حياكم الله زائرنا الكريم في شبكة الربانيون العلمية، إذا كنت قد اشتركت معنا سابقًا فيمكنك تسجيل الدخول بالضغط هنا، وإذا لم تسجل عضوية من قبل فيمكنك إنشاء حساب جديد بالضغط هنا، تقبل الله منا ومنكم.



أهمية الصدق وضرورته لقيام الدنيا والدين / للعلامة الربيع - زاده الله تعالى توفيقا

أهمية الصدق وضرورته لقيام الدنيا والدين كتبها الشيخ العلامة : ربيع بن هادي عمير المدخلي في 16 / 4 / 1421 من الهجرة ..



19-04-2012 07:51 صباحا
أبو محمد عبدالحميد الأثري
المشرف العام - وفقه الله تعالى
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-02-2011
المشاركات : 3141
قوة السمعة : 10
 offline 
أهمية الصدق وضرورته لقيام الدنيا والدين

كتبها الشيخ العلامة :
ربيع بن هادي عمير المدخلي
في 16 / 4 / 1421 من الهجرة


بسم الله الرحمن الرحيم

أهمية الصدق وضرورته لقيام الدنيا والدين

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.

أما بعد:

فإن خلق الصدق من أعظم مقومات الدين والدنيا فلا تصلح دنيا ولا يقوم دين على الكذب والخيانة والغش.

والصدق والتصديق هو الرباط الوثيق بين الرسل ومن آمن بهم

قال تعالى:
{ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جـزَاءُ الْمُحْسِنِينَ }.

وقال في الكذب والتكذيب :
{ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ْ}

ولمكانة الصدق والتصديق بالحق عند الله وفي الإسلام ولدى العقلاء وذوي الفطر السليمة وآثارهما الطيبة

ولخطورة الكذب والتكذيب بالحق أحببت أن أزجي هذا المقال المستمد من كتاب الله ومن سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن سيرة وواقع بعض الصادقين المصدقين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

والله أسأل أن يعينني ويوفقني للنهوض بكل ما أستطيع من اسداء للنصح والبيان لإخواني المسلمين

وأسأله أن يجعلنا جميعاً من الصادقين الحريصين على التمسك به والثبات عليه وأن يجعلنا جميعاً من المبحبين للحق والمتحرين لاتباعه والمصدقين به.

ولعظمة الصدق ومكانته عند الله وعند المسلمين وعقلاء البشر

وصف الله نفسه بالصدق

فقال:
{ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } .

فهذا ثناء من الله على نفسه بهذا الوصف العظيم فهو صادق في أخباره كلها وفي كلامه كله وفي تشريعاته وفيما قصّه عن الأنبياء وأممهم وفيما قصّه عن بني إسرائيل أنبيائهم ومؤمنيهم وفاسقيهم ومن كفر منهم، وعن تحريفهم لكتاب الله: التوراة والإنجيل واتخاذهم الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله.

وقال تعالى:
{ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا } .

وقال تعالى:
{ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً } .

وقال تعالى:
وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ * ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ } . وقال تعالى: { ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } .

هكذا وصف الله نفسه بهذا الوصف العظيم، الصدق في الأقوال والصدق في الأفعال والصدق في الوعد والصدق في الوعيد.

والصدق في الأخبار عن أنبيائه وأوليائه المؤمنين.

والصدق في الأخبار عن أعدائه الكافرين.

ولقد وصف الله أنبياءه بالصدق، وأيّدهم بالمعجزات والآيات العظيمة برهنة على كمال صدقهم ودحضاً لافتراءات وتكذيب أعدائهم.

ومن أعظم ما أيدهم به إهلاك أعدائهم بالطوفان وبعضهم بالريح الصرصر وبعضهم بالصيحة والرجفة وبعضهم بالخسف وبعضهم بالغرق، مع إنجاء الأنبياء وأتباعهم

فكل هذا من رب العالمين شهادة بصدق أنبيائه وأنهم رسله حقاً، وإهانة لأعدائه وأعدائهم.

وممن وصفهم في القرآن بهذا الوصف: إبراهيم وإسماعيل وإدريس – عليهم الصلاة والسلام -.

قال تعالى:
{ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا } .

وقال تعالى:
{ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا } .

وقال تعالى:
{ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا } .

فالوصف بالصديقيّة بيان لتمكنهم من هذا الوصف وهو الصدق، وأن أقوالهم وأفعالهم ووعودهم وعهودهم قائمة على الصدق.

