيق , وأرى من تمام هذا البحث أن أنقل منه فصلين : أحداهما في إبطال هذا القياس , والآخر في الرد على من استدل بهذا الحديث على نقيض ما بينا , قال رحمه الله بعد أن ذكر القول المتقدم : (فجوابه من وجوه :
أحدها : المعارضة بما هو أصح منه أو مثله , وهو أن يقال : لا يلزم من صحة القضاء بعد الوقت من المعذور المطيع لله ورسوله الذي لم يكن منه تفريط في فعل ما أمر به وقبوله منه صحته وقبوله من متعد لحدود اللهمضيع لأمره تارك لحقه عمدا وعدوانا فقياس هذا على هذا في صحة العبادة وقبولها منه وبراء الذمة بها من افسد القياس.
الوجه الثاني إن المعذور بنوم أو نسيان لم يصل الصلاة في غير وقتها بل في نفس وقتها الذي وقته الله له فإن الوقت في حق هذا حين يستيقظ ويذكر كما قال صلى الله عليه وسلم (من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها) رواه البيهقي , والدارقطني , فالوقت وقتان وقت اختيار ووقت عذر فوقت المعذور بنوم او سهو هو وقت ذكره واستيقاظه فهذا لم يصل الصلاة إلا في وقتها فكيف يقاس عليه من صلاها في غير وقتها عمدا وعدوانا.
الثالث إن الشريعة قد فرقت في مواردها ومصادرها بين العامد والناسي ويبن المعذور وغيره وهذا مما لا خفاء به فإلحاق أحد النوعين بالآخر غير جائز.
الرابع إنا لم نسقطها عن العامد المفرط ونأمر بها المعذور حتى يكون ما ذكرتم حجة علينا بل ألزمانا بها المفرط المتعدي على وجه لا سبيل له إلى استدراكها تغليظا عليه وجوزنا للمعذور غير المفرط.
فصل : وأما استدلالكم بقول صلى الله عليه وسلم (من ادرك ركعة من العصر قبل ان تغرب الشمس فقد ادرك) فما أصحه من حديث وما أراه على مقتضى قولكم فإنكم تقولون هو مدرك العصر ولو لم يدرك من وقتها شيئا البتة بمعنى إنه مدرك لفعلها صحيحة منه مبرئة لذمته فلو كانت تصح بعد خروج وقتها وتقبل منه لم يتعلق أدراكها بركعة ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد أن من ادرك ركعة من العصر صحت صلاته بلا إثم بل هو آثم بتعمد ذلك اتفاقا فإنه أمر أن يوقع جميعها في وقتها فعلم أن هذا الإدراك لا يرفع الإثم بل هو مدرك آثم فلو كانت تصح بعد الغروب لم يكن فرق بين ان يدرك ركعة من الوقت أولا يدرك منها شيئا.
فإن قلتم إذا أخرها إلى بعد الغروب كان أعظم اثما.
قيل لكم النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين إدراك الركعة وعدمها في كثرة الإثم وخفته وإنما فرق بينهما في الإدراك وعدمه ولا ريب أن المفوت لمجموعها في وقت أعظم من المفوت لأكثرها والمفوت لأكثرها فيه اعظم من المفوت لركعة منها.
فنحن نسألكم ونقول ما هذا الإدراك الحاصل بركعة ؟ أهذا إدراك يرفع الإثم ؟ فهذا لا يقوله أحد أو إدراك يقتضي الصحة ؟ فلا فرق فيه بين ان يفوتها بالكلية أو يفوتها إلا ركعة منها).
توقيع :أبو محمد عبدالحميد الأثري

27-11-2011 10:16 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [9]
أبو محمد عبدالحميد الأثري
المشرف العام - وفقه الله تعالى
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-02-2011
المشاركات : 3141
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif عون الودود لتيسير مافي السلسلة الصحيحة من الفوائد والردود من المجلد الاول الى السادس
حكم تارك الصلاة



87- (يَدْرُسُ الْإِسْلَامُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوْبِ حَتَّى لَا يُدْرَى مَا صِيَامٌ وَلَا صَلَاةٌ وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي لَيْلَة فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ وَتَبْقَى طَوَائِفُ مِنْ النَّاسِ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْعَجُوزُ يَقُولُونَ أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَنَحْنُ نَقُولُهَا).
في الحديث فائدة فقهية هامة , وهي أن شهادة أن لا إله إلا الله تنجي قائلها من الخلود في النار يوم القيامة , ولو كان لا يقوم بشئ من أركان الإسلام الخمسة الأخرى , كالصلاة وغيرها , ومن المعلوم أن العلماء اختلفوا في حكم تارك الصلاة , خاصة مع إيمانه بمشروعيتها , فالجمهور على أنه لا يكفر بذلك , بل يفسق , وذهب أحمد – في رواية – إلى أنه يكفر , وأنه يقتل ردة لا حداً , وقد صح عن الصحابة أنهم كانوا لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة , رواه الترمذي والحاكم.
وأنا أرى أن الصواب رأي الجمهور , وأن ما ورد عن الصحابة ليس نصاً على أنهم كانوا يريدون بالكفر هنا الكفر الذي يخلد صاحبه في النار , ولا يحتمل أن يغفره الله له , كيف ذلك وهذا حذيفة بن اليمان – وهو من كبار أولئك الصحابة – يرد على صلة بن زفر – وهو يكاد يفهم الأمر على نحو فهم أحمد له – فيقول : (مَا تُغْنِي عَنْهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا صَلَاةٌ ...) فيجيبه حذيفة بعد إعراضه عنه : (يَا صِلَةُ تُنْجِيهِمْ مِنْ النَّارِ ثَلَاثًا).
فهذا نص من حذيفة رضي الله عنه على أن تارك الصلاة – ومثلها بقية الأركان – ليس بكافر , بل مسلم ناج من الخلود في النار يوم القيامة , فاحفظ هذا فإنه قد لا تجده في غير هذا المكان.
وفي الحديث المرفوع ما يشهد له , ولعلنا نذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.
ثم وقفت على (الفتاوى الحديثية) (84/2) للحافظ السخاوي , فرأيته يقول بعد أن ساق بعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة – وهي مشهورة معروفة -:
(ولكن , كل هذا إنما يحمل على ظاهره في حق تاركها جاحداً لوجودها مع كونه ممن نشأ بين المسلمين , لأنه يكون حينئذ كافر مرتداً بإجماع المسلمين . فإن رجع إلى الإسلام , قبل منه , وإلا قتل , وأما من تركها بلا عذر – بل تكاسلاً مع اعتقاد وجوبها - , فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه لا يكفر , وأنه – على الصحيح أيضاً – بعد إخراج الصلاة الواحدة عن وقتها الضروري – كأن يترك الظهر مثلاً حتى تغرب الشمس , أو المغرب حتى يطلع الفجر – يستتاب كما يستتاب المرتد , ثم يقتل إن لم يتب , ويغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين , مع إجراء سائر أحكام المسلمين عليه , ويؤول إطلاق الكفر عليه لكونه شارك الكافر في بعض أحكامه , وهو وجوب العمل , جمعاً بين هذه النصوص وبين ما صح أيضاً عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال (خَمْسُ صَلَوَات كَتَبَهُنَّ اللَّهُ .... [فذكر الحديث , وفيه :] إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ) , وقال أيضاً : (مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ) . إلى غير ذلك , ولهذا لم يزل المسلمون يرثون تارك الصلاة ويورثونه , ولو كان كافراً , لم يغفر له , لم يرث ولم يورث).
وقد ذكر نحو هذا الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله في (حاشيته على المقنع) (1/ 95-96) , وختم البحث بقوله:
(ولأن ذلك إجماع المسلمين , فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه , ولا منع ميراث موروثه , مع كثرة تاركي الصلاة , ولو كفر , لثبتت هذه الأحكام , وأما الأحاديث المتقدمة , فهي على وجه التغليظ والتشبيه بالكفار لا على الحقيقة , كقوله عليه الصلاة والسلام : (سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ) وقوله : (مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْْ أَشْرَكَ) , وغير ذلك . قال الموافق : وهذا أصوب القولين).
أقول : نقلت هذا النص من (الحاشية) المذكورة , ليعلم بعض متعصبة الحنابلة أن الذي ذهبنا إليه ليس رأياً تفردنا به دون أهل العلم , بل هو مذهب جمهورهم , والمحقيقين من علماء الحنابلة أنفسهم , كالموافق هذا – وهو ابن قدامة المقدسي – وغيره , ففي ذلك حجة كافية على أولئك المتعصبة , تحملهم إن شاء الله تعالى على ترك غلوائهم , والاعتدال في حكمهم.
بيد أن هنا دقيقة قل من رأيته تنبه لها , أو نبه عليها , فوجب الكشف عنها وبيانها , فأقول:
إن التارك للصلاة كسلاً إنما يصح الحكم بإسلامه , ما دام لا يوجد هناك ما يكشف عن مكنون قلبه , أو يدل عليه , ومات على ذلك قبل أن يستتاب , كما هو الواقع في هذا الزمان , أما لو خير بين القتل والتوبة بالرجوع إلى المحافظة على الصلاة , فاختار القتل عليها , فقتل , فهو في هذه الحالة يموت كافراً , ولا يدفن في مقابر المسلمين , ولا تجري عليه أحكامهم , خلافاً لما سبق عن السخاوي , لأنه لا يعقل – لو كان غير جاحد لها في قلبه – أن يختار القتل عليها , هذا أمر مستحيل معروف بالضرورة من طبيعة الإنسان , لا يحتاج إثباته إلى برهان .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في (مجموعة الفتاوى) (22/48) : (ومتي امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل، لم يكن في الباطن مقرًا بوجوبها، ولا ملتزمًا بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين، كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا، ودلت عليه النصوص الصحيحة‏ .....فمن كان مصرًا على تركها حتى يموت لا يسجد لله سجدة قط، فهذا لا يكون قط مسلمًا مقرًا بوجوبها، فإن اعتقاد الوجوب، واعتقاد أن تاركها يستحق القتل، هذا داع تام إلى فعلها، والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإذا كان قادرًا ولم يفعل قط، علم أن الداعي في حقه لم يوجد‏).
قلت : هذا منتهى التحقيق في هذه المسألة , والله ولي التوفيق.

تأكيد سنية صلاة الوتر



108- (إِنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً وَهِيَ الْوِتْرُ فَصَلُّوهَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ).
يدل ظاهر الأمر في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَصَلُّوهَا) على وجوب صلاة الوتر , وبذلك قال الحنفية , خلافاً للجماهير , ولولا أنه ثبت بالأدلة القاطعة – كقول الله تعالى في حديث المعراج : (هن خمس في العمل خمسون في الأجر , لا يبدل القول لدي) متفق عليه , وكقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للأعرابي حين قال : لا أزيد عليهن ولا أنقص : (أفلح الرجل إن صدق) متفق عليه – حصر الصلوات المفروضات في كل يوم وليلة بخمس صلوات , لكان قول الحنفية أقرب إلى الصواب , ولذلك فلا بد من القول بأن الأمر هنا ليس للوجوب , بل لتأكيد الاستحباب , وكم من أوامر كريمة صرفت من الوجوب بأدني من تلك الأدلة القاطعة , وقد انفك الأحناف عنها بقولهم : إنهم لا يقولون بأن الوتر واجب كوجوب الصلوات الخمس , بل هو واسطة بينها وبين السنن , أضعف من هذه ثبوتاً , وأقوى من تلك تأكيداً.
فليعلم أن قول الحنفية هذا قائم على اصطلاح لهم خاص حادث ’ لا تعرفه الصحابة ولا السلف الصالح , وهو تفريقهم بين الفرض والواجب ثبوتاً وجزاء , كما هو مفصل في كتبهم.
وإن قولهم بهذا معناه التسليم بأن تارك الوتر معذب يوم القيامة عذاباً دون عذاب تارك الفرض , كما هو مذهبهم في اجتهادهم , وحينئذ يقال لهم : وكيف يصح ذلك مع قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن عزم على أن لا يصلي غير الصلوات الخمس : ( أفلح الرجل ) ؟ وكيف يلتقي الفلاح مع العذاب ؟ فلا شك أن قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا وحده كاف لبيان أن صلاة الوتر ليست بواجبة , ولهذا اتفق جماهير العلماء على سنيته وعدم وجوبه , وهو الحق.
نقول هذا مع التذكير والنصح بالاهتمام بالوتر , وعدم التهاون عنه , لهذا الحديث وغيره , والله أعلم.

السفر الذي يجيز القصر



163- (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَال أَوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ [شَكَّ شُعْبَةُ] , قصر الصلاة , [وفي رواية : صَلِّي رَكْعَتَيْنِ]).
الفرسخ : ثلاثة أميال , والميل من الأرض منتهى مد البصر , لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه , وبذلك جزم الجوهري , وقيل : حده أن ينظر إلى الشخص في أرض مسطحة فلا يدري أهو رجل أو امرأة , وهو ذاهب أو آت , كما في الفتح , وهو في تقدير بعض علماء العصر الحاضر يساوي 1680م.
وهذا الحديث يدل على أن المسافر إذا سافر مسافة ثلاثة فراسخ (والفرسخ نحو ثمان كيلو مترات) , جاز له القصر , وقد قال الخطابي في معالم السنن : (إن ثبت الحديث كانت الثلاثة الفراسخ حداً فيما يقصر إليه الصلاة , إلا أني لا أعرف أحداً من الفقهاء يقول به).
وفي هذا الكلام نظر من وجوه:
الأول : أن الحديث ثابت , وحسبك أن مسلماً أخرجه ولم يضعفه غيره.
الثاني : أنه لا يضر الحديث ولا يمنع العمل به عدم العلم بمن قال به من الفقهاء , لأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود.
الثالث : أنه قد قال به راويه أنس بن مالك رضي الله عنه وأفتى به يحيى بن يزيد الهنائي راويه عنه كما تقدم , بل ثبت عن بعض الصحابة القصر في أقل من هذه المسافة , فروى ابن أبي شيبة عن محمد بن زيد بن خليدة عن ابن عمر قال : (تقصر الصلاة في مسيرة ثلاثة أميال) , وإسناده صحيح كما في إرواء الغليل.
ثم روى من طريق أخرى عنه أنه قال : (إني لأسافر الساعة من النهار وأقصر) . وإسناده صحيح , وصححه الحافظ في الفتح.
ثم روى عنه : (أنه كان يقيم بمكة , فإذا خرج إلى منى قصر) , وإسناده صحيح أيضاً.
ويؤيده أن أهل مكة لما خرجوا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى منى في حجة الوداع , قصروا أيضاً , كما هو معروف مشهور في كتب الحديث والسيرة , وبين مكة ومنى فرسخ , كما في (معجم البلدان).
قال جبلة بن سحيم : سمعت ابن عمر يقول : (لو خرجت ميلاً قصرت الصلاة) , ذكره الحافظ وصححه.
ولا ينافي هذا ما في الموطأ وغيره بأسانيد صحيحة عن ابن عمر أنه كان يقصر في مسافة أكثر مما تقدم , لأن ذلك فعل منه , لاينفي القصر في أقل منها لو سافر إليها , فهذه النصوص التي ذكرناها صريحة في جواز القصر في أقل منها , فلا يجوز ردها , مع دلالة الحديث على الأقل منها.
وقد قال الحافظ في الفتح : (وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه , وقد حمله من خالفه على أن المراد به المسافة التي يبتدأ منها القصر لا غاية السفر , ولا يخفى بعد هذا الحمل , مع أن البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد قال " سألت أنسا عن قصر الصلاة وكنت أخرج إلى الكوفة - يعني من البصرة - أصلي ركعتين ركعتين حتى أرجع , فقال أنس فذكر الحديث , فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر لا عن الموضع الذي يبتدأ القصر منه . ثم إن الصحيح في ذلك أنه لا يتقيد بمسافة بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منها , ورده القرطبي بأنه مشكوك فيه فلا يحتج به فأن كان المردود به أنه لا يحتج به في التحديد بثلاثة أميال فمسلملكن لا يمتنع أن يحتج به في التحديد بثلاثة فراسخ , فإن الثلاثة أميال مندرجة فيها فيؤخذ بالأكثر احتياطا , وقد روى ابن أبي شيبة عن حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن ابن حرملة قال " قلت لسعيد بن المسيب : أأقصر الصلاة وأفطر في بريد من المدينة ؟ قال : نعم" والله أعلم).
قلت : وإسناد هذا الأثر عند ابن أبي شيبة صحيح.
وروى عن اللجلاج قال : (كنا نسافر مع عمر رضي الله عنه ثلاثة أميال , فنتجوز في الصلاة ونفطر) , وإسناده محتمل للتحسين , رجاله كلهم ثقات , غير أبي الورد بن ثمامة , روى عنه ثلاثة وقال ابن سعد : (كان معروفاً قليل الحديث).
وقد دلت هذه الآثار على جواز القصر في أقل من المسافة التي دل عليها الحديث , وذلك من فقه الصحابة رضي الله عنهم , فإن السفر مطلق في كتاب الله والسنة , لم يقيد بمسافة محدودة , كقوله تعالى : (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ) النساء 101 , وحينئذ , فلا تعارض بين الحديث وهذه الآثار , لأنه لم ينف جواز القصر في أقل من المسافة المذكورة فيه , ولذلك قال العلامة ابن القيم في زاد المعاد : (ولم يحدَّ صلى الله عليه وسلم لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر، بل أطلق لهم ذلك في مُطلق السفر والضرب في الأرض، كما أطلق لهم التيمم في كل سفر، وأما ما يُروى عنه من التحديد باليوم، أو اليومين، أو الثلاثة، فلم يصح عنه منها شيء البتة، واللّه أعلم).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : (كل اسم ليس له حد في اللغة ولا في الشرع , فالمرجع فيه إلى العرف , فما كان سفراً في عرف الناس , فهو السفر الذي علق به الشارع الحكم).
وقد اختلف العلماء في المسافة التي تقصر فيها الصلاة اختلافاً كثيراً جداً , على نحو عشرين قولاً , وما ذكرناه عن ابن تيمية وابن القيم أقربها إلى الصواب , وأليق بيسر الإسلام فإن تكليف الناس بالقصر في سفر محدود بيوم أو بثلاثة أيام وغيرها من التحديدات , يستلزم تكليفهم بمعرفة مسافات الطرق التي قد يطرقونها , وهذ مما لا يستطيعه أكثر الناس , لا سيما إذا كانت مما لم تطرق من قبل .
وفي الحديث فائدة أخرى , وهي أن القصر مبدؤه من بعد الخروج من البلدة , وهو مذهب الجمهور من العلماء كما في نيل الأوطار قال : (وذهب بعض الكوفيين إلى أنه إذا أرادالسفر يصلي ركعتين ولو كان في منزله ومنهم من قال إذا ركب قصر إن شاء‏.‏ ورجح ابنالمنذر الأول بأنهم اتفقوا على أنه يقصر إذا فارق البيوت واختلفوا فيما قبل ذلكفعليه الإتمام على أصل ما كان عليه حتى يثبت أن له القصر) , قال ‏:‏ (ولا أعلم أن النبيصلى اللَّه عليه وآله وسلم قصر في سفر من أسفاره إلا بعد خروجه من المدينة)‏.‏
قلت : والأحاديث في هذا المعنى كثيرة , وقد خرجت طائفة منها في الإرواء من حديث أنس وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم.
توقيع :أبو محمد عبدالحميد الأثري