وكل آية في القرآن الكريم المعجز الذي تحدى به الجنّ والإنس على أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا عن ذلك أعظم برهان على صدق محمد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأنه رسول الله حقاً وخاتم النبيين، وشهادة الله له بأنه خاتم النبيين معجزة عظمى ودلالـة كـبرى على صدقـه – صلوات الله وسلامه عليه -؛ إذ ما ادعى النبوة أحد بعده إلا وفضحه الله وأخزاه وكشف عواره وكذبه.

بل ما كذب عليه أحد في قول نسبه إلى رسالته إلا وفضحه الله وأخزاه ببيان أتباع رسالته الصادقين من محدثين وغيرهم.

قال تعالى – في الثناء عليه وعلى ما جاء به من الحق والصدق- :
{ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ } .

فهذه أعظم منـزلة أوتيها عبد الله ورسوله محمد – صلى الله عليه وسلم -.

وقد وصف الله عباده المؤمنين الذين صدقوا في إيمانهم وأعمالهم وجهادهم وعهودهم:

{ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَءَاتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ }.

وقال تعالى:
{ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً } .

وقال تعالى:
{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } .

وقال تعالى – في مدح فقراء المهاجرين وكل أصحاب محمد صادقون لا فرق بين مهاجر وأنصاري- :

{ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } .

لقد زكى الله أصحاب محمد ه صلى الله عليه وسلم وأثنى عليهم كثيراً في محكم كتابه وأثنى عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم عاطر الثناء في أحاديث كثيرة.

ومن أبرز وأجلى صفاتهم التي وصفوا بها الصدق الذي لا يقوم دين ولا تستقيم دنيا إلا به

فنقل إلينا هؤلاء الصادقون ووراثهم بكل صدق وأمانة كتاب الله المتواتر وسنة رسوله متواترها وآحادها الصحيحة الثابتة بما في ذلك سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهاده وغزواته.

والكتب الصحاح والمصنفات والجوامع والمعاجم وكتب العقائد وغيرها تزخر بهذه النقول،

قد ميّز فيها أئمة الجرح والتعديل الصحيحَ منها من السقيم حتى تكون الأمّة على صراط مستقيم ومنهج قويم وحياة واعية راشدة.

ونقلوا لنا سير الصحابة الكرام ومناقبهم ومحاسنهم التي برزوا فيها على سائر أمم الأنبياء فكانوا بها خير أمة أخرجت للناس، وكتب فضائل الصحابة ومناقبهم وسائر دواوين السنَّة تزخر بذلك.

وقد مرّ بنا في هذا المقال ثناء الله العام عليهم بصفات جليلة ومنها الصدق،

ومقالي هذا لا يتسع لذكر الأخبار الصحيحة بوقائع صدقهم غير أني سأضرب مثلاً بثلاثة منهم تجمعهم حادثة واحدة،

وأبرز هؤلاء الثلاثة ذلكم الصحابي الجليل كعب بن مالك، ذلكم الرجل الذي نجاه الله من النار والنفاق ومن سخط الله وسخط رسوله بالصدق وقصته شهيرة وحديثه مشهور وطويل لا يتسع المقام لسرده هنا

لكني سأختار منه مقاطع تدل على منـزلة هذا الصحابي وأخوانه في هذه الواقعة ويأخذ المسلم منها العبرة والأسوة بهؤلاء الصادقين. ( 1 )عن عبد الله بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك غير أني قد تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحداً تخلف عنه إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً واستقبل عدواً كثيراً فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجههم الذي يريد والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ يريد بذلك الديوان قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب يظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينـزل فيه وحي من الله عز وجل وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئاً وأقول في نفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله صلى اللهم عليه وسلم غادياً والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم فيا ليتني فعلت ثم لم يقدر ذلك لي فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء)). ففي هذا المقطع إشادة ببيعة العقبة ومنـزلتها في نفسه؛ لأنها بما فيها من معان كبيرة تمثل القاعدة المكينة التي قامت عليها هجرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة النبوية وقام عليها نصرة الأنصار وعليها قامت دولة الإسلام وعلى أساسها قام الجهاد وقوة الإسلام والمسلمين ومنها وعنها انبثقت الغزوات والسرايا ثم القضاء على الردّة وانطلاق جيوش الإسلام إلى العالم لتفتح القلوب بنور الإيمان والإسلام وتخرجهم من الظلمات إلى النور فمن هنا أدرك هذا الصحابي الجليل مكانة بيعة العقبة فكان لا يرضى بها بديلاً فهو كما قال: (( وما أحب أن لي بها مشهد بدر )). تحدث عما اكتنف تخلفه عن غزوة تبوك بشجاعة الصادقين بأسلوب واضح مشرق يفيض بالصدق من قلب امتلأ بالإيمان وروح ومشاعر تتدفق بالنـزاهة والصدق الذي لا يعرف مثله لتائب في مثل ذلك الموقف الرهيب الذي ارتكس فيه الجبناء المنافقون فلجأوا إلى الكذب والتمويه بانتحال الأعذار الكاذبة التي سرعان ما فضحهم الله وأخزاهم وأحلهم به دار البوار. (1) لقد صرّح بأنه لم يكن تخلفه ناشئاً عن فقر وعسر ولا عن عجز وضعف فقد كان يشارك فيما سبق غزوة تبوك من غزوات وهو في حال دون حاله في هذه الغزوة قال: )) وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتها في تلك الغزوة)). (2) صرح بالأسباب التي نالت من عزيمته في الجهاد وهي الحر الشديد والسفر البعيد والمفاوز العريضة المهلكة بين المدينة وتبوك والعدد الكثير من روم وعرب يشايعون الروم. وذكر أن رسول الله جلا للناس أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم. (3) وصرح بما لعله أهم أسباب تخلفه وهو طيب الثمار والظلال، ثم قال مصرّحاً بما قد يسعه أخفاؤه ولكن نفسه الصادقة أبت إلا أن يصدع به : (( فأنا إليه أصعر )) أي: أن نفسه مالت إليه ، وهذه منـزلة عظيمة في الصدق قل جدّاً من يرقى إليها. (4) وذكر منازعة نفسه وتردده بين اللحاق بركب رسول الله r وأخوانه المجاهدين وبين قعوده تحت الظلال الوارفة والثمار الطيبة. (5) وذكر ما كان يصيبه في هذا التخلف من آلام الحسرة والحزن بسبب أنه لا يرى له أسوة في التخلف إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء، وهذا من أدلة حياة قلبه وصدق إيمانه. ( 2 ) فقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلاً من تبوك حضرني بثي فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غداً وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي فلما قيل لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادماً زاح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبداً فأجمعت صدقه وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلاً فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله حتى جئت فلما سلمت تَبَسَّم تَبَسُّم المغضب ثم قال: تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك قال: قلت: يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلاً ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله والله ما كان لي عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك فقمت)). وفي هذا المقطع يذكر لنا وضعه الجديد حيث قفل رسول الله r وقد ظفروا بالعزّة والنصر والأجر فماذا استفاد من هذا التخلف ولو كان من أسبابه طيب الظلال والثمار ومن هم أسوته سوى المغموص عليهم في النفاق والضعفاء والمعذورون. فيعتصر قلبه الحي من قسوة الألم والأسى. وفي الوقت نفسه يذكره الشيطان ويملي عليه أنواعاً من الكذب لكن ظلمات الكذب والباطل قد انـزاحت عنه بفضل الله عليه وحسن رعايته له بسبب صدق إيمانه وإخلاصه لله رب العالمين فوفقه لأعظم أسباب النجاة بعد الإيمان وهو الصدق ولا سيما عند الأخطار والأحداث المدلهمّة. قال: ((فلما قيل لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادماً زاح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبداً فأجمعت صدقه وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً)).