27-11-2011 10:16 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [10]
أبو محمد عبدالحميد الأثري
المشرف العام - وفقه الله تعالى
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-02-2011
المشاركات : 3141
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif عون الودود لتيسير مافي السلسلة الصحيحة من الفوائد والردود من المجلد الاول الى السادس
جمع التقديم



164- (كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ زَيْغِ الشَّمْسِ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى أَنْ يَجْمَعَهَا إِلَى الْعَصْرِ فَيُصَلِّيَهُمَا جَمِيعًا وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ عَجَّلَ الْعَصْرَ إِلَى الظُّهْرِ وَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ سَارَ وَكَانَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْعِشَاءِ وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ عَجَّلَ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا مَعَ الْمَغْرِبِ).
فقه الحديث :
فيه مسائل :
1- جواز الجمع بين الصلاتين في السفر , ولو في غير عرفة ومزدلفة , وهو مذهب جمهور العلماء , خلافاً للحنفية , وقد تأولوه بالجمع الصوري , أي : بتأخير الظهر إلى قرب وقت العصر , وكذا المغرب مع العشاء , وقد رد عليهم الجمهور من وجوه:
أولاً : أنه خلاف الظاهر من الجمع.
ثانياً : أن الغرض من مشروعيته التيسير ورفع الحرج كما صرحت بذلك رواية مسلم , ومراعاة الجمع الصوري فيه من الحرج ما لا يخفي .
ثالثاً: أن في بعض أحاديث الجمع ما يبطل دعواهم , كحديث أنس بن مالك بلفظ (أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا) رواه مسلم وغيره.
رابعاً : ويبطله أيضاً جمع التقديم الذي صرح به حديث معاذ هذا : (وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ عَجَّلَ الْعَصْرَ إِلَى الظُّهْرِ) , والأحاديث بهذا المعنى كثيرة كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
2- وأن الجمع كما يجوز تأخيراً يجوز تقديماً , وبه قال الإمام الشافعي في الأم , وكذا أحمد وإسحاق , كما قال الترمذي.
3- وأنه يجوز الجمع في حال نزوله كما يجوز إذا جد به السير , قال الإمام الشافعي في الأم بعد أن روى الحديث من طريق مالك : (وهذا وهو نازل غير سائر لأن قوله : [دخل .... ثم خرج] , لا يكون إلا وهو نازل , فللمسافر أن يجمع نازلاً وسائراً.
قلت : فلا يلتفت بعد هذا النص إلى قول ابن القيم رحمه الله في الزاد : (ولم يكن من هديه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الجمع راكباً في سفره كما يفعله كثير من الناس , ولا الجمع حال نزوله أيضاً).
وقد اغتر بكلامه هذا بعض إخواننا السلفيين في بعض الأقطار , فلذلك وجب التنبيه عليه.
ومن الغريب أن يخفى مثل هذا النص على ابن القيم رحمه الله مع وروده في الموطأ , وصحيح مسلم , وغيرهما من الأصول التي ذكرنا , ولكن لعل الغرابة تزول إذا تذكرنا أنه الف الكتاب الزاد في حال بعده عن الكتب وهو مسافر , وهذا هو السبب في وجود كثير من الأخطاء الأخرى فيه , وقد بينت ما ظهر لي منها في التعليقات الجياد على زاد المعاد).
ومما يحمل على الاستغراب أيضاً أن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله صرح في بعض كتبه بخلاف ما قال ابن القيم رحمه الله , فكيف خفي عليه ذلك وهو أعرف الناس به وبأقواله؟.
قال شيخ الإسلام في مجموعة الرسائل والمسائل بعد أن ساق الحديث : (الجمع على ثلاث درجات‏:‏ أما إذا كان سائراً في وقت الأولى‏:‏ فإنما ينزل في وقت الثانية‏.‏ فهذا هو الجمع الذي ثبت في الصحيحين من حديث أنس وابن عمر، وهو نظير جمع مزدلفة‏.‏ وأما إذا كان وقت الثانية سائراً أو راكباً، فجمع في وقت الأولى، فهذا نظير الجمع بعرفة، وقد روى ذلك في السنن [يعني حديث معاذ هذا] , وأما إذا كان نازلا في وقتهما جميعاً نزولا مستمرا، فهذا ما علمت روى ما يستدل به عليه إلا حديث معاذ هذا‏.‏ فإن ظاهره أنه كان نازلاً في خيمة في السفر، وأنه أخر الظهر ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل إلى بيته، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً‏.‏ فإن الدخول والخروج إنما يكون في المنزل‏.‏ وأما السائر فلا يقال‏:‏ دخل وخرج، بل نزل وركب‏.‏ وتبوك هي آخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يسافر بعدها إلا حجة الوداع‏.‏ وما نقل أنه جمع فيها إلا بعرفة ومزدلفة، وأما بمنى فلم ينقل أحد أنه جمع هناك؛ بل نقلوا أنه كان يقصر الصلاة هناك، وهـذا دليـل على أنـه كان يجمـع أحياناً في السفـر وأحياناً لا يجمـع ـ وهـو الأغلب على أسفاره ـ‏:‏ أنه لم يكن يجمع بينهما‏.
‏ وهذا يبين أن الجمع ليس من سنة السفر، كالقصر بل يفعل للحاجة، سواء كان في السفر أو الحضر، فإنه قد جمع ـ أيضاً ـ في الحضر لئلا يحرج أمته‏.‏ فالمسافر إذا احتاج إلى الجمع جمع، سواء كان ذلك لسيره وقت الثانية، أو وقت الأولى وشق النزول عليه، أو كان مع نزوله لحاجة أخري، مثل أن يحتاج إلى النوم والاستراحة وقت الظهر، ووقت العشاء، فينزل وقت الظهر وهو تعبان، سهران، جائع، محتاج إلى راحة وأكل ونوم، فيؤخر الظهر إلى وقت العصر ثم يحتاج أن يقدم العشاء مع المغرب وينام بعد ذلك ليستيقظ نصف الليل لسفره، فهذا ونحوه يباح له الجمع‏.‏
وأما النازل أياماً في قرية أو مصر ـ وهو في ذلك المصر ـ فهذا ـ وإن كان يقصر لأنه مسافر ـ فلا يجمع، كما أنه لا يصلي على الراحلة ولا يصلي بالتيمم، ولا يأكل الميتة‏.‏ فهذه الأمور أبيحت للحاجة، ولا حاجة به إلى ذلك، بخلاف القصر فإنه سنة صلاة السفر‏.‏

مشروعية التكبير جهراً في الطريق إلى المصلى يوم العيد



171- (كان صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر فيكبر حتى يأتي المصلى ، وحتى يقضي الصلاة ، فإذا قضى الصلاة ؛ قطع التكبير).
وفي هذا الحديث دليل على مشروعية ما جرى عليه عمل المسلمين من التكبير جهراً في الطريق إلى المصلى , وإن كان كثير منهم بدؤوا يتساهلون بهذه السنة , حتى كادت أن تصبح في خبر كان , وذلك لضعف الوازع الديني منهم , وخجلهم من الصدع بالسنة والجهر بها , ومن المؤسف أن فيهم من يتولى إرشاد الناس وتعليمهم , فكأن الإرشاد عندهم محصور بتعليم الناس ما يعلمون , وأما ما هم بأمس الحاجة إلى معرفته , فذلك مما لا يلتفتون إليه , بل يعتبرون البحث فيه والتذكر به قولاً وعملاً من الأمور التافهة التي لا يحسن العناية بها عملاً وتعليماً , فإن لله وإنا إليه راجعون .
ومما يحسن التذكير به بهذه المناسبة : أن الجهر بالتكبير هنا لا يشرع فيه الاجتماع عليه بصوت واحد كما يفعله البعض , وكذلك كل ذكر يشرع فيه رفع الصوت أو لا يشرع ’ فلا يشرع فيه الاجتماع المذكور , ومثله الأذان من الجماعة المعروف في دمشق (بأذان الجوق) , وكثيراً ما يكون هذا الاجتماع سبباً لقطع الكلمة أو الجملة في مكان لا يجوز الوقف عنده , مثل : (لا إله) في تهليل فرض الصبح والمغرب كما سمعنا ذلك مراراً.
فلنكن في حذر من ذلك , ولنذكر دائماً قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (وخير الهدي هدي محمد).

الصلاة قبل اصفرار الشمس



200- (نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَّا وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ).
رواه أبوداود , والنسائي , و أبويعلى , وابن حبان , وابن الجارود , والبيهقي , والطيالسي , وأحمد , والمحاملي , والضياء : عن هلال بن يساف عن وهب بن الأجدع عن علي رضي الله عنه مرفوعاً.
قال ابن حزم sadوهب بن الأجدع تابع ثقة مشهور , وسائر الرواة أشهر من أن يسأل عنهم , وهذه زيادة عدل لا يجوز تركها). وصرح ابن حزم في مكان آخر بصحة هذا عن علي رضي الله عنه ولا شك في ذلك , أما البيهقي فقد حاد عن الجادة حين قال : (ووهب أبن الأجدع ليس من شرطهما).
قلت : وهل من شرط صحة الحديث أن يكون علي شرط الشيخين ؟ أو ليس قد صححا أحاديث كثيرة خارج كتابيهما وليست علي شرطهما ؟ ثم قال : (وهذا حديث واحد وما مضى في النهي عنهما ممتد إلي غروب الشمس حديث عدد ؟ فهو أولى أن يكون محفوظاً).
قلت : كلاهما محفوظ وإن كان ما رواه العدد أقوى , ولكن ليس من أصول أهل العلم رد الحديث القوي لمجرد مخالفته ظاهرة لما هو أقوى منه مع إمكان الجمع بينهما , وهو كذلك هنا فإن هذا الحديث مقيد للأحاديث التي أشار إليها البيهقي كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (و َلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ) متفق عليه.
فهذا مطلق يقيده حديث علي رضي الله عنه وإلى هذا أشار ابن حزم بقوله المتقدم : (وهذه زيادة عدل لا يجوز تركها).
ثم قال البيهقي : (وقد روي عن على رضي الله عنه ما يخالف هذا , وروي ما يوافقه) , ثم ساق حديث سفيان قال أخبرني أبواسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه قال : (كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي ركعتين في دبر كل صلاة مكتوبة إلا الفجر والعصر).
قلت : وهذا لا يخالف الحديث الأول إطلاقاً , لأنه إنما ينفي أن يكون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلي ركعتين بعد صلاة العصر , والحديث الأول لا يثبت ذلك حتى يعارض بهذا , وغاية ما فيه أنه يدل على جواز الصلاة بعد العصر إلى ما قبل اصفرار الشمس , وليس يلزم أن يفعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كل ما أثبت جوازه بالدليل الشرعي كما هو ظاهر.
نعم , قد ثبت عن أم سلمة وعائشة رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى ركعتين سنة الظهر البعدية بعد صلاة العصر , وقالت عائشة : أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ داوم عليها بعد ذلك , فهذا يعارض حديث علي الثاني , والجمع بينهما سهل , فكل حدث بما علم , ومن علم حجة على من لم يعلم , ويظهر أن علياً رضي الله عنه علم فيما بعد من بعض الصحابة ما نفاه في هذا الحديث , فقد ثبت عنه صلاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد العصر.
وذلك قول البيهقي : (وأما الذي يوافقه ففيما أخبرنا ...).
ثم ساق من طريق شعبة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة قال : (كنا مع علي رضي الله عنه في سفر , فصلي بنا العصر ركعتين , ثم دخل فسطاطه وأنا أنظر , فصلى ركعتين).
ففي هذا أن علياً رضي الله عنه عمل بما دل عليه حديثه الأول من الجواز.
وروى أبن حزم عن بلال مؤذن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال sadلم ينه عن الصلاة , إلا عند غروب الشمس).
قلت : وأسناده صحيح , وهو شاهد قوي لحديث علي رضي الله عنه.
وأما الركعتان بعد العصر , فقد روى ابن حزم القول بمشروعيتهما عن جماعة من الصحابة , فمن شاء فليرجع إليه .
وما دل عليه الحديث من جواز الصلاة ولو نفلاً بعد صلاة العصر وقبل اصفرار الشمس هو الذي ينبغي الاعتماد عليه في هذه المسألة التي كثرت الأقوال فيها , وهو الذي ذهب إليه ابن حزم تبعاً لابن عمر رضي الله عنه كما ذكره الحافظ العراقي وغيره , فلا تكن ممن تغره الكثرة , إذا كانت على خلاف السنة.
ثم وجدت للحديث طريقاً أخرى عن علي رضي الله عنه بلفظ : (لا تصلوا بعد العصر , إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة) , أخرجه ألامام أحمد واسناده جيد.
توقيع :أبو محمد عبدالحميد الأثري

27-11-2011 10:16 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [11]
أبو محمد عبدالحميد الأثري
المشرف العام - وفقه الله تعالى
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-02-2011
المشاركات : 3141
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif عون الودود لتيسير مافي السلسلة الصحيحة من الفوائد والردود من المجلد الاول الى السادس
جواز الركوع دون الصف ثم المشي إليه



229- (إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع ؛ فليركع حين يدخل ، ثم يدب راكعا حتى يدخل في الصف ؛ فإن ذلك السنة).
ومما يشهد لصحته عمل الصحابة به من بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , منهم أبوبكر الصديق , وزيد بن ثابت , وعبدالله بن مسعود , وعبدالله بن الزبير.
1- روى البيهقي عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام : أن أبابكر الصديق وزيد بن ثابت دخلا المسجد والإمام راكع , فركعا , ثم دبا وهما راكعان حتى لحقا بالصف.
2- عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه رأى زيد بن ثابت دخل المسجد والإمام راكع , فمشى حتى أمكنه أن يصل الصف وهو راكع , كبر فركع , ثم دب وهو راكع حتى وصل الصف.
3- عن زيد بن وهب قال : خرجت مع عبدالله – يعني ابن مسعود – من داره إلى المسجد , فلما توسطنا المسجد , ركع الإمام , فكبر عبدالله وركع وركعت معه , ثم مشينا راكعين حتى انتهينا إلى الصف حين رفع القوم رؤوسهم , فلما قضى الإمام الصلاة , قمت وأنا أرى أني لم أدرك , فأخذ عبدالله بيدي وأجلسني , ثم قال : أنك قد أدركت.
4- عن عثمان بن الأسود قال : دخلت أنا وعبدالله بن تميم المسجد , فركع الإمام , فركعت أنا وهو ومشينا راكعين حتى دخلنا الصف , فلما قضينا الصلاة , قال لي عمرو : الذي صنعت آنفاَ ممن سمعته ؟ قلت من مجاهد , قال : قد رأيت ابن الزبير فعله.
والآثار في ذلك كثيرة , فمن شاء الزيادة , فليراجع المصنفين.
وهذه الآثار تدل على شيء آخر غير ما دل الحديث عليه , وهو أن من أدرك الركوع من الإمام , فقد أدرك الركعة , وقد ثبت ذلك من قول ابن مسعود وابن عمر بإسنادين صحيحين عنهما , وقد خرجتهما في إرواء الغليل , وفيه حديث حسن مرفوع عن أبي هريرة خرجته أيضاً هناك , فلا تغتر بنشرة تخالفه.
وأما ما رواه البخاري في جزء القراءة عن معقل بن مالك قال : ثنا أبو عوانة عن محمد بن إسحاق عن عبدالرحمن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال (إذا أدركت القوم ركوعاً , لم تعتد بتلك الركعة) , فإنه مع مخالفته لتلك الآثار ضعيف الإسناد , من أجل معقل هذا فأنه لم يوثقه غير أبن حبان.
نعم رواه البخاري من طريق أخرى عن ابن إسحاق قال : حدثني الأعرج به لكنه بلفظ : (لا يجزيك إلا أن تدرك الإمام قائماً) , وهذا إسناد حسن , وهذا لا يخالف الآثار المتقدمة , بل يوافقها في الظاهر , إلا أنه يشترط إدراك الإمام قائماً , وهذا من عند أبي هريرة , ولا نرى له وجهاً , والذين خالفوه أفقه منه وأكثر , ورضي الله عنهم جميعاً.
فإن قيل : هناك حديث آخر صحيح يخالف بظاهره هذا الحديث وهو:

230- (زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ).
رواه أبوداود , والطحاوي , وأحمد , والبيهقي , وابن حزم من حديث أَبَي بَكْرَةَ : أنه جَاءَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ قَالَ أَيُّكُمْ الَّذِي رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ أَنَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فذكره).
والقصد من ذكره هنا أن ظاهره يدل على أنه لا يجوز الركوع دون الصف ثم المشي إليه , على خلاف ما دل عليه الحديث السابق , فكيف التوفيق بينهما؟
فأقول : إن هذا الحديث لا يدل على ما ذكر إلا بطريق الاستنباط لا النص , فإن قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (لا تعد) , يحتمل أنه نهاه عن كل ما ثبت أنه فعله في هذه الحادثة , وقد تبين لنا بعد التتبع أنها تتضمن ثلاثة أمور:
الأول : اعتداده بالركعة التي إنما أدرك منها ركوعها فقط.
الثاني : إسراعه في المشي , كما في رواية لآحمد من طريق أخرى عن أَبِي بَكْرَةَ أنه : جَاءَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاكِعٌ فَسَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَ نَعْلِ أَبِي بَكْرَةَ وَهُوَ يَحْضُرُ [أي يعدو] يُرِيدُ أَنْ يُدْرِكَ الرَّكْعَةَ فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ السَّاعِي قَالَ أَبُو بَكْرَةَ أَنَا قَالَ : (فذكره) , وأسناده حسن في المتابعات , وقد رواه أبن السكن في صحيحه نحوه , وفيه قوله : (ان انطلقت أسعى ...) , وأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : (من الساعي ...) ، ويشهد لهذه الرواية رواية الطحاوي من الطريق الأول بلفظ (جئت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ راكع , وقد حفزني النفس , فركعت دون الصف ...) الحديث وأسناده صحيح , فإن قوله : ( حفزني النفس) , معناه : اشتد ، من الحفز وهو الحث والإعجال , وذلك كناية عن العدو.
الثالث : ركوعه دون الصف , ثم مشيه إليه.
وإذا تبين لنا ما سبق , فهل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (لا تعد) نهي عن الأمور الثلاثة جميعها أم عن بعضها ؟ ذلك ما أريد البحث فيه وتحقيق الكلام عليه فأقول:
أما الأمر الأول , فالظاهر أنه لا يدخل في النهي , لانه لو كان نهاه عنه , لأمره بإعادة الصلاة , لكونها خداجاً ناقصة الركعة , فإذا لم يأمره بذلك , دل على صحتها , وعلى عدم شمول النهي الاعتداد بالركعة بإدرك ركوعها.
وقول الصنعاني في سبل السلام : (لعله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يأمره لأنه كان جاهلاً للحكم والجهل عذر) فبعيد جداً إذ قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمسيء صلاته بإعادتها ثلاث مرات , مع أنه كان جاهلاً أيضاً فكيف يأمره بالإعادة وهو لم يفوت ركعة من صلاته , وإنما الاطمئنان فيها , لا يأمر أبا بكرة بإعادة الصلاة , وقد فوت على نفسه ركعة , لو كانت لا تدرك بالركوع ؟ ثم كيف يعقل أن يكون ذلك منهياً , وقد فعله كبار الصحابة , كما تقدم في الحديث الذي قبله ؟ فلذلك , فإننا نقطع أن هذا الأمر الأول لا يدخل في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (لا تعد).
وأما الأمر الثاني , فلا نشك في دخوله في النهي , لما سبق ذكره من الرويات , ولأنه لا معارض له , بل هناك ما يشهد له وهو حديث أبي هريرة مرفوعاً : (إِذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ والوقار) , متفق عليه.
وأما الأمر الثالث , فهو موضع نظر وتأمل , وذلك لأن ظاهر رواية أبي داود هذه (أَيُّكُمْ الَّذِي رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ) , مع قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له (لا تعد) , يدل بإطلاقه على أنه قد يشمل هذا الأمر , وإن كان ليس نصاً في ذلك , لاحتمال أنه يعني شيئاً آخر غير هذا مما فعل , وليس يعني نهيه عن كل ما فعل , بدليل أنه لم يعن الأمر الأول كما سبق تقريره , فكذلك يحتمل أنه لم يعن هذا الأمر الثالث أيضاً.
وهذا وإن كان خلاف الظاهر , فإن العلماء كثيراً ما يضطرون لترك ما دل عليه ظاهر النص لمخالفته لنص آخر هو في دلالته نص قاطع , مثل ترك مفهوم النص لمنطوق نص آخر , وترك العام للخاص , ونحو ذلك.
وأنا أرى أن ما نحن فيه الآن من هذا القبيل , فإن ظاهر هذا الحديث من حيث شموله للركوع دون الصف مخالف لخصوص ما دل عليه حديث عبدالله بن الزبير دلالة صريحة قاطعة , وإذا كان الأمر كذلك , فلا بد حينئذ من ترجيح أحد الدليلين على الآخر , ولا يشك عالم أن النص الصريح أرجح عند التعارض من دلالة ظاهر نص ما , لأن هذا دلالته على وجه الاحتمال , بخلاف الذي قبله , وقد ذكروا في وجوه الترجيح بين الأحاديث أن يكون الحكم الذي تضمنه أحد الحديثين منطوقاً به , وما تضمنه الحديث الآخر يكون محتملاً , ومما لا شك فيه أيضاً أن دلالة هذا الحديث في هذه المسألة ليست قاطعة , بل محتملة , بخلاف دلالة حديث ابن الزبير المتقدم , فإن دلالته عليها قاطعة , فكان ذلك من أسباب ترجيحه على هذا الحديث.
وثمة أسباب أخرى تؤكد الترجيح المذكور:
أولاً : خطبة ابن الزبير بحديثه على المنبر في أكبر جمع يخطب عليهم في المسجد الحرام , وإعلانه عليه أن ذلك من السنة دون أن يعارضه أحد.
ثانياً : عمل كبار الصحابة به , كأبي بكر وابن مسعود وزيد بن ثابت – كما تقدم – وغيرهم , فذلك من المرجحات المعروفة في علم الأصول , بخلاف هذا الحديث , فإننا لا نعلم أن أحداً من الصحابة قال بما دل عليه ظاهره في هذه المسألة , فكان ذلك كله دليلاً قوياً على أن دلالته فيها مرجوحة , وأن حديث ابن الزبير هو الراجح في الدلالة عليها , والله أعلم.
وقد قال الصنعاني بعد قول ابن جريج في عقب هذا الحديث : (وقد رأيت عطاء يصنع ذلك).
قال الصنعاني : (قلت : وكأنه مبني على أن لفظ : [ولاتعد] بضم المثناة الفوقية من الإعادة , أي : زادك الله حرصاً على طلب الخير , ولا تعد صلاتك , فإنها صحيحة , وروي بسكون العين المهملة من العدو , وتؤيده رواية ابن السكن من حديث أبي بكرة [ثم ساقها , وقد سبق نحوها من رواية أحمد , مع الإشارة إلى رواية ابن السكن هذه , ثم قال] والأقرب أن رواية : [ولاتعد] , من العود , أي : لا تعد ساعياً إلى الدخول قبل وصولك الصف , فإنه ليس في الكلام ما يشير بفساد صلاته حتى يفتيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن لا يعيدها , بل قوله: [زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا] , يشعر بإجزائها , أو : [لاتعد] , من [العدو]).
قلت : لو صح هذا اللفظ لكانت دلالة الحديث حينئذ خاصة في النهي عن الإسراع , ولما دخل فيه الركوع خارج الصف , ولم يوجد بالتالي أي تعارض بينه وبين حديث ابن الزبير , ولكن الظاهر أن هذا اللفظ لم يثبت فقد وقع في صحيح البخاري وغيره باللفظ المشهور : [لا تعد].
قال الحافظ في الفتح : (ضبطناه في جميع الرويات بفتح أوله وضم العين من العود).
ثم ذكر هذا اللفظ , ولكنه رجح ما في البخاري , فراجعه إن شئت.
ويتلخص مما تقدم أن هذا النهي لا يشمل الاعتداد بالركعة ولا الركوع دون الصف , وإنما هو خاص بالإسراع , لمنافاته للسكينة والوقار , كما تقدم التصريح بذلك من حديث أبي هريرة , وبهذا فسره الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : (قوله : [لاتعد] يشبه قوله : [لا تأتوا الصلاة تسعون]).
فإن قيل قد ورد ما يؤيد شمول الحديث للأسراع , ويخالف حديث ابن الزبير صراحة وهو حديث أبي هريرة مرفوعا : (إذا أتى أحدكم الصلاة , فلا يركع دون الصف , حتى يأخذ مكانه من الصف).
قلنا لكنه حديث معلول بعلة خفية , وليس هذا مكان بيانها فراجع سلسلة الأحاديث الضعيفة رقم 981 .
ثم أن الحديث ترجم له أبن خزيمة بقوله sadباب الرخصة في ركوع المأموم قبل اتصاله بالصف ودبيبه راكعاً حتي يتصل بالصف في ركوعه).
ثم وجدت ما يؤيد هذه الترجمة من قول راوي الحديث نفسه , أبي بكرة الثقفي رضي الله عنه , كما يؤكد أن النهي فيه : [لاتعد] , لا يعني الركوع دون الصف , والمشي إليه , ولا يشمل الاعتداد بالركعة , فقد روى علي بن حجر في حديثه , حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني : حدثنا حميد , عن القاسم بن ربيعة , عن أبي بكرة – رجل كانت له صحبة – أنه (كان يخرج من بيته فيجد الناس قد ركعوا , فيركع معهم , ثم يدرج راكعاً حتى يدخل في الصف و ثم يعتد بها) , قلت وهذا إسناد صحيح , وفيه حجة قوية أن المقصود بالنهي إنما هو الإسراع في المشي , لأن راوي الحديث أدرى بمرويه من غيره , ولا سيما إذا كان هو المخاطب بالنهي , فخذها , فإنها عزيزة قد لا تجدها في المطولات من كتب الحديث والتخريج وبالله التوفيق.

سنة الجمعة والمغرب القبليتان



232- (ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان).
أخرجه عباس الترقفي , وابن نصر , والروياني , وابن حبان , والطبراني , وابن عدي , والدارقطني , من طريقين عن ثابت بن عجلان عن سليم بن عامر عن عبدالله بن الزبير مرفوعاً.
وقد استدل بالحديث بعض المتأخرين على مشروعية صلاة سنة الجمعة القبلية , وهو استدلال باطل , لأنه قد ثبت في البخاري وغيره أنه لم يكن في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الجمعة سوى الأذان الأول والإقامة , وبينهما الخطبة , كما فصلته في رسالتي الأجوبة النافعة , ولذلك قال البوصيري في الزوائد وقد ذكر حديث عبدالله هذا , وأنه أحسن ما يستدل به لسنة الجمعة المزعومة قال : (وهذا متعذر في صلاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنه كان بين الأذان والإقامة الخطبة , فلا صلاة حينئذ بينهما).
وكل ما ورد من الأحاديث في صلاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سنة الجمعة القبلية لا يصح منها شئ البتة , وبعضها أشد ضعفاً من بعض , كما بينه الزيلعي في نصب الراية , وابن حجر في الفتح , وغيرهما , وتكلمت على بعضها في الرسالة المشار إليها , وفي سلسلة الأحاديث الضعيفة.
والحق أن الحديث إنما يدل على مشروعية الصلاة بين يدي كل صلاة مكتوبة ثبت أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يفعل ذلك أو أمر به أو أقره , كصلاة المغرب , فقد صح فيها الأمر والإقرار , وفي ثبوت فعله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نظر , كما يأتي.
أما الأمر , فهو في حديث صريح من رواية عبدالله المزني : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى قبل المغرب ركعتين , ثم قال:

233- (صلوا قبل المغرب ركعتين . ثم قال في الثالثة: لمن شاء ؛ خاف أن يحسبها الناس سنة).
أخرجه ابن نصر في قيام الليل : حدثني عبدالوارث بن عبدالصمد بن عبدالوارث بن سعيد : ثني أبي : ثنا حسين عن ابن بريدة أن عبدالله بن مغفل المزني رضي الله عنه حدثه به.
فهذا الحديث صحيح دون الفعل , فهو شاذ كما كنت حققته في الضعيفة , ثم في تمام المنة.
وفي هذا الحديث دليل على أن أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الوجوب حتى يقوم دليل الإباحة , وكذلك نهيه على التحريم إلا ما يعرف إباحته , كذا في شرح السنة للبغوي.
ومعنى قوله : قبل المغرب , أي صلاة المغرب بعد غروب الشمس , فهو في ذلك كالحديث الذي قبله , وبهذا ترجم له ابن حبان , وبه عمل كبار الأصحاب الكرام , كما في الحديث التالي.
وأما تقريره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهاتين الركعتين , فهو في الحديث الآتي:

234 - (كان المؤذن يؤذن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة المغرب ، فيبتدر لباب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم السواري ؛ يصلون الركعتين قبل المغرب ، حتى يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يصلون ، [فيجيء الغريب فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليها] ، [وكان بين الأذان والإقامة يسيرا]).
وفي هذا الحديث نص صريح على مشروعية الركعتين قبل صلاة المغرب , لتسابق كبار الصحابة عليهما , وإقرار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهم على ذلك , ويؤيده عموم الحديثين قبله , وإلى استحبابهما ذهب الإمام أحمد وإسحاق وأصحاب الحديث , ومن خالفهم – كالحنفية وغيرهم – لا حجة لديهم تستحق النظر فيها , سوى ما روى شعبة عن أبي شعيب عن طاوس قال : (سئل ابن عمر عن الركعتين قبل المغرب ؟ فقال : ما رأيت أحداً على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصليهما) , والقلب لا يطمئن لصحة هذا الأثر عن ابن عمر , وقد أشار الحافظ لتضعيفه , فإن صح فرواية أنس المثبتة مقدمة على نفيه كما قال البيهقي ثم الحافظ وغيرهما.
ويؤيده أن ابن النصر روى (أن رجلاً سأل ابن عمر فقال : ممن أنت ؟ قال : من أهل الكوفة , قال : من الذين يحافظون على ركعتي الضحي ؟ فقال : وأنتم تحافظون على الركعتين قبل المغرب ؟ فقال ابن عمر : كنا نحدث أن أبواب السماء تفتح عند كل أذان).
قلت : فهذا نص من ابن عمر على مشروعية الركعتين , على خلاف ما أفاده ذلك الحديث الضعيف عنه , ولكن هذا النص قد حذف المقريزي إسناده كما هو الغالب عليه في كتاب قيام الليل , فلم يتسن لي الحكم عليه بشئ من الصحة أو الضعف.
ومن الطرايف أن يرد بعض المقلدين هذه الدلالات الصريحة على مشروعية الركعتين قبل المغرب , فلا يقول بذلك , ثم يذهب إلى سنية صلاة السنة القبلية يوم الجمعة , ويستدل عليه بحديث ابن الزبير وعبدالله بن مغفل , يستدل بعمومها , مع أن هذا الدليل نفسه يدل أيضاً على ما نفاه من مشروعية الركعتين , مع وجود الفارق الكبير بين المسألتين , فالأولى قد تأيدت بجريان العمل بها في عهده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإقراره , وبأمره الخاص بها , بخلاف الأخرى , فإنها لم تتأيد بشئ من ذلك , بل ثبت أنه لم يكن هناك مكان لها يومئذ , فهل من معتبر؟
توقيع :أبو محمد عبدالحميد الأثري

27-11-2011 10:16 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [12]
أبو محمد عبدالحميد الأثري
المشرف العام - وفقه الله تعالى
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-02-2011
المشاركات : 3141
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif عون الودود لتيسير مافي السلسلة الصحيحة من الفوائد والردود من المجلد الاول الى السادس
جواز الصلاة بعد العصر إذا كانت الشمس مرتفعة



314- (لا تصلوا عند طلوع الشمس ، ولا عند غروبها ؛ فإنها تطلع وتغرب على قرن شيطان ، وصلوا بين ذلك ما شئتم).
وللحديث شاهد من حديث علي مرفوعاً بلفظ : (لا تصلوا بعد العصر , إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة) , وإسناده صحيح.
وفي هذين الحديثين دليل على أن ما اشتهر في كتب الفقه من المنع عن الصلاة بعد العصر مطلقاً – ولو كانت الشمس مرتفعة نقية – مخالف لصريح هذين الحديثين , وحجتهم في ذلك الأحاديث المعروفة في النهي عن الصلاة بعد العصر مطلقاً , غير أن الحديثين المذكورين يقيدان تلك الأحاديث , فاعلمه.

الاقتصار على التسليمة الواحدة في الصلاة



316 – (كان يُسَـلمُ تسلمية واحدة).
وهذا الحديث من أصح الأحاديث التي وردت في التسلمية الواحدة في الصلاة ، وقد ساق البيهقي قسماً منها ، ولا تخلو أسانيدها من ضعف ، ولكنها في الجملة تشهد لهذا ، وقال البيهقي عَـقِبَها : (ورُوي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم سلموا تسليمة واحدة ، وهو من الاختلاف المباح ، والاقتصار على الجائز).
وذكر نحوه الترمذي عن الصحابة ، ثم قال : (قال الشافعي : إن شاء سلَّم تسليمة واحدة ، وإن شاء سلَّم تسليمتين).
قلتُ : التسليمة الواحدة فَرْض لا بدَّ منه ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : (. . . وتحليلها التسليم) ، والتسليمتان سنة ، ويجوز ترك الأخرى أحياناً لهذا الحديث.
ولقد كان هديه صلى الله عليه وسلم في الخروج من الصلاة على وجوه:
الأول : الاقتصار على التسليمة الواحدة ؛ كما سبق.
الثاني : أن يقول عن يمينه : "السلام عليكم ورحمة الله" ، وعن يساره : "السلام عليكم".
الثالث : مثل الذي قبله إلا أنه يزيد في الثانية أيضاً : "ورحمة الله".
الرابع : مثل الذي قبله إلا أنه يزيد في التسليمة الأولى : "وبركاته".
وكل ذلك ثبت في الأحاديث ، وقد ذكرتُ مُخرجيها في "صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم" ، فمن شاء راجعه.