وذكر تلك السنَّة العظيمة التي تكاد تنسى أو نسيت عند كثير من المسلمين ألا وهي صلاة ركعتين في المسجد عند قدوم المسلم من سفر. وذكر موقف المعذرين أي المنافقين أنه الكذب والتمويه الباطل مؤكدين كذبهم بالحلف فما يسع رسول الله إلا أن يقبل علاينتهم ويكل سرائرهم إلى الله علام الغيوب الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لكن كعباً – رضي الله عنه – بفقهه وعقله أدرك أن الكذب على رسول الله ولو أكد بالأيمان المغلظة لن ينجيه من سخط الله ثم من سخط رسوله أدرك ذلك ببصيرته النيّرة وعقله الثاقب بعد توفيق الله له فأبى إلا أن يجهر بالحقيقة الناصعة. ( 3 ) قال (( فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل منا قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر قال: فخررت ساجداً وعرفت أن قد جاء فرج قال: فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا فذهب قبل صاحبي مبشرون وركض رجل إلي فرساً وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني فنـزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته والله ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئوني بالتوبة ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام رجل من المهاجرين غيره قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور ويقول: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك قال: فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله فقال: لا بل من عند الله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه كأن وجهه قطعة قمر قال وكنا نعرف ذلك قال: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك بعض مالك فهو خير لك قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر)). لقد جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ليكذبه في العذر ولكن ليقول الحقيقة بملئ فيه؛لأنّه قد زاح عنه الباطل واستقر الحق في أعماق نفسه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماخلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ أي قد اشتريت راحلة الجهاد وأعددت العدة لذلك. فقال كعب: يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلاً ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله ، والله ما كان لي عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك. واعتذر أخوانه مرارة بن الربيع وهلال بن أميّة بمثل عذره الصادق، وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما قال لكعب. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المجتمع المسلم بمقاطعتهم وهجرانهم فنفذوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدقّة بما فيهم أقرب الأقربين إليهم طاعة لله ولرسوله r ويستلبث الوحي وتستمر المقاطعة ويتمادى الابتلاء والإختبار الصعب لمدة خمسين يوماً. وتترامى الأنباء إلى ملك غسان النصراني فيجد في ظنّه فرصة إلى استمالة كعب ودعوته إلى اللحاق به ليكرمه في زعمه ويواسيه فيأبى إيمان كعب بالله ورسوله وتأبى نفسه الأبية من الاستجابة لهذه المحالة الشيطانية ويدرك بأن هذا أيضاًَ من الابتلاء فيسجر برسالة هذا الكافر التنور كما قال – رضي الله عنه – وجاءهم الفرج صباح خمسين ليلة بتوبة الله عليهم وهم كما قال كعب – رضي الله عنه - على الحال التي ذكر الله تعالى قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت وامتلأ أصحاب محمد r بشرى وسروراً بما أفاض الله على إخوانهم من توبة الله عليهم ورضى الله ورسوله عنهم وتسابق المبشرون، منهم من يمشي على رجليه فيستبطئ فيعلو جبل سلع ويرفع صوته مدوى فيسبق صوته راكب الفرس المنافس له الحريص على سبقه فيذهب كعب إلى رسول الله r وفي طريقه يستقبله أصحاب رسول الله فوجاً فوجاً يهنئونه بتوبة الله عليه. ويجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه كالقمر تبرق أساريره من السرور، فيقـول له: أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك. وكيف لا يكون ذلك وقد أنقذه الله بالصدق من هلاك ماحق وقع في أتونه من لاذوا بالكذب والأيمان الفاجرة وقلب الحقائق، الله أكبر إن هذا اليوم خير له من بيعته على الإسلام والنصرة في بيعة العقبة تلك البيعة التي يراها أحب إليه من المشاركة في وقعة بدر. لشدة فرحه بهذه التوبة وشعوره بهذه التوبة وشعوره العميق بهذه النعمة أكّد ذلك بموقف الشاكر لنعمة الله عليه فقال: (( يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله )). ذلك المال المغري الذي كان من أسباب تخلفه عن الجهاد، هذا دليل آخر منه على صدق توبته وجدّه في ذلك. فيقول له رسول الله الرؤوف الرحيم أمسك عليك بعض مالك فماذا صنع؟ لقد انخلع من ماله بالمدينة الذي حبسه عن الغزو في سبيل الله وأبقى سهمه بخيبر ذلك المال البعيد الذي لعله لا دخل له في حبسه. ويدلي بالسبب القوي في نجاته بل هو في نظره السبب الوحيد في إنقاذه من الهلاك الماحق فقال: (( يا رسول الله إن الله إنما أنجاني بالصدق وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقاً ما بقيت )). ويوفقه الله للوفاء بما وعد به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما يراه هو من أركان توبته. قال: (( فوالله ما علمت أن أحداً من المسلمين أبلاه الله أي أنعم عليه في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله r إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني الله به والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله r إلى يومي هذا)). ما أروع الصدق وما أنبل الصادقين