لَا غِرَارَ فِي صَلَاة وَلَا تَسْلِيم



318 – (لَا غِرَارَ فِي صَلَاة وَلَا تَسْلِيم).
أخرجه أبو داود , والحاكم , كلاهما عن الإمام أحمد , والطحاوي من طريق عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي مَالِك الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ به , زاد أبوداود : (قَالَ أَحْمَدُ يَعْنِي فِيمَا أَرَى أَنْ لَا تُسَلِّمَ وَلَا يُسَلَّمَ عَلَيْكَ وَيُغَرِّرُ الرَّجُلُ بِصَلَاتِهِ فَيَنْصَرِفُ وَهُوَ فِيهَا شَاكٌّ).
ثم روى أحمد عن سفيان قال : (سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ سَأَلْتُ أَبَا عَمْرو الشَّيْبَانِيَّ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا إِغْرَارَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ إِنَّمَا هُوَ لَا غِرَارَ فِي الصَّلَاةِ وَمَعْنَى غِرَار يَقُولُ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ عَلَى الْيَقِينِ وَالْكَمَالِ).
وقال الحاكم : (صحيح على شرط مسلم) , ووفقه الذهبي , وهو كما قالا.
قال ابن الأثير في النهاية : (الغرار : النقصان , وغرار النوم : قلته , ويريد بغرار الصلاة : نقصان هيآتها وأركانها , وغرار التسليم : أن يقول المجيب : وعليك , ولا يقول السلام , وقيل : أراد بالغرار النوم , أي ليس في الصلاة نوم.
والتسليم يروى بالنصب والجر , فمن جره , كان معطوفاً على الصلاة كما تقدم , ومن نصب , كان معطوفاً على الغرار , ويكون المعنى : لا نقص ولا تسليم في صلاة , لأن الكلام في الصلاة بغير كلامها لا يجوز).
قلت : ومن الوضح أن تفسير الإمام أحمد المتقدم , إنما هو على رواية النصب , فإذا صحت هذه الرواية , فلا ينبغي تفسير غرار التسليم بحيث يشمل تسليم غير المصلي على المصلي , كما هو ظاهر كلام الإمام أحمد , وإنما يقتصر فيه على تسليم المصلي على من سلم عليه , فإنهم قد كانوا في أول الأمر يردون السلام في الصلاة , ثم نهاهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وعليه يكون هذا الحديث من الأدلة على ذلك.
وأما حمله على تسليم غير المصلي على المصلي , فليس بصواب , لثبوت تسليم الصحابة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غيرما حديث واحد , دون إنكار منه عليهم , بل أيدهم على ذلك بأن رد السلام عليه بالإشارة , من ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنه قال : ( خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قُبَاءَ يُصَلِّي فِيهِ قَالَ فَجَاءَتْهُ الْأَنْصَارُ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي قَالَ فَقُلْتُ لِبِلَال كَيْفَ رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي قَالَ يَقُولُ هَكَذَا وَبَسَطَ كَفَّهُ وَبَسَطَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْن كَفَّهُ وَجَعَلَ بَطْنَهُ أَسْفَلَ وَجَعَلَ ظَهْرَهُ إِلَى فَوْق ) , أخرجه أبوداود وغيره وهو حديث صحيح.
وقد احتج به الإمام أحمد نفسه , وذهب إلى العمل به , فقال إسحاق بن منصور المروزي في المسائل : (قلت : تسلم على القوم وهم في الصلاة ؟ قال نعم , فذكر قصة بلال حين سأله ابن عمر : كيف كان يرد ؟ قال : كان يشير).

تارك الصلاة فاسق لا تقبل له شهادة ويخشى عليه سوء الخاتمة



333- (إن للإسلام صوى ومنارا كمنار الطريق ؛ منها أن تؤمن بالله ولا تشرك به شيئا ، وإقام الصلاة ، وايتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وأن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم ، وأن تسلم على القوم إذا مررت بهم فمن ترك من ذلك شيئا؛ فقد ترك سهما من الإسلام ، ومن تركهن [كلهن] ، فقد ولى الإسلام ظهره).
الصوى : جمع صوة , وهي أعلام من حجارة منصوبة في الفيافي والمفازة المجهولة , يستدل بها على الطريق وعلى طرفيها , أراد أن للإسلام طرائق وأعلاماً يهتدى بها.
كذا في لسان العرب , عن أبي عمرو بن العلاء.
وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أن ذكر بعد الإيمان أسهما من الإسلام كالصلاة والزكاة : (فمن ترك من ذلك شيئا؛ فقد ترك سهما من الإسلام ، ومن تركهن كلهن ، فقد ولى الإسلام ظهره).
أقول : فهذا نص صريح في أن المسلم لا يخرج من الإسلام بترك شئ من أسهمه ومنها الصلاة , فحسب التارك أنه فاسق لا تقبل له شهادة , ويخشى عليه سوء الخاتمة , وقد تقدم في بحث مفصل في حكم تارك الصلاة , وهو من الأدلة القاطعة على ما ذكرنا , ولذلك حاول بعضهم أن يتنصل من دلالته بمحاولة تضعيفه , وهيهات فحديث صحيح بالحجة والبرهان.
توقيع :أبو محمد عبدالحميد الأثري

27-11-2011 10:17 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [13]
أبو محمد عبدالحميد الأثري
المشرف العام - وفقه الله تعالى
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-02-2011
المشاركات : 3141
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif عون الودود لتيسير مافي السلسلة الصحيحة من الفوائد والردود من المجلد الاول الى السادس
النهي عن الصلاة بين السواري



335 – (كُنَّا نُنْهَى أَنْ نَصُفَّ بَيْنَ السَّوَارِي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُطْرَدُ عَنْهَا طَرْدًا).
قلت : وهذا الحديث نص صريح في ترك الصف بين السواري ، وأن الواجب أن يتقدم أو يتأخر ، إلا عند الاضطرار ؛ كما وقع لهم .
وقد روى ابن القاسم في " المدونة " ( 1 / 106 ) ، والبيهقي ( 3 / 104 ) من
طريق أبي إسحاق عن معدي كرب عن ابن مسعود أنه قال : (لا تصفوا بين السواري).
وقال البيهقي : (وهذا ـ والله أعلم ـ لأن الاسطوانة تحول بينهم وبين وصل الصف).
وقال مالك : (لا بأس بالصفوف بين الأساطين إذا ضاق المسجد).
وفي " المغني " لابن قدامة (2 / 220) : (لا يكره للإمام أن يقف بين السواري ، ويكره للمأمومين ؛ لأنها تقطع صفوفهم ، وكرهه ابن مسعود والنخعي ، وروي عن حذيفة وابن عباس ، ورخص فيه ابن سيرين ومالك وأصحاب الرأي وابن المنذر ؛ لأنه لا دليل على المنع ، ولنا ما روي عن معاوية ابن قرة . . . ولأنها تقطع الصف ، فإن كان الصف صغيراً قدر ما بين الساريتين ؛ لم يكره ؛ لأنه لا ينقطع بها).
وفي "فتح الباري" (1 / 477) : (قال المحب الطبري : كره قوم الصف بين السواري للنهي الوارد في ذلك ، ومحل الكراهة عند عدم الضيق ، والحكمة فيه إما لانقطاع الصف ، أو لأنه موضع النعال .انتهى . وقال القرطبي : روي في سبب كراهة ذلك أنه مصلى الجن المؤمنين).
قلت: وفي حكم السارية المنبر الطويل ذو الدرجات الكثيرة ، فإنه يقطع الصف الأول ، وتارة الثاني أيضاً ؛ قال الغزالي في " الإحياء " (2 / 139) : (إن المنبر يقطع بعض الصفوف ، وإنما الصف الأول الواحد المتصل الذي في فناء المنبر ، وما على طرفيه مقطوع ، وكان الثوري يقول : الصف الأول ، هو الخارج بين يدي المنبر ، وهو متجه ؛ لأنه متصل ، ولأن الجالس فيه يقابل الخطيب ويسمع منه).
قلت: وإنما يقطع المنبر الصف إذا كان مخالفاً لمنبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان له ثلاث درجات ، فلا ينقطع الصف بمثله ، لأن الإمام يقف بجانب الدرجة الدنيا منها ، فكان من شؤم مخالفة السنة في المنبر الوقوع في النهي الذي في هذا الحديث .
ومثل ذلك في قطع الصف المدافىء التي توضع في بعض المساجد وضعاً يترتب منه قطع الصف؛ دون أن ينتبه لهذا المحذور إمام المسجد أو أحد من المصلين فيه؛ لِـبُعْـد الناس أولاً عن التفقه في الدين ، وثانياً لعدم مبالاتهم بالابتعاد عما نهى عنه الشارع وكرهه.
وينبغي أن يُعلَم أن كل من سعى إلى وضع منبر طويل قاطع للصفوف، أو يضع المدفئة التي تقطع الصف ؛ فإنه يخشى أن يلحقه نصيب وافر من قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (. . . ومن قطع صفاً قطعه الله ) ، أخرجه أبو داود بسند صحيح ؛ كما بينته في صحيح أبي داود (رقم 672))

مشروعية الإقعاء



383- (من السنة في الصلاة أن تضع أليتيك على عقبيك بين السجدتين).
أخرجه الطبراني : حدثنا أحمد بن النضر العسكري : حدثنا عبدالرحمن بن عبيدالله الحلبي : نا سفيان بن عيينة عن عبدالكريم عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنه قال : (فذكره).
وأخرج الطبراني عن ابن جريج : أخبرني أبو الزبير أنه سمع طاوساً يقول : (قلت لابن عباس في الإقعاء على القدمين ؟ قال : هي السنة , فقلت إنا لنراه جفاء بالرجل , قال هي سنة نبيك) , وقد أخرجه مسلم وأبوعوانة , والبيهقي من طريق أخرى عن ابن جريج به.
وهذا سند صحيح.
وله طريق أخرى عن ابن عباس رضي الله عنه يرويه ابن إسحاق قال : حدثني – عن انتصاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على عقبيه وصدر قدميه بين السجدتين إذا صلى – عبدالله بن أبي نجيح المكي عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج قال : سمعت عبدالله بن عباس يذكره . قال : فقلت له : يا أباالعباس , والله إن كنا لنعد هذا جفاء ممن صنعه , قال : فقال " إنها سنة " أخرجه البيهقي.
قلت وإسناده حسن.
ثم روى بإسناد آخر صحيح عن أبي زهير معاوية بن حديج قال : (رأيت طاوساً يقعي , فقلت : رأيتك تقعي , قال : ما رأيتني أقعي , ولكنها الصلاة , رأيت العبادلة الثلاثة يفعلون ذلك : عبدالله بن العباس , وعبدالله بن عمر , وعبدالله بن الزبير , يفعلونه , قال أبو زهير : وقد رأيته يقعي).
قلت : ففي الحديث وهذه الآثار دليل على شرعية الإقعاء المذكور , وأنه سنة يتعبد بها , وليست للعذر كما زعم بعض المتعصبة , وكيف يكون كذلك وهؤلاء العبادلة اتفقوا على الإيتان به في صلاتهم , وتبعهم طاوس التابعي الفقه الجليل , وقال الإمام أحمد في "مسائل المروزي" : وأهل مكة يفعلون ذلك.
فكفى بهم سلفاً لمن أراد أن يعمل بهذه السنة ويحييها.
ولا منافاة بينها وبين السنة الأخرى – وهي الافتراش – بل كل سنة , فيفعل تارة هذه , وتارة هذه , اقتداء به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وحتى لا يضيع عليه شئ من هديه عليه الصلاة والسلام.

النائم عن الصلاة أو الناسي لها لا تسقط عنه الصلاة



396- (كان في سفره الذي ناموا فيه حتى طلعت الشمس ، فقال: إنكم كنتم أمواتا فرد الله إليكم أرواحكم ، فمن نام عن صلاة ؛ فليصلها إذا اسيقظ ، ومن نسي صلاة ؛ فليصل إذا ذكر).
وقد جاء معناه هذا الحديث في "الصحيحين" وغيرهما من حديث أنس وغيره من الصحابة , وفي حديثه زيادة : (لا كفارة لها إلا ذلك).
في الحديث دلالة على أن النائم عن الصلاة أو الناسي لها لا تسقط عنه الصلاة , وأنه يجب عليه أن يبادر إلى أدائها فور الاستيقاظ أو التذكر لها.
ودلت زيادة أنس رضي الله على أن ذلك هو الكفارة , وأنه إن لم يفعل فلا يكفره شئ من الأعمال , اللهم إلا التوبة النصوح.
وفي ذلك كله دليل على أن الصلاة التي تعمد صاحبها إخراجها عن وقتها , فلا يكفرها أن يصليها بعد وقتها , لأنه لا عذر له , والله عز وجل يقول (إِنّ الصّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مّوْقُوتاً)النساء103 , وليس هو كالذي نام أو نسيها , فهذا معذور بنص الحديث , ولذلك جعل له كفارة أن يصليها إذا تذكرها , ألست ترى أن هذا المعذور نفسه إذا لم يبادر إلى الصلاة حين التذكر , فلا كفارة له بعد ذلك , لأنه أضاع الوقت الذي شرع الله له أن يتدارك فيه الصلاة الفائتة؟
فإذا كان هذا هو شأن المعذور : أنه لا قضاء له بعد فوات الوقت المشروع له , فمن باب أولى أن يكون المتعمد الذي لم يصل الصلاة في وقتها وهو متذكر لها مكلف بها أن لا يكون له كفارة , وهذا فقه ظاهر لمن تأمله متجرداً عن التأثر بالتقليد ورأي الجمهور.
ومما سبق يتبين خطأ بعض المتأخرين الذين قاسوا المتعمد على الناسي فقالوا : "إذا وجب القضاء على النائم والناسي مع عدم تفريطهما , فوجوبه على العامد المفرط أولى".
مع أن هذا القياس ساقط الاعتبار من أصله , لأنه من باب قياس النقيض على نقيضه , فإن العامد المتذكر ضد الناسي والنائم.
على أن القول بوجوب القضاء على المتعمد ينافي حكمة التوقيت للصلاة الذي هو من شروط صحة الصلاة , فإذا أخل بالشرط , بطل المشروط بداهة.
وقول شيخ الشمال في نشرة له في هذه المسألة : (إن المصلي وجب عليه أمران : الصلاة , وإيقاعها في وقتها , فإن ترك أحد الأمرين , بقي الآخر) , فهذا مما يدل على جهل بالغ في الشرع , فإن الوقت للصلاة ليس فرضاً فحسب , بل وشرط أيضاً , ألا ترى أنه لو صلى قبل الوقت , لم تقبل صلاته باتفاق العلماء.
لكن كلام الشيخ المسكين يدل على أنه قد خرق اتفاقهم بقوله المتقدم , فإنه صريح أنه لو صلى قبل الوقت , فإنه أدى واجباً , وضيع آخر , وهكذا يصدق عليه المثل السائر : "من حفر بئراً لأخيه وقع فيه" فإنه يدندن دائماً حول اتهام أنصار السنة بخرقهم الإجماع أو اتفاق العلماء , فها هو قد خالفهم بقوله المذكور الهزيل , هدانا الله وإياه سواء السبيل.
وبعد فهذه كلمة وجيزة حول هذه المسألة المهمة بمناسبة هذا الحديث الشريف , ومن شاء تفصيل الكلام فيها , فليرجع إلى " كتاب الصلاة " لابن القيم رحمه الله تعالى , فإنه أشبع القول عليها مع التحقيق الدقيق بما لا تجده في كتاب.
واعلم أنه ليس معنى قول أهل العلم المحقيقين – ومنهم العز بن عبدالسلام الشافعي – أنه لا يشرع القضاء على التارك للصلاة عمداً : أنه من باب التهوين لشأن ترك الصلاة , حاشا لله , بل هو على النقيض من ذلك , فإنهم يقولون : إن من خطورة الصلاة وأدائها في وقتها أنه لا يمكن أن يتداركها بعد وقتها إلى الأبد , فلا يكفر ذنب إخراج الصلاة عن وقتها إلا ما يكفر أكبر الذنوب ألا وهو التوبة النصوح.
ولذلك فهم ينصحون من ابتلي بترك الصلاة أن يتوب إلى الله فوراً , وأن يحافظ على أداء الصلاة في أوقاتها مع الجماعة , وأن يكثر من الصلاة النافلة , حتى يعوض بذلك بعض ما فاته من الثواب بتركه للصلاة في الوقت (إِنّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السّـيّئَاتِ) هود 114 , وقد دل على ذلك حديث أبي هريرة : (انظروا هل لعبدي من تطوع فتكملوا به فريضته ؟) , وهو في "صحيح أبي داود.
توقيع :أبو محمد عبدالحميد الأثري

27-11-2011 10:17 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [14]
أبو محمد عبدالحميد الأثري
المشرف العام - وفقه الله تعالى
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-02-2011
المشاركات : 3141
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif عون الودود لتيسير مافي السلسلة الصحيحة من الفوائد والردود من المجلد الاول الى السادس
مشروعية رفع الإمام صوته بالتأمين



464- (كان إذا فرغ من قراءة أم القرآن , رفع صوته وقال : آمين).
في الحديث مشروعية رفع الإمام صوته بالتأمين , وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم من الأئمة , خلافاً للإمام أبي حنيفة وأتباعه , ولا حجة عندهم سوى التمسك بالعمومات القاضية بأن الأصل في الذكر خفض الصوت فيه , وهذا مما لا يفيد في مقابله مثل هذا الحديث الخاص في بابه , كما لا يخفي على أهل العلم الذين أنقذهم الله تبارك وتعالى من الجمود العقلي والتعصب المذهبي.
وأما جهر المتقدين بالتأمين وراء الإمام , فلا نعلم فيه حديثاً مرفوعاً صحيحاً يجب المصير إليه ولذلك بقينا فيه على الأصل الذي سبقت الإشارة إليه , وهذا هو مذهب الإمام الشافعي في "الأم" : أن الإمام يجهر بالتأمين دون المأمومين , وهو أوسط المذاهب في المسألة وأعدلها.
وإني لألاحظ أن الصحابة رضي الله عنهم , لو كانوا يجهرون بالتأمين خلف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لنقله وائل بن حجر وغيره ممن نقل جهره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ به , فدل ذلك على أن الإسرار به من المؤتمين هو السنة , فتأمل.
ثم وقفت على ما حملني على ترجيح جهر المؤتمين أيضاً في بحث أودعته في "الضعيفة" , وبه قال الإمام أحمد في رواية ابنه صالح في مسائله , وكفى به قدوة , وهو مذهب الشافعية كما في "مجموع النووي" والله ولي التوفيق.

جواز الإشارة بالإذن بلفظ التسبيح من الرجل وبالتصفيق من المرأة



497- (إذا استؤذن على الرجل وهو يصلي , فإذنه التسبيح , وإذا استؤذن على المرأة وهي تصلي , فإذنها التصفيق).
وفي الحديث إشارة إلى ضعف الحديث الذي يورده الحنفية بلفظ : (من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه , فليعد صلاته) , فإن هذا الحديث الصحيح صريح في جواز الإشارة بالإذن بلفظ التسبيح من الرجل , وبالتصفيق من المرأة , فكيف لا يجوز ذلك بالإشارة باليد أو الرأس ؟ ولا سيما وقد جاءت أحاديث كثيرة بجواز ذلك , وقد خرجت بعضها في "صحيح أبي داود" وبينت علة الحديث المذكور في الإشارة المفهمة في الأحاديث الضعيفة , ثم في ضعيف أبي داود.

السنة التكبير ثم السجود



604- (كان إذا أراد أن يسجد كبر ثم يسجد ، وإذا قام من القعدة كبر ثم قام).
والحديث نص صريح في أن السنة التكبير ثم السجود , وأنه يكبر وهو قاعد ثم ينهض , ففيه إبطال لما يفعله بعض المقلدين من مد التكبير من القعود إلى القيام.
وفي معناه ما أخرجه البخاري , وأحمد , عَنْ ابْنِ شِهَاب قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِح عَنْ اللَّيْثِ وَلَكَ الْحَمْدُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنْ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ" , وهو مخرج في "صحيح أبي داود".
قلت : فقوله (وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنْ الثِّنْتَيْنِ) , أي : عند ابتداء القيام , وبه فسره الحافظ في الفتح , ويؤيد قوله : ( ثم يقول : سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه ) , فإن هذا لا يمكن تفسيره إلا بذلك , لأنه ورد الاعتدال , وأما قول النووي في " شرح مسلم " : وقوله : " يكبر حين يهوي ساجداً , ثم يكبر " دليل على مقارنة التكبير لهذه الحركات وبسطه عليها , فيبدأ بالتكبير حين يشرع في الانتقال إلى الركوع وغيره حتى يصل حد الراكع ... ويشرع في التكبير للقيام من التشهد الأول حين يشرع في الانتقال , ويمده حتى ينتصب قائماً " .
قال الحافظ عقبه : " ودلالة هذا اللفظ على البسط الذي ذكره غير ظاهرة " .
قلت : وأغرب من ذلك مد بعض الشافعية التكبير حين القيام من السجدة الثانية , وينتصب قائماً فيالركعة الثانية , ويجلس بين ذلك جلسة الاستراحة " وهي سنة " , فتراه يمد التكبير ويمد حتى يكاد ينقطع نفسه قبل الانتصاب , ولا يشك عالم بالسنة أن هذا من البدع .

سنية جهر المقتدين بـآمين وراء الإمام



691-(إن اليهود قوم حسد وإنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على السلام وعلى آمين)
أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه))(1/73/2): ثنا ابوبشر الواسطي: نا خالد- يعني: ابن عبدالله –عن سهيل- وهو ابن أبي صالح- عن أبيه عن عائشة قالت:
((دخل يهودي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السام عليك يا محمد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :وعليك. فقالت عائشة :فهممت أن أتكلم ، فعلمت كراهية النبي صلى الله عليه وسلم لذلك ،فسكت.ثم دخل آخر فقال: السام عليك. فهممت أن أتكلم ،فعلمت كراهية النبي صلى الله عليه وسلم لذلك ،ثم دخل الثالث فقال .السام عليك .فلم أصبر حتى قلت: وعليك السام وغضب الله ولعنته إخوان القردة والخنازير أتحيون رسول الله بما لم يحيه الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :أن الله لا يحب الفحش ولا التفحش،قالوا قولاً فرددنا عليهم ، أن اليهود ...)). ورواه ابونعيم أيضا مختصراً عن انس ، وهو الآتي بعده.
قلت: وهذا إسناد صحيح،ورجاله كلهم ثقات رجال((الصحيح))،و ابوبشر الو اسطي اسمه إسحاق بن شاهين ،وهو من شيوخ البخاري.
والحديث أخرجه ابن ماجه(1/281)من طريق حماد بن سلمة: ثنا سهيل بن أبي صالح به مقتصراً على الجملة المذكورة أعلاه بنحوه. وقال البوصيري في((الزوائد)):
((هذا إسناد صحيح، احتج مسلم بجميع رواته)).
وللحديث طريق آخى يرويه حصين بن عبدالرحمن عن عمرو بن قيس عن محمد بن الأشعث عن عائشة قالت:
(( بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ استأذن رجل من اليهود ...))الحديث بتمامه نحوه وأتم منه: إلا انه لم يذكر الحسد على السلام، ولفظه:
((لا يحسدوننا على شئ كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله وضلوا عنها،وعلى القبلة لتي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام:آمين)).
أخرجه البخاري في((التاريخ))(1/1/22)، والبيهقي(2/56)،واحمد(6/134-135).
وهذا إسناد جيد،رجاله ثقات رجال مسلم، غير محمد بن الأشعث، وقد وثقه ابن حبان، وروى عنه جماعة، وهو تابعي كبير.
وتابعه مجاهد عن محمد بن الأشعث به مختصراً نحو حديث الترجمة.
أخرجه البخاري والبيهقي.
وللترجمة شاهد من حديث أنس بلفظ:

692-(إن اليهود ليحسدونكم على السلام والتأمين).
أخرجه أبو نعيم في((أحاديث مشايخ أبي القاسم الأصم))(35/1)، والخطيب في((التاريخ))(11/43)، والضياء المقدسي في((المختارة))(ق45/1) من طريق إبراهيم بن إسحاق الحربي: حدثنا أبو ظفر: حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:فذكره. وقال المقدسي:
((أبو ظفر اسمه عبدا لسلام بن مطهر بن حسام بن مصك بن ظالم بن شيطان الأزدي البصري،روى عنه البخاري وأبو داود)).
قلت: وبقية رجال الإسناد ثقات،فهو صحيح.
فائدة: في هذا الحديث والذي قبله إشارة قوية إلي سنية جهر المقتدين بـ((آمين))وراء الإمام،لأن الجهر به هو الذي يثير حفيظة اليهود ويحملهم على الحسد،كالجهر بالسلام، كما هو ظاهر.فتأمل.
توقيع :أبو محمد عبدالحميد الأثري

27-11-2011 10:17 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [15]
أبو محمد عبدالحميد الأثري
المشرف العام - وفقه الله تعالى
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-02-2011
المشاركات : 3141
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif عون الودود لتيسير مافي السلسلة الصحيحة من الفوائد والردود من المجلد الاول الى السادس
الفجر فجران



693- (الفجر فجران فجر يحرم فيه الطعام وتحل فيه الصلاة وفجر تحرم فيه الصلاة ويحل فيه الطعام) .
أخرجه ابن خزيمة في(صحيحه))(1/52/2)،وعنه الحاكم(1/425)، والبيهقي(1/377و457و4/216)من طريق أبي احمد الزبيري: ثنا سفيان عن جريج عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:فذكره.وقال بن خزيمة:
(( "لم" يرفعه في الدنيا غير أبي احمد الزبيري)).
وقال الحاكم:
((صحيح الإسناد))،ووافقه الذهبي، وأعله البيهقي بأن غير أبي الزبير رواه عن سفيان الثوري موقوفا، وقال:
((والموقوف أصح)).
قلت: لأن أبا أحمد الزبيري-واسمه محمد بن عبدالله بن الزبير-مع كونه ثقة ثبتاً، فقد نسبوه إلي الخطأ في روايته عن الثوري، لكن للحديث شواهد كثيرة تدل على صحته، منها عن جابر عند الحاكم(1/191)والبيهقي،وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، ومنها عن عبدالرحمن بن عائش وسيأتي برقم(2002).
من فقه الحديث:قال ابن خزيمة:
((في هذا الخبر دلالة على أن الصلاة الفرض لا يجوز أداؤها قبل دخول وقتها)).
قال:
(("فجر يحرم فيه الطعام":يريد على الصائم.(ويحل فيه الصلاة): يريد صلاة الصبح .(وفجر يحرم فيه الصلاة):يريد صلاة الصبح،إذا طلع الفجر الأول يكون بالليل،ولم يرد أنه لا يجوز أن يتطوع بالصلاة بعد الفجر الأول. وقولهsadويحل فيه الطعام):يريد لمن يريد الصيام)).
قلت:ومن تراجم البيهقي لهذا الحديث قوله ((باب إعادة صلاة من افتتحها قبل طلوع الفجر الآخر)).
وفيه تنبيه هام إلي وجوب أداء الصلاة بعد طلوع الفجر الصادق، وهذا ما اخل به المؤذنون في كثير من العواصم- منها عمان-فإن الأذان الموحد فيها يرفع قبل الفجر بنحو نصف ساعة بناء على التوقيت الفلكي، وهو ثابت بالمشاهدة وكذلك في كثير من البلاد الأخرى كدمشق والجزائر والمغرب والكويت والمدينة والطائف .والله المستعان.

مشروعية الدعاء في التشهد الأول



878- (إِذَا قَعَدْتُمْ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَقُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ثم َلْيَتَخَيَّرْ أَحَدُكُمْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ).
أخرجه النسائي(1/174)، وأحمد(1/437)، والطبراني في((المعجم الكبير))(3/55/1)من طريق شعبة قال:أنبأنا ابوأسحاق: أنا أبو الأحوص عن عبدالله قال:
((كنا لا ندري ما نقول في الركعتين؛ غير أن نسبح، ونكبر، ونحمد ربنا، وإن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم علم فواتح الخير وخواتمه، فقالwink_3)فذكره.
قلت وهذا إسناد صحيح متصل على شرط مسلم.
وتابعه إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق: حدثني أبي عن أبي إسحاق:أخبرني أبوالأحوص والأسود بن يزيد وعمرو بن ميمون وأصحاب عبدالله أنهم سمعوه يقول:فذكره.
أخرجه الطبراني: حدثنا عبدالله بن حنبل ومحمد بن عبد الله الحضرمي قالا:نا عبد الله بن محمد بن سالم القزاز: نا إبراهيم.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير القزاز هذا قال الحافظ:
((ثقة ربما خالف))
وفي الحديث فائدة هامة؛ وهي مشروعية الدعاء في التشهد الأول، ولم أر من قال به من الأئمة غير ابن حزم، والصواب معه، وإن كان هو استدل بمطلقات يمكن للمخالفين ردها بنصوص أخرى مقيدة، أما هذا الحديث فهو في نفسه نص واضح مفسر لا يقبل التقليد، فرحم الله امرأً أنصف واتبع السنة.
والحديث دليل من عشرات الأدلة على أن الكتب المذهبية قد فاتها غير قليل من هدى خير البرية صلى الله عليه وسلم؛ فهل ما يجمل المتعصبة على الاهتمام بدراسة السنة، والاستنارة بنورها؟ لعل وعسى.
(تنبيه):وأما حديث:
((كان لا يزيد في الركعتين على التشهد)).
فهو منكر كما حققته في((الضعيفة))(5816).

كتاب الزكاة

لا زكاة على غير المؤمن



142 – (على المؤمنين في صدقة الثمار _ أو مال العقار _ عشر ما سقت العين وما سقت السماء ، وعلى ما يسقى بالغرب نصف العشر).
إنما أوردت هذه الرواية بصورة خاصة , لقوله في صدرها : (على المؤمنين) , ففيه فائدة هامة لا توجد في سائر الروايات , قال البيهقي : (وفيه كالدلالة على أنها لا تؤخذ من أهل الذمة).
قلت : وكيف تؤخذ منهم وهم على شركهم وضلالهم ؟ فالزكاة لا تزكيهم وإنما تزكي المؤمن المزكى من دون الشرك كما قال تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ)التوبة103 , فهذه الآية تدل دلالة ظاهرة على أن الزكاة إنما تؤخذ من المؤمنين , لكن الحديث أصرح منها دلالة على ذلك.
وإن من يدرس السيرة النبوية , وتاريخ الخلفاء الراشدين , وغيرهم من خلفاء المسلمين وملوكهم , يعلم يقيناً أنهم لم يكونوا يأخذون الزكاة من غير المسلمين المواطنين , وإنما كانوا يأخذون منهم الجزية كما ينص عليها الكتاب والسنة.
فمن المؤسف أن ينحرف بعض المتفقهة عن سبيل المؤمنين باسم الإصلاح تارة , والعدالة الاجتماعية تارة , فينكروا ما ثبت في الكتاب والسنة , وجرى عليه عمل المسلمين , بطرق من التأويل أشبه ما تكون بتأويلات الباطنيين من جهة , ومن جهة أخرى يثبتون ما لم يكونوا يعرفون , بل ما جاء النص بنفيه , والأمثلة على ذلك كثيرة وحسبنا الآن هذا المسألة التي دل عليها هذا الحديث وكذا الآية الكريمة.
فقد قرأنا وسمعنا أن بعض الشيوخ اليوم يقولون بجواز أن تأخذ الدولة الزكاة من أغنياء جميع المواطنين , على أختلاف أديانهم , مؤمنهم وكافرهم , ثم توزع على فقرائهم , دون أي تفريق.
ولقد سمعت منذ أسابيع معنى هذا من أحد كبار مشايخ الأزهر في ندوة تلفزونية , كان يتكلم فيها عن الضمان الاجتماعي في الإسلام , ومما ذكره أن الاتحاد القومي في القاهرة سيقوم بجمع الزكاة من جميع أغنياء المواطنين , وتوزيعها على فقرائهم , فقام أحد الحاضرين أمامه في الندوة , وسأله عن المستند في جواز ذلك , فقال : لما عقدنا جلسات الحلقات الاجتماعية , اتخذنا في بعض جلساتها قراراً بجواز ذلك اعتماداً على مذهب من المذاهب الإسلاميه , وهو المذهب الشيعي , وأنا أظن أنه يعني المذهب الزيدي.
وهنا موضع العبرة , لقد أعرض هذا الشيخ ومن رافقه في تلك الجلسة عن دلالة الكتاب والسنة واتفاق السلف على أن الزكاة خاصة بالمؤمنين , واعتمدوا في خلافهم على المذهب الزيدي , وهل يدري القارئ الكريم ما هو السبب في ذلك ؟ ليس هو إلا موافقة بعض الحكام على سياستهم الاجتماعية والاقتصادية , وليتها كانت على منهج إسلامي , إذن لهان الأمر بعض الشئ في هذا الخطأ الجزئئ , ولكنه منهج غير أسلامي , بل هو قائم على تقليد بعض الأوربيين الذين لا دين لهم , والإعراض عن الاستفادة من شريعة الله تعالى التي أنزلها على قلب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لتكون نوراً وهداية للناس في كل زمان ومكان.
فإلى الله المشتكى من علماء السوء والرسوم , الذين يؤيدون الحكام الجائرين بفتاويهم المنحرفة عن جادة الإسلام وسبيل المسلمين , والله عز وجل يقول : (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)النساء115.
هذا وفي الحديث قاعدة فقهية معروفة , وهي أن زكاة الزرع تختلف باختلاف المؤنة والكلفة عليه , فإن كان يسقى بماء السماء والعيون والأنهار , فزكاته العشر , وإن كان يسقى بالدلاء والنواضح الارتوازية ونحوها , فزكاته نصف العشر.
ولا تجب هذه الزكاة في كل ما تنتجه الأرض , ولو كان قليلاً , بل ذلك مقيد بنصاب معروف في السنة , وفي أحاديث معروفة.
توقيع :أبو محمد عبدالحميد الأثري

27-11-2011 10:17 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [16]
أبو محمد عبدالحميد الأثري
المشرف العام - وفقه الله تعالى
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-02-2011
المشاركات : 3141
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif عون الودود لتيسير مافي السلسلة الصحيحة من الفوائد والردود من المجلد الاول الى السادس
كتاب الصيام

فضل المفطر على الصائم في السفر



85- (ارْحَلُوا لِصَاحِبَيْكُمْ اعْمَلُوا لِصَاحِبَيْكُمْ ادنوا فكلا).
رواه أبوبكر بن أبي شيبة في (المصنف) والفريابي في (الصيام) عنه وعن أخيه عثمان بن أبي شيبة , قالا ثنا عمر بن سعد أبو داود عن سفيان عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة , قال:
(أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَعَام وهو بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَقَالَ لِأَبِي بَكْر وَعُمَرَ أَدْنِوا فَكُلَا فَقَالَا إِنَّا صَائِمَانِ فَقَالَ ارْحَلُوا لِصَاحِبَيْكُمْ) , الحديث.
ارْحَلُوا لِصَاحِبَيْكُمْ أي : شدوا الرحل لهما على البعير.
مَرِّ الظَّهْرَانِ : بفتح الميم وتشديد الراء : موضع بقرب مكة , (النهاية).
وكذا أخرجه النسائي , وابن خزيمة , وابن حبان , وقال ابن خزيمة : (فيه دليل على أن للصائم في السفر الفطر بعد مضي بعض النهار).
والغرض من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (ارْحَلُوا لِصَاحِبَيْكُمْ ....) , الإنكار , وبيان أن الأفضل أن يفطرا , ولا يحوجا الناس إلى خدمتهما.
ويبين ذلك ماروى الفريابي (67/1) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : (لا تصم في السفر , فإنهم إذا أكلوا طعاماً قالوا : ارفعوا للصائم , وإذا عملوا عملاً قالوا : اكفلوا للصائم , فيذهبوا بأجرك).
قلت : ففي الحديث توجيه كريم إلى خلق قويم , وهو الاعتماد على النفس , وترك التواكل على الغير أو حملهم على خدمته , ولو لسبب مشروع كالصيام.
أفليس في الحديث إذن رد واضح على أولئك الذين يستغلون علمهم , فيحملون الناس على التسارع في خدمتهم , حتى في حمل نعالهم؟.
ولئن قال بعضهم : لقد كان الصحابة رضي الله عنهم يخدمون رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحسن خدمة , حتى كان فيهم من يحمل نعليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وهو عبد الله بن مسعود.
فجوابنا : نعم , ولكن هل احتجاجهم بهذا لأنفسهم إلا تزكية منهم لها , واعتراف بأنهم ينضرون إليها على أنهم ورثته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في العلم حتى يصح لهم هذا القياس؟.
وآيم الله , لو كان لديهم نص على أنهم الورثة , لم يجز لهم هذا القياس , فهؤلاء أصحابه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المشهود لهم بالخيرية – وخاصة منهم العشرة المبشرون بالجنة – فقد كانوا خدام أنفسهم , ولم يكن واحد منهم يخدم من غيره عشر معشار ما يخدم أولئك المعنيون من تلامذتهم ومريديهم , فكيف وهم لا نص عندهم بذلك , ولذلك فإني أقول : إن هذا القياس فاسد الاعتبار من أصله , هدانا الله تعالى جميعاً سبيل التواضع والرشاد.

جواز إفطار المسافر في رمضان



191- (كَانَ يَصُومُ فِي السَّفَرِ وَيُفْطِرُ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لَا يَدَعُهُمَا يَقُولُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِمَا يَعْنِي الْفَرِيضَةَ).
أخرجه الطحاوي , وأحمد , والبزار , من طريق حامد عن إبراهيم عن علقمة عن أبن مسعود مرفوعا.
قلت وهذا سند جيد وهو علي شرط مسلم , والحديث صحيح قطعا بشقيه : أما قصر الصلاة , ففيه أحاديث كثيرة مشهورة عن جماعة من الصحابة فلا نصيل الكلام بذكرها ، وأما الصوم في السفر , فقد بدرت من الصنعاني في سبل السلام كلمة نفى فيها أن يكون النبي صلي الله عليه وسلم صام في السفر فرضاً فقال : (ثبت عنه صلي الله عليه وسلم أنه لم يتم رباعية في سفر , ولا صام فيه فرضا).
ولهذا توجهة الهمة إلى ذكر بعض الأحاديث التي تدل على خطأ النفي المذكور فأقول : ورد صومه صلي الله عليه وسلم في السفر عن جماعة من الصحابة ، منهم عبدالله بن مسعود ، وعبدالله بن عباس ، وأنس بن مالك , وابوالدرداء.
1- أما حديث ابن مسعود فهو هذا.
2- وأما حديث ابن عباس فقال أبوداود الطيالسي حدثنا سليمان عن سماك عن عكرمة عن ابن مسعود مرفوعا بالشطر الأول منه وسنده حسن.
3- وأما حديث أنس فرواه عنه زياد النميري : حدثني أنس بن مالك قال : (وافق رسول الله صلي الله عليه وسلم رمضان في سفره فصامه , ووفقه رمضان في سفر فأفطره ، رواه البيهقي ، وزياد هذا هو أبن عبدالله النميري البصري ، ضعيف ، يكتب حديثه للشواهد.
4- وأما حديث أبي الدرداء فيرويه الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ إِسْمَعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَرّ شَدِيد حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ) ، أخرجه مسلم.

192- (هِيَ رُخْصَةٌ [يعني : الفطر في السفر] مِنْ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ).
رواه مسلم , والنسائي , والبيهقي , من طريق أَبِي مُرَاوِح عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرو الْأَسْلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (فذكره).
قال مجد الدين ابن تيمية في المنتقى : (وهو قوي الدلالة على فضلية الفطر).
قلت : ووجه الدلالة قوله في الصائم sadفَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ) , أي : لا إثم عليه فإنه يشعر بمرجوحية الصيام كما هو ظاهر , لا سيما مع مقابلته بقوله في الفطر (فحسن) , لكن هذا الظاهر غير مراد عندي , والله أعلم , وذلك لأن رفع الجناح في نص ما عن أمر ما لا يدل إلا على أنه يجوز فعله وأنه لا حرج على فاعله , وأما هل هذا الفعل مما يثاب فاعله أو لا , فشي آخر , لا يمكن أخذه من النص ذاته , بل من نصوص أخرى خارجة عنه , وهذا شئ معروف عند تتبع الأمور التي ورد رفع الجناح عن فاعلها , وهي علي قسمين:
أ- قسم منها يراد بها رفع الحرج فقط , مع استواء الفعل والترك , وهذا هو الغالب , ومن أمثلته قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

193- (خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْفَأْرَة وَالْعَقْرَبُ ُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ).
ومن الواضح أن المراد من رفع الجناح في هذا الحديث هو تجويز القتل , ولا يفهم منه أن القتل مستحب أو واجب أو تركه أولى.
ب- وقسم يراد به رفع الحرج عن الفعل , مع كونه في نفسه مشروعاً له فضلية , بل قد يكون واجباً , وإنما يأتي النص برفع الحرج في هذا القسم دفعاً لوهم أو زعم من قد يظن الحرج في فعله , ومن أمثلة هذا ما روى الزهري عن عروة قال : (سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقُلْتُ لَهَا أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا فَوَاللَّهِ مَا عَلَى أَحَد جُنَاحٌ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَالَتْ بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي إِنَّ هَذِهِ لَوْ كَانَتْ كَمَا أَوَّلْتَهَا عَلَيْهِ كَانَتْ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَطَوَّفَ بِهِمَا وَلَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ الْمُشَلَّلِ فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلَمَّا أَسْلَمُوا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ الْآيَةَ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ لِأَحَد أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا).
إذا تبين هذا , فقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث : (وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ) , لا يدل إلا على رفع الإثم عن الصائم , وليس فيه ما يدل على ترجيح الإفطار على الصيام.
ولكن , إذا كان من المعلوم أن صوم رمضان في السفر عبادة , بدليل صيامه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه , فمن البدهي حينئذ أنه أمر مشروع حسن , وإذا كان كذلك , فإن وصف الإفطار في الحديث بأنه حسن لا يدل على أنه أحسن من الصيام , لأن الصيام أيضاً حسن كما عرفت , وحينئذ , فالحديث لا يدل على أفضلية الفطر المدعاة , بل على أنه والصيام متماثلان.
ويؤكد ذلك حديث حمزة بن عمرو من رواية عائشة رضي الله عنها : أن حمزة بن عمرو الأسلمي سأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : يارسول الله إني رجل أسرد الصوم , فأصوم في السفر ؟ قال:

194- (صم إن شئت ، وأفطر إن شئت).
قلت : فخيره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين الأمرين , ولم يفضل له أحداهما على الآخر , والقصة واحدة , فدل على أن الحديث ليس فيه الأفضلية المذكورة.
ويقابل هذه الدعوى قول الشيخ علي القاري في المرقاة إن الحديث دليل على أفضلية الصوم , ثم تكلف في توجيه ذلك.
والحق أن الحديث يفيد التخيير لا التفضيل , على ما ذكرناه من التفصيل .
نعم , يمكن الاستدلال لتفضيل الإفطار على الصيام بالأحاديث التي تقول : (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ [وفي رواية : كما يحب أن تؤتى عزائمه]).
وهذا لا مناص من القول به , لكن يمكن أن يقيد ذلك بمن لا يتحرج بالقضاء , وليس عليه حرج في الأداء , وإلا عادت الرخصة عليه بخلاف المقصود , فتأمل.
وأما حديث : (من أفطر [يعني في السفر] فرخصة , ومن صام فالصوم أفضل) , فهو حديث شاذ لا يصح , والصواب أنه موقوف على أنس , كما بينته في الأحاديث الضعيفة , ولو صح , لكان نصاً في محل النزاع لا يقبل الخلاف , وهيهات , فلا بد حينئذ من الاجتهاد والاستنباط , وهو يقتضي خلاف ما أطلقه هذا الحديث الموقوف , وهو التفصيل الذي ذكرته , والله الموفق.

جواز تقبيل الصائم لزوجته في رمضان



219- (كَانَ يُقَبِّلُنِي وَهُوَ صَائِمٌ وَأَنَا صَائِمَةٌ : يعني عائشة).
أخرجه أبو داود , وأحمد : من طريقين عن سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ عُثْمَانَ الْقُرَشِيَّ - عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مرفوعاً.
ثم أخرجه أحمد , والنسائي , والطيالسي , والشافعي , والطحاوي , و البيهقي , وأبو يعلى من طريق أخرى عن سعد بن إبراهيم به بلفظ : (أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقَبِّلَنِي فَقُلْتُ إِنِّي صَائِمَةٌ فَقَالَ وَأَنَا صَائِمٌ ثُمَّ قَبَّلَنِي).
وفي هذا الحديث رد للحديث الذي رواه محمد بن الأشعث عن عائشة قالت : (كان لا يمس من وجهي شيئاً وأنا صائمة) , وإسناده ضعيف.
وحديث الباب يدل على جواز تقبيل الصائم لزوجته في رمضان , وقد اختلف العلماء في ذلك على أكثر من أربعة أقوال ’ أرجحها الجواز , على أن يراعى حال المقبل , بحيث إنه إذا كان شاباً يخشى على نفسه أن يقع في الجماع الذي يفسد عليه صومه , امتنع من ذلك , وإلى هذا أشارت السيدة عائشة رضي الله عنها في الرواية الآتية عنها (.. وأيكم يملك إربه) , بل قد روي ذلك عنها صريحاً , فقد أخرج الطحاوي عنها قالت (ربما قبلني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وباشرني وهو صائم , أما أنتم , فلا بأس به للشيخ الكبير الضعيف) , ويؤيده قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (دع ما يريبك إلى مالا يريبك).
ولكن ينبغي أن يعلم أن ذكر الشيخ ليس على سبيل التحديد , بل المراد التمثيل بما هو الغالب على الشيوخ من ضعف الشهوة وإلا , فالضابط في ذلك قوة الشهوة وضعفها , أو ضعف الإرادة وقوتها.
وعلى هذا التفصيل تحمل الروايات المختلفة عن عائشة رضي الله عنها , فإن بعضها صريح عنها في الجواز مطلقاً , كحديثها هذا , لا سيما وقد خرج جواباً على سؤال عمرو بن ميمون لها في بعض الروايات , وقالت (لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) , الأحزاب 21 , وبعضها يدل على الجواز حتى للشاب , لقولها : (وأنا صائمة) , فقد توفي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعمرها 18 سنة.
ومثله ما حدثت به عائشة بنت طلحة أنها كانت عند عائشة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فدخل عليها زوجها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق , وهو صائم , فقالت له عائشة : ما منعك أن تدنو من أهلك فتقبلها وتلاعبها ؟ فقال : أقبلها وأنا صائم ؟ قالت : نعم ، أخرجه مالك وعنه الطحاوي , بسند صحيح.
قال ابن حزم : (عائشة بنت طلحة كانت أجمل نساء أهل زمانها , وكانت أيام عائشة هي وزوجها فتيين في عنفوان الحداثة).
وهذا ومثله محمول على أنها كانت تأمن عليهما , ولهذا قال الحافظ في الفتح بعد أن ذكر هذا الحديث من طريق النسائي : [فقال : وأنا صائم ؟ فقبلني] : (وهذا يؤيد ما قدمناه أن النظر في ذلك لمن لا يتاثر بالمباشرة والتقبيل , لا للتفرقة بين الشاب والشيخ , لأن عائشة كانت شابة نعم لما كان الشاب مظنة لهيجان الشهوة , فرق من فرق.

220- (كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ وَكِانَّ أَمْلَكُكُمْ لِإِرْبِهِ).
ومرادها رضي الله عنها أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان غالباً لهواه , والإرب : هو بفتح الهمزة أو كسرها , قال ابن الأثير : (وله تأويلان : أحدهما : أنه الحاجة , والثاني : أنه أرد به العضو , وعنت به من الأعضاء الذكر خاصة , وهو كناية عن المجامعة).
قال في المرقاة : (وأما ذكر الذكر , فغير ملائم للأنثى , لا سيما في حضور الرجال) , وراجع تمام البحث فيه.
وفي الحديث فائدة أخرى على الحديث الذي قبله , وهي جواز المباشرة من الصائم وهي شئ زائد على القبلة , وقد اختلفوا في المراد منها هنا فقال القاري : (قيل : هي مس الزوج المرأة فيما دون الفرج , وقيل : هي القبلة واللمس باليد).
قلت : ولا شك أن القبلة ليست مرادة بالمباشرة هنا , لأن الواو تفيد المغايرة , فلم يبق إلا أن يكون المراد بها إما القول الأول أو اللمس باليد , والأول هو الأرجح لأمرين:
الأول : حديث عائشة الآخر قالت : (كَانَتْ إحدانا إذا كانت حَائِضًا فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَاشِرَهَا أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا ثُمَّ يُبَاشِرُهَا قَالَتْ وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ؟) .رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
فإن المباشرة هنا هي المباشرة في حديث الصيام , فإن اللفظ واحد , والدلالة واحدة , والرواية واحدة أيضاً.
بل إن هناك ما يؤيد المعنى المذكور , وهو الأمر الآخر , وهو أن السيدة عائشة رضي الله عنها قد فسرت المباشرة بما يدل على هذا المعنى , وهو قولها في رواية عنها:

221- (كَانَ يُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ثَوْبًا يَعْنِي الْفَرْجَ).
وفي هذا الحديث فائدة هامة , وهو تفسير المباشرة , بأنه مس المرأة فيما دون الفرج , فهو يؤيد التفسير الذي سبق نقله عن القاري , وإن كان حكاه بصيغة التمريض [قيل] , فهذا الحديث يدل على أنه قول معتمد , وليس في أدلة الشريعة ما ينافيه , بل قد وجدنا في أقوال السلف ما يزيده قوة , فمنهم راوية الحديث عائشة نفسها رضي الله عنها , فروى الطحاوي بسند عن حكيم بن عقال أنه قال : (سألت عائشة : ما يحرم علي من امرأتي وأنا صائم ؟ قالت فرجها).
توقيع :أبو محمد عبدالحميد الأثري

27-11-2011 10:17 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [17]
أبو محمد عبدالحميد الأثري
المشرف العام - وفقه الله تعالى
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-02-2011
المشاركات : 3141
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif عون الودود لتيسير مافي السلسلة الصحيحة من الفوائد والردود من المجلد الاول الى السادس
الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ مَعَ الْجَمَاعَةِ



224- (الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَالْأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ).
قال الترمذي عقب الحديث : (وَفَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا أَنَّ الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَعُظْمِ النَّاسِ)
وقال الصنعاني في سبل السلام : (فيه دليل على أن يعتبر في ثبوت العيد الموافقة للناس , وأن المنفرد بمعرفة يوم العيد بالرؤية يجب عليه موافقة غيره , ويلزمه حكمهم في الصلاة والإفطار والأضحية).
وذكر معنى هذا ابن القيم رحمه الله في تهذيب السنن وقال : (وقيل : فيه الرد على من يقول : إن من عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل , جاز له أن يصوم ويفطر , دون من لم يعلم , وقيل : إن الشاهد الواحد إذا رأى الهلال , ولم يحكم القاضي بشهادته : أنه لا يكون هذا له صوماً , كما لم يكن للناس).
وقال أبو الحسن السندي في حاشيته على ابن ماجه بعد أن ذكر حديث أبي هريرة عند الترمذي : (والظاهر أن معناه أن هذه الأمور ليس للآحاد فيها دخل وليس لهم التفرد فيها بل الأمر فيها إلى الإمام والجماعة ويجب على الآحاد اتباعهم للإمام والجماعة وعلى هذا فإذا رأى أحد الهلال ورد الإمام شهادته ينبغي أن لا يثبت في حقه شيء من هذه الأمور ويجب عليه أن يتبع الجماعة في ذلك).
قلت : وهذا المعنى هو المتبادر من الحديث , ويؤيده احتجاج عائشة به على مسروق حين امتنع من صيام يوم عرفة , خشية أن يكون يوم النحر , فبينت له أنه لا عبرة برأيه , وأن عليه اتباع الجماعة , فقالت : (النحر يوم ينحر الناس , والفطر يوم يفطر الناس).
قلت : وهذا هو اللأئق بالشريعة السمحة التي من غاياتها تجميع الناس وتوحيد صفوفهم , وإبعادهم عن كل ما يفرق جمعهم من الأراء الفردية , فلا تعتبر الشريعة رأي الفرد – ولو كان صواباً من وجهة نظره – في عبادة جماعية كالصوم والتعييد وصلاة الجماعة , ألا ترى أن الصحابة رضي الله عنهم كان يصلي بعضهم وراء بعض وفيهم من يرى أن مس المرأة والعضو وخروج الدم من نواقض الوضوء , ومنهم من لا يرى ذلك , ومنهم من يتم في السفر , ومنهم من يقصر , فلم يكن اختلافهم هذا وغيره ليمنعهم من الاجتماع في الصلاة وراء الإمام الواحد , والاعتداد بها , وذلك لعلمهم بأن التفرق في الدين شر من الاختلاف في بعض الآراء , ولقد بلغ الأمر ببعضهم في عدم الاعتداد بالرأى المخالف لرأي الإمام الأعظم في المجتمع الأكبر - كمنى – إلى حد ترك العمل برأيه إطلاقاً في ذلك المجتمع , فراراً مما قد ينتج من الشر بسبب العمل برأيه , فروى أبو داوود ( أن عثمان رضي الله عنه صلى بمنى أربعاً فقال عبدالله بن مسعود منكراً عليه : صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين , ومع أبي بكر ركعتين , ومع عمر ركعتين , ومع عثمان صدراً من إمارته ثم أتمها , ثم تفرقت بكم الطرق , فلوددت أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين , ثم إن ابن مسعود صلى أربعاً فقيل له عبت على عثمان ثم صليت أربعاً ؟ قال الخلاف شر ) وسنده صحيح.
وروى أحمد نحو هذا عن أبي ذر رضي الله عنهم أجمعين.
فليتأمل في هذا الحديث وفي الأثر المذكور أولئك الذين لا يزالون يتفرقون في صلواتهم , ولا يقتدون ببعض أئمة المساجد , وخاصة في صلاة الوتر في رمضان بحجة كونهم على خلاف مذهبهم , وبعض أولئك الذين يدعون العلم بالفلك ممن يصوم وحده ويفطر وحده متقدماً أو متأخراً على جماعة المسلمين , معتداً برأيه وعلمه , غير مبال بالخروج عنهم.
فليتأمل هؤلاء جميعاً فيما ذكرناه من العلم , لعلهم يجدون شفاء لما في نفوسهم من جهل وغرور , فيكونون صفاً واحداً مع إخوانهم المسلمين , فإن يد الله على الجماعة.

النهي عن صوم السبت مطلقاً إلا في الفرض



225- (صِيَامَ يَوْمِ السَّبْتِ لَا لَكِ وَلَا عَلَيْكِ).
أخرجه أحمد : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ وَرْدَانَ عَنْ عُبَيْد الْأَعْرَجِ قَالَ حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتَغَدَّى وَذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ فَقَالَ تَعَالَيْ فَكُلِي فَقَالَتْ إِنِّي صَائِمَةٌ فَقَالَ لَهَا صُمْتِ أَمْسِ فَقَالَتْ لَا قَالَ فَكُلِي فَإِنَّ صِيَامَ يَوْمِ السَّبْتِ لَا لَكِ وَلَا عَلَيْكِ.
والحديث ظاهره النهي عن صوم السبت مطلقاً إلا في الفرض , وقد ذهب إليه قوم من أهل العلم كما حكاه الطحاوي , وهو صريح في النهي عن صومه مفرداً , ولا أرى فرقاً بين صومه – ولو صادف يوم عرفة أو غيره من الأيام المفضلة – وبين صوم يوم من أيام العيد إذا صادف يوم الاثنين أو الخميس , لعموم النهي , وهذا قول الجمهور فيما يتعلق بالعيد , كما في المحلى , وبسط القول في هذه المسألة لا مجال له الآن , فإلى مناسبة أخرى إن شاء الله تعالى.

أَنَا أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِ اللَّهِ



328 – (مَا بَالُ رِجَال بَلَغَهُمْ عَنِّي أَمْرٌ تَرَخَّصْتُ فِيهِ فَكَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ فَوَاللَّهِ لَأَنَا أَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً)
رواه البخاري , ومسلم , وأحمد , من حديث عَائِشَةَ قَالَتْ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرًا فَتَرَخَّصَ فِيهِ فَبَلَغَ ذَلِكَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَأَنَّهُمْ كَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ : (فذكره).
قلت : والأمر الذي ترخص فيه رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو التقبيل في الصيام , خلافاً لما قد يتبادر لبعض الأذهان , والدليل الحديث الآتي:

329 – (أَنَا أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِ اللَّهِ).
رواه أحمد : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار عَنْ رَجُل مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَّ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَ عَطَاءً أَنَّهُ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَمَرَ امْرَأَتَهُ فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَأَخْبَرَتْهُ امْرَأَتُهُ فَقَالَ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرَخَّصُ لَهُ فِي أَشْيَاءَ فَارْجِعِي إِلَيْهِ فَقُولِي لَهُ فَرَجَعَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ قَالَ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرَخَّصُ لَهُ فِي أَشْيَاءَ فَقَالَ (فذكره).
قلت : وهذا سند صحيح متصل.

الصوم والصدقة عن الوالد المسلم



484- (أَمَّا أَبُوكَ فَلَوْ كَانَ أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ فَصُمْتَ وَتَصَدَّقْتَ عَنْهُ نَفَعَهُ ذَلِكَ).
أخرجه الإمام أحمد حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ : "أَنَّ الْعَاصَ بْنَ وَائِل نَذَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَنْحَرَ مِائَةَ بَدَنَة وَأَنَّ هِشَامَ بْنَ الْعَاصِي نَحَرَ حِصَّتَهُ خَمْسِينَ بَدَنَةً وَأَنَّ عَمْرًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : (فذكره).
والحديث دليل واضح على أن الصدقة والصوم تلحق الوالد ومثله الوالدة بعد موتهما إذا كانا مسلمين , ويصل إليهما ثوابها بدون وصية منهما , ولما كان الولد من سعي الوالدين , فهو داخل في عموم قوله تعالى : (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)النجم39 , فلا داعي إلى تخصيص هذا العموم بالحديث وما ورد في معناه في الباب , مما أورده المجد ابن تيمية في " المنتقى " كما فعل البعض.
واعلم أن الأحاديث التي ساقها في الباب هي خاصة بالأب أو الأم من الولد فالاستدلال بها على وصول ثواب القرب إلى جميع الموتى كما ترجم لها المجد ابن تيمية بقوله " باب وصول ثواب القرب المهداة إلى الموتى " غير صحيح لأن الدعوى أعم من الدليل , ولم يأت دليل يدل دلالة عامة على انتفاع عموم الموتى من عموم أعمال الخير التي تهدى إليهم من الأحياء , اللهم إلا في أمور خاصة ذكرها الشوكاني في نيل الأوطار , ثم الكاتب في كتابه "أحكام الجنائز وبدعها" , وقد يسر الله – والحمد لله – طبعه , من ذلك الدعاء للموتى , فإنه ينفعهم إذا استجابه الله تبارك وتعالى , فاحفظ هذا تنج من الإفراط والتفريط في هذه المسألة.
وخلاصة ذلك أن للولد أن يتصدق ويصوم ويحج ويعتمر ويقرأ القرآن عن والديه , لأنه من سعيهما , وليس له ذلك عن غيرهما , إلا ما خصه الدليل مما سبقت الإشارة إليه , والله أعلم.
توقيع :أبو محمد عبدالحميد الأثري

27-11-2011 10:17 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [18]
أبو محمد عبدالحميد الأثري
المشرف العام - وفقه الله تعالى
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-02-2011
المشاركات : 3141
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif عون الودود لتيسير مافي السلسلة الصحيحة من الفوائد والردود من المجلد الاول الى السادس
كتاب الحج

توسيع الكعبة وفتح باب آخر لها



43- (يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك [وليس عندي من النفقة ما يقوي على بناءه] , [لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله و] لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض [ثم لبنيتها على أساس إبراهيم] وجعلت لها بابين [موضوعين في الأرض] بابا شرقيا [يدخل الناس منه] وبابا غربيا [يخرجون منه] وزدت فيها ستة أذرع من الحجر [وفي رواية: ولأدخلت فيها الحجر] فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة [فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه فأراها قريبا من سبعة أذرع] وفي رواية عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجدر [أي : الحجر] أمن البيت هو ؟ قال: نعم قلت: فلم لم يدخلوه في البيت ؟ قال [إن قومك قصرت بهم النفقة] قلت فما شأن بابه مرتفعا قال [فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا [وفي رواية: تعززا أن لا يدخلها إلامن أرادوا فكان الرجل إذا أراد أن يدخلها يدعونه يرتقي حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط] ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أدخل الجدر في البيت وأن ألزق بابه بالأرض] , [فلما ملك ابن الزبير هدمها وجعل لها بابين] [وفي رواية: فذلك الذي حمل ابن الزبير على هدمه قال يزيد بن رومان: وقد شهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه وأدخل فيه الحجر وقد رأيت أساس إبراهيم عليه السلام حجارة متلاحمة كأسنمة الإبل متلاحكة).
يدل هذا الحديث على أمرين:
الأول : أن القيام بالإصلاح إذا ترتب عليه مفسدة أكبر منه , وجب تأجيله , ومنه أخذ الفقهاء قاعدتهم المشهورة (دفع المفسدة قبل جلب المصلحة).
الثاني : أن الكعبة المشرفة بحاجة الآن إلى الإصلاحات التي تضمنها الحديث , لزوال السبب الذي من أجله ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك , وهو أن تنفر قلوب من كان حديث عهد بشرك في عهده صلى الله عليه وسلم , وقد نقل ابن بطال عن بعض العلماء (أن النفرة التي خشيها صلى الله عليه وسلم : أن ينسبوه إلى الانفراد بالفخر دونهم).
ويمكن حصر تلك الإصلاحات فيما يلي:
1- توسيع الكعبة وبناؤها على أساس إبراهيم عليه الصلاة والسلام , وذلك بضم نحو ستة أذرع من الحجر.
2- تسوية أرضها بأرض الحرم.
3- فتح باب آخر لها من الجهة الغربية.
4- جعل البابين منخفضين مع الإرض لتنضيم وتيسير الدخول إليها والخروج منها لكل من شاء.
ولقد كان عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما قد قام بتحقيق هذا الإصلاح بكامله إبان حكمه في مكة , ولكن السياسة الجائرة أعادت الكعبة بعده إلى وضعها السابق.
وهاك تفصيل ذلك كما رواه مسلم وأبونعيم بسندهما الصحيح عن عطاء قال:
(لَمَّا احْتَرَقَ الْبَيْتُ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ حِينَ غَزَاهَا أَهْلُ الشَّامِ , فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَان , َ تَرَكَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ حَتَّى قَدِمَ النَّاسُ الْمَوْسِمَ ، يُرِيدُ أَنْ يُجَرِّئَهُمْ أَوْ " يُحَرِّبَهُمْ "عَلَى أَهْلِ الشَّامِ , فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ ، قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الْكَعْبَةِ ، أَنْقُضُهَا ثُمَّ أَبْنِي بِنَاءَهَا أَوْ أُصْلِحُ مَا وَهَى مِنْهَا ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاس فَإِنِّي قَدْ فُرِقَ لِي رَأْيٌ فِيهَا أَرَى أَنْ تُصْلِحَ مَا وَهَى مِنْهَا وَتَدَعَ بَيْتًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ ، وَأَحْجَارًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا ، وَبُعِثَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لَوْ كَانَ أَحَدُكُمْ احْتَرَقَ بَيْتُهُ مَا رَضِيَ حَتَّى يُجِدَّهُ ، فَكَيْفَ بَيْتُ رَبِّكُمْ ؟ إِنِّي مُسْتَخِيرٌ رَبِّي ثَلَاثًا ، ثُمَّ عَازِمٌ عَلَى أَمْرِي فَلَمَّا مَضَى الثَّلَاثُ , أَجْمَعَ رَأْيَهُ , عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا ، فَتَحَامَاهُ النَّاسُ أَنْ يَنْزِلَ بِأَوَّلِ النَّاسِ يَصْعَدُ فِيهِ أَمْرٌ مِنْ السَّمَاءِ حَتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ ، فَأَلْقَى مِنْهُ حِجَارَةً ، فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَيْءٌ تَتَابَعُوا فَنَقَضُوهُ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الْأَرْضَ ، فَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً فَسَتَّرَ عَلَيْهَا السُّتُورَ حَتَّى ارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ ، وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (فذكر الحديث بالزيادة الأولى ثم قال) : فَأَنَا الْيَوْمَ أَجِدُ مَا أُنْفِقُ ، وَلَسْتُ أَخَافُ النَّاسَ ، فَزَادَ فِيهِ خَمْسَ أَذْرُع مِنْ الْحِجْرِ ، حَتَّى أَبْدَى أُسًّا نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ، فَبَنَى عَلَيْهِ الْبِنَاءَ ، وَكَانَ طُولُ الْكَعْبَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا ، فَلَمَّا زَادَ فِيهِ ، اسْتَقْصَرَهُ , فَزَادَ فِي طُولِهِ عَشْرَ أَذْرُع ، وَجَعَلَ لَهُ بَابَيْنِ أَحَدُهُمَا يُدْخَلُ مِنْهُ ، وَالْآخَرُ يُخْرَجُ مِنْهُ ، فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ كَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ وَضَعَ الْبِنَاءَ عَلَى أُسّ نَظَرَ إِلَيْهِ الْعُدُولُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ إِنَّا لَسْنَا مِنْ تَلْطِيخِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي شَيْء ، أَمَّا مَا زَادَ فِي طُولِهِ فَأَقِرَّهُ , وَأَمَّا مَا زَادَ فِيهِ مِنْ الْحِجْرِ فَرُدَّهُ إِلَى بِنَائِهِ ، وَسُدَّ الْبَابَ الَّذِي فَتَحَهُ فَنَقَضَهُ وَأَعَادَهُ إِلَى بِنَائِهِ).
ذلك ما فعله الحجاج الظالم بأمر عبد الملك الخاطئ , وما أظن أنه يسوغ له خطأه ندمه فيما بعد , فقد روى مسلم وأبونعيم أيضاً عن عبدالله بن عبيد قال:
(وَفَدَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فِي خِلَافَتِهِ ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ مَا أَظُنُّ أَبَا خُبَيْب يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ مَا كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهَا ، قَالَ الْحَارِثُ بَلَى ، أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْهَا قَالَ سَمِعْتَهَا تَقُولُ مَاذَا ؟ قَالَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (قالت : فذكر الحديث). قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِلْحَارِثِ أَنْتَ سَمِعْتَهَا تَقُولُ هَذَا ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَنَكَتَ سَاعَةً بِعَصَاهُ ثُمَّ قَالَ وَدِدْتُ أَنِّي تَرَكْتُهُ وَمَا تَحَمَّلَ).
وفي رواية لهما عَنْ أَبِي قَزَعَةَ:
(أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ بَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ قَالَ قَاتَلَ اللَّهُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حَيْثُ يَكْذِبُ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ سَمِعْتُهَا تَقُولُ (فذكر الحديث) فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ لَا تَقُلْ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَنَا سَمِعْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تُحَدِّثُ هَذَا قَالَ لَوْ كُنْتُ سَمِعْتُهُ قَبْلَ أَنْ أَهْدِمَهُ لَتَرَكْتُهُ عَلَى مَا بَنَى ابْنُ الزُّبَيْرِ).
أقول : كان عليه أن يتثبت قبل الهدم , فيسأل عن ذلك أهل العلم , إن كان يجوز له الطعن في عبد الله بن الزبير واتهامه بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقد تبين لعبد الملك صدقه رضي الله عنه بمتابعة الحارث إياه , كما تابعه جماعة كثيرة عن عائشة رضي الله عنها , وقد جمعت رواياتهم بعضها إلى بعض في هذا الحديث , فالحديث مستفيض عن عائشة , ولذلك فإني أخشى أن يكون عبد الملك على علم سابق بالحديث قبل أن يهدم البيت , ولكنه تظاهر بأنه لم يسمع به إلا من طريق ابن الزبير , فلما جابهه الحارث بن عبدالله بأنه سمعه من عائشة أيضاً , أظهر الندم على ما فعل , ولات حين مندم.
هذا , وقد بلغنا أن هناك فكرة أو مشروعاً لتوسيع المطاف حول الكعبة , ونقل مقام إبراهيم عليه السلام إلى مكان آخر , فأقترح بهذه المناسبة على المسؤولين أن يبادروا إلى توسيع الكعبة قبل كل شئ , وإعادة بنائها على أساس إبراهيم عليه السلام , تحقيقاً للرغبة النبوية الكريمة المتجلية في هذا الحديث , وإنقاذاً للناس من مشاكل الزحام على باب الكعبة الذي يشاهد في كل عام , ومن سيطرة الحارس على الباب , الذي يمنع من الدخول من شاء ويسمح لمن شاء , من أجل دريهمات معدودات.
قلت : ثم بلغنا أنه تحقق المشروع المذكور , فنقل المقام إلى مكان بعيد عن الكعبة , ولم يبن عليه , وإنما وضع فوقه صندوق بلوري , بحيث يرى المقام من تحته , فلعلهم يحققون أيضاً اقتراحنا هذا , والله الموفق.

من مناسك الحج



239- (إذا رميتم الجمرة , فقد حل لكم كل شئ إلا النساء).
وفي الحديث دلالة ظاهرة على أن الحاج يحلُّ له بالرمي لجمرة العقبة كل محظور من محظورات الإحرام إلا الوطء للنساء ؛ فإنه لا يحل له بالإجماع.
وما دل عليه الحديث عزاه الشوكاني (5 / 60) للحنفية والشافعية والعترة ، والمعروف عن الحنفية أن ذلك لا يحلُّ إلا بعد الرمي والحلق ، واحتج لهم الطحاوي بحديث عمرة عن عائشة المتقدم وهو مثل حديث ابن عباس هذا ، لكن بزيادة (وذبحتم وحلقتم) ، وهو ضعيف ؛ لا حجة فيه ، لا سيما مع مخالفته لحديثها الصحيح (حلّ كل شيء إلا النساء) ، الذي احتجت به على قول عمر (إذا رميتم الجمرة بسبع حصيات ، وذبحتم وحلقتم فقد حلّ لكم كل شيء إلا النساء والطيب) ، الموافق لمذهبهم.
نعم ؛ ذكر ابن عابدين في "حاشيته" على "البحر الرائق" (2 / 373) عن أبي يوسف ما يوافق ما حكاه الشوكاني عن الحنفية ؛ فالظاهر أن في مذهبهم خلافاً ، وقول أبي يوسف هو الصواب ؛ لموافقته للحديث.
ومن الغرائب قول الصنعاني في شرح حديث عائشة الضعيف sadوالظاهر أنه مُجْمَعٌ على حلّ الطيب وغيره ـ إلا الوطء ـ بعد الرمي ، وإن لم يحلق) . فإن هذا وإن كان هو الصواب ؛ فقد خالف فيه عمر وغيره من السلف ، وحكى الخلاف فيه غير واحد من أهل العلم ؛ منهم ابن رشد في "البداية" (1 / 295) ، فأين الإجماع؟!
لكن الصحيح ما أفاده الحديث ، وهو مذهب ابن حزم في "المحلى" (7 / 139) ، وقال : (وهو قول عائشة وابن الزبير وطاوس وعلقمة وخارجة بن زيد بن ثاب).
توقيع :أبو محمد عبدالحميد الأثري

27-11-2011 10:18 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [19]
أبو محمد عبدالحميد الأثري
المشرف العام - وفقه الله تعالى
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-02-2011
المشاركات : 3141
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif عون الودود لتيسير مافي السلسلة الصحيحة من الفوائد والردود من المجلد الاول الى السادس
كتاب المرأة والنكاح وما يتعلق به و تربية الأولاد

من تربية الأطفال



40 – (إِذَا جُنْحُ اللَّيْلِ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذ فَإِذَا ذَهَبَت سَاعَةٌ مِنْ الْعِشَاءِ فَخَلُّوهُمْ).
جنح الليل أي إذا أقبل ظلامه , قال الطيبي (جنح الليل : طائفة منه , وأراد به هنا الطائفة الأولى منه , عند امتداد فحمة العشاء)

استحباب النظر إلى المرأة قبل خطبتها




95- (انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا , يعني : الصغر).
أخرجه مسلم , وسعيد بن منصور , والنسائي , والطحاوي , وابن حبان , والدارقطني , والبيهقي , عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه : (أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً من نساء الأنصار فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا) , والسياق للطحاوي , ولفظ مسلم والبيهقي : (كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا قَالَ لَا قَالَ فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا)
وقد جاء تعليل هذا الأمر في حديث صحيح , وهو :

96- (انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا).
أخرجه سعيد بن منصور , والنسائي , والترمذي , والدارمي , وابن ماجه , والطحاوي , وابن الجارود , والدارقطني , والبيهقي , وأحمد , وابن عساكر , عن بكر بن عبدالله المزني عن المغيرة بن شعبة : (أنه خطب امرأة , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فذكره) , وزاد أحمد والبيهقي : (فأتيتها وعندها أبواها وهي في خدرها , قال : فقلت : إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرني أن أنظر إليها , قال : فسكتا , قال فرفعت الجارية جانب الخدر , فقالت :أخرج عليك إن كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرك أن تنظر , لما نظرت , وإن كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يأمرك أن تنظر , فلا تنظر , قال فنظرت إليها , ثم تزوجتها , فما وقعت عندي امرأة بمنزلتها , ولقد تزوجت سبعين أو بضعاً وسبعين امرأة).
ومعنى : يُؤْدَمَ , أي تدوم المودة .
قلت : ويجوز النظر إليها , ولو لم تعلم أو تشعر به لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

97- (إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا إِذَا كَانَ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا لِخِطْبَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْلَمُ).
وقد عمل بهذا الحديث بعض الصحابة , وهو محمد بن مسلمة الأنصاري , فقال سهل بن أبي حثمة : (رأيت محمد بن مسلمة يطارد بثينة بنت الضحاك – فوق إجار لها – ببصره طرداً شديداً , فقلت : أتفعل هذا وأنت من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : إني سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:

98- (إِذَا أَلْقَي فِي قَلْبِ امْرِئ خِطْبَةَ امْرَأَة فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا).
وما ترجمنا به للحديث قال به أكثر العلماء , ففي فتح الباري : (وقال الجمهور :يجوز أن ينظر اليها إذا أراد ذلك بغير إذنها , وعن مالك رواية : يشترط إذنها , ونقل الطحاوي عن قوم أنه لا يجوز النظر إلى المخطوبة قبل العقد بحال , لأنها حينئذ أجنبية , ورد عليهم بالأحاديث المذكورة.
روى عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن طاوس قال : أردت أن أتزوج امرأة ، فقال لي أبي اذهب فانظر إليها فذهبت فغسلت رأسي وترجلت ولبست من صالح ثيابي , فلما رآني في تلك الهيئة , قال لا تذهب.
قلت : ويجوز له أن ينظر منها إلى أكثر من الوجه والكفين , لإطلاق الأحاديث المتقدمة ولقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

99- (إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ).
والحديث ظاهر الدلالة لما ترجمنا له , وأيده عمل راويه به , وهو الصحابي الجليل جابر بن عبدالله رضي الله عنه , وقد صنع مثله محمد بن مسلمة , كما ذكرناه في الحديث الذي قبله , وكفى بهما حجة.
ولا يضرنا بعد ذلك مذهب من قيد الحديث بالنظر إلى الوجه والكفين فقط , لأنه تقييد للحديث بدون نص مقيد , وتعطيل لفهم الصحابة بدون حجة , لا سيما وقد تأيد بفعل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه , فقال الحافظ في التلخيص : (فائدة روى عبد الرزاق (10352) , وسعيد بن منصور في سننه (520- 521) وابن ابي عمر عن سفيان عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي بن الحنفية : أن عمر خطب إلى علي ابنته أم كلثوم , فذكر له صغرها , [فقيل له : إن ردك فعاوده] , فقال [له علي] : أبعث بها إليك , فإن رضيت فهي امرأتك , فأرسل بها إليه , فكشف عن ساقيها , فقالت لولا أنك أمير المؤمنين لصككت عينك , وهذا يشكل على من قال : إنه لا ينظر غير الوجه والكفين).
قلت : ثم وقفت على إسناده عند عبدالرزاق فتبين أن في القصة انقطاعاً , وأن محمد بن على ليس هو ابن الحنفية , وإنما هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب , أبوجعفر , في بحث أودعته في الضعيفة فراجعه فإنه مهم.
وهذا القول الذي أشار الحافظ إلى استشكاله هو مذهب الحنفية والشافعية , قال ابن القيم في تهذيب السنن : (وقال داود : ينظر إلى سائر جسدها , وعن أحمد ثلاث روايات:
إحداهن : ينظر إلى وجهها ويديها.
والثانية : ينظر ما يظهر غالباً كالرقبة والساقين ونحوهما .
والثالثة : ينظر إليها كلها عورة وغيرها , فإنه نص على أنه يجوز أن ينظر إليها متجردة).
قلت : والرواية الثانية هي الأقرب إلى ظاهر الحديث , وتطبيق الصحابة له , والله أعلم .
وقال ابن قدامة في (المغني) : ( ووجه جواز النظر [إلى] ما يظهر غالباً أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما أذن في النظر إليها من غير علمها , علم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر عادة , إذ لا يمكن إفراد الوجه بالنظر مع مشاركة غيره له في الظهور , ولأنه يظهر غالباً , فأبيح النظر إليه كالوجه , ولأنها امرأة أبيح له النظر إليها بأمر الشارع , فأبيح النظر منها إلى ذلك كذوات المحارم)
ثم وقفت على كتاب (ردود على أباطيل) لفضيلة الشيخ محمد الحامد , فإذا به يقول (ص 43) : ( فالقول بجواز النظر إلى غير الوجه والكفين من المخطوبة باطل لا يقبل).
وهذه جرأة بالغة من مثله ما كنت أترقب صدورها منه , إذ إن المسألة خلافية كما سبق بيانه , ولا يجوز الجزم ببطلان القول المخالف لمذهبه إلا بالإجابة عن حجته ودليله كهذه الأحاديث , وهو لم يصنع شيئاً من ذلك , بل إنه لم يشر إلى الأحاديث أدنى إشارة , فأوهم القراء أن لا دليل لهذا القول أصلاً , والواقع خلافه كما ترى , فإن هذه الأحاديث بإطلاقها تدل على خلاف ما قال فضيلته , كيف لا وهو مخالف لخصوص قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث – 99 - : (مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا)؟ فإن كل ذي فقه يعلم أنه ليس المراد منه الوجه والكفان فقط , ومثله في الدلالة قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث – 97- : (وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْلَمُ) وتأيد ذلك بعمل الصحابة رضي الله عنهم , وهم أعلم بسنته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومنهم محمد بن مسلمة وجابر بن عبدالله , فإن كلاً منهما تخبأ لخطيبته ليرى منها ما يدعوه إلى نكاحها , أفيظن بهما عاقل أنهما تخبأ للنظر إلى الوجه والكفين فقط ؟ ومثل عمر بن الخطاب الذي كشف عن ساقي أم كلثوم بنت علي – إن صح عنه – فهؤلاء ثلاثة من كبار الصحابة – أحدهم الخليفة الراشد – أجازوا النظر إلى أكثر من الوجه والكفين , ولا مخالف لهم من الصحابة فيما أعلم , فلا أدري كيف استجاز مخالفتهم مع هذه الأحاديث الصحيحة ؟ وعهدي بأمثال الشيخ أن يقيموا القيامة على من خالف أحداً من الصحابة اتباعاً للسنة الصحيحة , ولو كانت الرواية عنه لا تثبت , كما فعلوا في عدد ركعات التراويح , ومن عجيب أمر الشيخ – عفا الله عنا وعنه – أنه قال في آخر البحث : قال الله تعالى : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)النساء 59 , فندعو أنفسنا وإياه إلى تحقيق هذه الآية , ورد المسألة إلى السنة بعدما تبينت , والله المستعان , ولا حول ولا قوة إلا بالله.
هذا ومع صحة الأحاديث في هذه المسألة , وقول جماهير العلماء بها – على الخلاف السابق - , فقد أعرض كثير من المسلمين في العصور المتأخرة عن العمل بها , فإنهم لا يسمحون للخاطب بالنظر إلى فتاتهم – ولو في حدود القول الضيق – تورعاً منهم – زعموا – ومن عجائب الورع البارد أن بعضهم يأذن لا بنته بالخروج إلى الشارع سافرة بغير حجاب شرعي , ثم يأبى أن يراها الخاطب في دارها وبين أهلها بثياب الشارع.


وفي مقابل هؤلاء بعض الآباء المستهترين الذين لا يغارون على بناتهم – تقليداً منهم لأسيادهم الأوربيين – فيسمحون للمصور أن يصورهن وهن سافرات سفوراً غير مشروع , والمصور رجل أجنبي عنهم , وقد يكون كافراً , ثم يقدمن صورهن إلى بعض الشبان بزعم أنهم يريدون خطبتهن , ثم ينتهي الأمر على غير خطبة , وتظل صور بناتهم معهم ليتغزلوا بها , وليطفئوا حرارة الشباب بالنظر إليها , ألا فتعساً للآباء الذين لا يغارون , وإنا لله وإنا إليه راجعون.
توقيع :أبو محمد عبدالحميد الأثري

27-11-2011 10:18 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [20]
أبو محمد عبدالحميد الأثري
المشرف العام - وفقه الله تعالى
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-02-2011
المشاركات : 3141
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif عون الودود لتيسير مافي السلسلة الصحيحة من الفوائد والردود من المجلد الاول الى السادس
الزوجة المؤذية ودعاء الحور العين



173- (لَا تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ لَا تُؤْذِيهِ قَاتَلَكِ اللَّهُ فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكَ دَخِيلٌ يُوشِكُ أَنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا).
دَخِيلٌ , أي : ضيف ونزيل , يعني : هو كالضيف عليك , وأنت لست بأهل له حقيقة , وإنما نحن أهله , فيفارقك قريباً , ويلحق بنا.
يُوشِكُ , أي : يقرب , ويسرع , ويكاد.
في الحديث – كما ترى – إنذار للزوجات المؤذيات.

تعليم المرأة الكتابة



178- (ارقيه ، وعلميها حفصة كما علمتيها الكتاب ، وفي رواية الكتابة).
أخرجه الحاكم من طريق : إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان ثنا إسماعيل بن محمد بن سعد أن أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة القرشي حدثه أن رجلا من الأنصار خرجت به نملة فدل على أن الشفاء بنت عبد الله ترقي من النملة فجاءها فسألها أن ترقيه فقالت والله ما رقيت منذ أسلمت فذهب الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بالذي قالت الشفاء فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفاء فقال اعرضي علي فأعرضتها عليه فقال : (فذكر الحديث).
غريب الحديث:
نملة : هي هنا قروح تخرج في الجنب.
رقية النملة : , قال الشوكاني في تفسيرها (هي كلام كانت نساء العرب تستعمله يعلم كل من سمعه أنه كلام لا يضر ولا ينفع . ورقية النملة التي كانت تعرف بينهن أن يقال للعروس تحتفل وتختضب وتكتحل وكل شيء يفتعل غير أن لا تعصي الرجل).
كذا قال , ولا أدري ما مستنده في ذلك , ولا سيما وقد بنى قوله الآتي تعليقاً على قوله صلى الله عليه وسلم : [ألا تعلمين هذه] : (فأراد صلى الله عليه وسلم بهذا المقال تأنيب حفصة والتأديب لها تعريضا لأنه ألقى إليها سرا فأفشته على ما شهد به التنزيل في قوله تعالى [وإذا أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا]التحريم 3 , وليت شعري , ما علاقة الحديث بالتأنيب لإفشاء السر , وهو يقول : (كما علمتيها الكتاب) فهل يصح تشبيه تعليم رقية لا فائدة منها بتعليم الكتابة؟.
وأيضاً فالحديث صريح في أمره صلى الله عليه وسلم للشفاء بترقية الرجل الأنصاري من النملة , وأمره إياها بأن تعلمها لحفصة , فهل فهل يعقل بأن يأمر صلى الله عليه وسلم بهذا الترقية لو كانت باللفظ الذي ذكره الشوكاني بدون أي سند , وهو بلا شك كما قال : كلام لا يضر ولا ينفع , فالنبي صلى الله عليه وسلم أسمى من أن يأمر بمثل هذه الترقية , ولئن كان لفظ رواية أبي دأود يحتمل تأويل الحديث على التأنيب المزعوم , فإن لفظ الحاكم هذا الذي صدرنا به هذا البحث لا يحتمله إطلاقاً , بل هو دليل صريح على بطلان ذلك التأويل بطلاناً بيناً كما هو ظاهر لا يخفى , وكأنه لذلك صدر ابن الأثير في (النهاية) تفسير الشوكاني المذكور لرقية النملة , وعنه نقله الشوكاني , صدره بقوله (قيل) , مشيراً بذلك إلى ضعف ذلك التفسير , وما بناه عليه من تأويل قوله : (ألا تعلمين).
وفي هذا الحديث فوائد كثيرة أهمها اثنتان :
الأولى : مشروعية ترقية المرء لغيره بما لا شرك فيه من الرقى , بخلاف طلب الرقية من غيره , فهو مكروه لحديث : (سبقك بها عكاشة) , وهو معروف مشهور.
والأخرى : مشروعية تعليم المرأة الكتابة , ومن أبواب البخاري في الأداب المفرد : باب الكتابة إلى النساء وجوابهن , ثم روى بسنده الصحيح عن موسى بن عبدالله قال : (حدثتنا عائشة بنت طلحة قالت : قلت لعائشة – وأنا في حجرها , وكان الناس يأتونها من كل مصر , فكان الشيوخ ينتابوني لمكاني منها , وكان الشباب يتأخوني فيهدون إلي , ويكتبون إلي من الأمصار , فأقول لعائشة – ياخالة هذا كتاب فلان وهديته , فتقول لي عائشة : أي بنية , فأجيبيه وأثيبيه , فإن لم يكن عندك ثواب , أعطيتك , فقالت : فتعطيني).
وقال المجد ابن تيمية في منتقى الأخبار عقب الحديث : (وهو دليل على جواز تعلم النساء الكتابة).
وتبعه على ذلك الشيخ عبدالرحمن بن محمود البعلبكي الحنبلي في المطلع , ثم الشوكاني في شرحه وقال : (وأما حديث : [ لا تعلموهن الكتابة , ولا تسكنوهن الغرف , وعلموهن سورة النور) , فالنهي عن تعليم الكتابة في هذا الحديث محمول على من يخشى من تعليمها الفساد).
قلت : وهذا الكلام مردود من وجهين:
الأول : أن الجمع الذي ذكره يشعر أن حديث النهي صحيح , و إلا لما تكلف التوفيق بينه وبين هذا الحديث الصحيح ,وليس كذلك , فإن حديث النهي موضوع كما قال الذهبي , وطرقه كلها واهية جداً , وبيان ذلك في سلسلة الأحاديث الضعيفة , فإذا كان كذلك , فلا حاجة للجمع المذكور , ونحو صنيع الشوكاني هذا قول السخاوي في هذا الحديث الصحيح : (إنه أصح من حديث النهي) , فإنه يوهم أن حديث النهي صحيح أيضاً , أو على الأقل : هو قريب من الصحة.
والآخر : لو كان المراد من حديث النهي من يخشى عليها الفساد من التعليم , لم يكن هنالك فائدة من تخصيص النساء بالنهي , لأن الخشية لا تختص بهن , فكم من رجل كانت الكتابة عليه ضرراً في دينه وخلقه , أفينهى أيضاً الرجال أن يتعلموا الكتابة ؟ بل وعن تعلم القراءة أيضاً , لأنها مثل الكتابة من حيث الخشية.
والحق أن الكتابة والقراءة نعمة من نعم الله تبارك وتعالى على البشر , كما يشير إلى ذلك قوله عز وجل : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَق اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ)العلق1-4 , وهي كسائر النعم التي امتن الله بها عليهم , وأراد منهم استعمالها في طاعته , فإذا وجد فيهم من يستعملها في غير مرضاته , فليس ذلك بالذي يخرجها عن كونها نعمة من نعمه , كنعمة البصر والسمع والكلام وغيرها , فكذلك الكتابة والقراءة , فلا ينبغي للآباء أن يحرموا بناتهم من تعلمها , شريطة العناية بتربيتهن على الأخلاق الإسلامية , كما هو الواجب عليهم بالنسبة لأولادهم الذكور أيضاً , فلا فرق في هذا بين الذكور والإناث.
والأصل في ذلك أن كل ما يجب للذكور وجب للإناث , وما يجوز لهم جاز لهن , ولا فرق , كما يشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم sadإنما النساء شقائق الرجال) , وهو مخرج في صحيح أبي داود , فلا يجوز التفريق إلا بنص يدل عليه , وهو مفقود فيما نحن فيه , بل النص على خلافه , وعلى وفق الأصل , وهو هذا الحديث الصحيح , فتشبث به , ولا ترض به بديلاً , وتصغ إلى من قال:
ما للنساء وللكتابة والعمالة والخطابـة
هذا لنا ولهن منـا أن يبتن على جنابة
فإن فيه هضماً لحق النساء وتحقيراً لهن , وهن كما عرفت شقائق الرجال , نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإنصاف والاعتدال في الأمور كلها.

وجه المرأة ليس بعورة والأفضل والأورع ستره



332 – (لقد رأيتنا نصلي مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة الفجر في مروطنا , وننصرف وما يعرف بعضنا وجوه بعض).
أخرجه أبو يعلي عن عمرة بنت عبدالرحمن أن عائشة قالت : (فذكره).
والحديث في الصحيحين دون ذكر الوجه , ولذلك أوردته , وهي زيادة مفسرة , لا تعارض رواية الصحيحين , فهي مقبولة.
وهو دليل ظاهر على أن وجه المرأة ليس بعورة , والأدلة على ذلك متكاثرة.
ومعنى كونه ليس بعورة : أنه يجوز كشفه , وإلا , فالأفضل والأورع ستره , لا سيما إذا كان جميلاَ , وأما إذا كان مزيناً , فيجب ستره قولاً واحداً , ومن شاء تفصيل هذا الإجمال , فعليه بكتابنا حجاب المرأة المسلمة , فإنه جمع فأوعى , وقد نشر والحمد لله باسم جلباب المرأة المسلمة , مع مقدمة مفيدة وتحقيقات جديدة.

المرأة أحق بولدها ما لم تزوج



368- (المرأة أحق بولدها ما لم تزوج).
أخرجه الدارقطني من طريق المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن أمراة خاصمت زوجها في ولدها , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (فذكره).
قال ابن القيم : (ودلّ الحديث على أنه إذا افترق الأبوانِ، وبينهما ولد، فالأمّ أحقُّ به من الأب ما لم يقم بالأمِّ ما يمنعُ تقديمَها، أو بالولد وصفٌ يقتضي تخييرَه، وهذا ما لا يُعرف فيه نزاعٌ، وقد قضى به خليفةُ رسولِ اللّه صلى الله عليه وسلم على عمر بن الخطاب ....).
وقد أشار بقوله : " ما يمنع تقديمها " : إلى أنه يشترط في الحاضنة أن تكون مسلمة دينه لأن الحاضن عادة حريص على تربية الطفل على دينه , وأن يربى عليه , فيصعب بعد كبره وعقله انتقاله عنه , وقد تغيره عن فطرة الله التي فطر عليها عباده , فلا يراجعها أبداً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (كل مولود يولد على الفطرة , فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) , فلا يؤمن تهويد الحاضن وتنصيره للطفل المسلم.
وأشار بقوله : (أو بالولد وصف يقتضي تخييره) , إلى أن الصبي إذا كان مميزاً , فيخير , ولا يشمله هذا الحديث , لحديث أبي هريرة رضي الله عنه : (أن النبي صلى الله عليه وسلم خير غلاماً بين أبيه وأمه) , وهو حديث صحيح كما بينته في الإرواء.
ومن شاء الاطلاع على الأحكام المستنبطة من هذا الحديث مع البسط والتحقيق , فليرجع إلى كتاب العلامة ابن القيم "زاد المعاد".
توقيع :أبو محمد عبدالحميد الأثري




الكلمات الدلالية
لا يوجد كلمات دلالية ..


 







الساعة الآن 01:51 صباحا