وبعداً وسحقاً للكاذبين في أي زمان ومكان كيف لا وهو من أعظم دعائم الكفر والنفاق وأضعف أحواله أن يكون من ركائز النفاق عياذاً بالله منه ومن كل ما يسخط الله تبارك وتعالى ثم يقول متحدثاً عن هذه النعمة التي منّ الله بها عليه. ( 4 ) قال: وقلت: يا رسول الله إن الله إنما أنجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقاً ما بقيت قال: فوالله ما علمت أن أحداً من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني الله به والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي قال: فأنـزل الله عز وجل { وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ } حتى بلغ { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } قال كعب والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا إن الله قال للذين كذبوا حين أنـزل الوحي شر ما قال لأحد وقال الله { سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } )). فهذه عاقبة الأفاكين ولو كان إفكهم تملقاً واعتذاراً ولم يغن عنهم استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً في حياتهم ولا بعد مماتهم قال تعالى: { اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُم } { فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ }. وفي هذا عبرة عظيمة للذين لا يزكون أنفسهم بالتوحيد والإيمان والصدق والأعمال الصالحة وقد يكون في هؤلاء الكذابين المخادعين من يعتقد أن توصله بالكذب والخداع إلى تسامح الرسول عنه والاستغفار له ينجي من بطش الله وإهانة الله له في الدنيا والآخرة، فخيب الله آمالهم وأخزاهم في الدنيا والآخرة. ولم يغن عنهم استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً. هذه حقيقة وضحها القرآن في سورة التوبة وغيرها وأكدها رسول الله بقوله لقريش بطناً بطناً ولأفراد أسرته: (( اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئاً )) فليحذر الكذابون في أي زمان ومكان في إيمانهم وعقائدهم وأقوالهم وشهاداتهم أن يفضي بهم هذا الكذب إلى هوّة الهلاك التي تردى فيها هؤلاء الكذابون. وفيه عبرة وبشرى للصادقين في إيمانهم وإسلامهم وأعمالهم الصالحة وأقوالهم وشهاداتهم بالنجاة من الهلاك كما نجى كعب وأصحابه – رضي الله عنهم – بالصدق في ظرف يدعو فيه الحال ضعاف الإيمان وضعفاء النفوس إلى الكذب قال تعالى: { هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } . مـــن ثمـــــار الصـــــدق وفي الصحيحين عن طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خمس صلوات في اليوم والليلة فقال هل علي غيرهن قال لا إلا أن تطوع وصيام شهر رمضان فقال: هل علي غيره؟ فقـال: لا إلا أن تطوع وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة فقال: هل علي غيرها؟ قال لا إلا أن تطوع قال فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق )). وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك قال: صدق قال فمن خلق السماء قال الله قال: فمن خلق الأرض قال الله قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا. قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا. قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا. قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلاً. قال: صدق. قال: ثم ولى. قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن. فقال النبي صلى اللهم عليه وسلم: (( لئن صدق ليدخلن الجنة )). هذان سائلان عاقلان أنعم الله عليهما بنعمة العقل والفطنة وحسن السؤال ولا سيما الآخر منهما، وقد قيل إنه ضمام بن ثعلبة الهذلي فالأول منهما سأل رسول الله عن شرائع الإسلام فأجابه الرسول بما فرضه الله على العباد من أركان هذا الدين بعد الشهادتين، لأن السائل فيما يبدو كان مسلما فأجابه بأن الإسلام هذه المكتوبات. والسائل يقر بذلك ويلتزمه لأنه يريد أن يعلم هل هناك شيء يجب عليه زائد عما ذكره من هذه الأركان والرسول صلى الله عليه وسلم يقول له لا إلا أن تطوع، فلما فرق له رسول الله بين الواجبات والتطوعات أقسم بالله أنه لا يزيد على تلك الواجبات ولا ينقص منهن فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم - مبشراً له وللأمة بالجزاء العظيم لمن يقوم بهذه الواجبات حق القيام - : (( أفلح إن صدق ))، أي: طابق فعله قوله، وذلك هو الصدق ففلاحه مترتب على صدقه في المقال والفعال وأنعم بذلك. وأما السائل الثاني فكان سؤاله أعمق وأبعد مدى من الأول، قال صاحب التحرير وهو محمد بن إسماعيل الأصفهاني السلفي: (( هذا من حسن سؤال هذا الرجل وملاحة سياقته وترتيبه فإنه سأله أولاً متأكداً من صدق الرسول الذي أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم لدعوتهم إلى الإسلام هل هو صادق أنك مرسل من الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صدق، ثم سأله عن خالق السماء والأرض ومن نصب هذه الجبال لأنه كسائر العرب كانوا يؤمنون بتوحيد الربوبية. فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: الله، الله، الله، في كل ذلك. ثم استثبت من كل ما بلغه رسولُ رسولِ الله إليهم من شرائع الإسلام: الصلاة والزكاة والصيام والرسول يقول: صدق صدق إلخ. فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإجابة عن أسئلته قال الرجل: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن شيئاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لئن صدق ليدخلن الجنَّة. فيا لها من ثمرة عظيمة للصدق، الصدق في الاعتقاد والصدق في القول والصدق في التطبيق بالعمل المشروع المتلقى عن الله ورسوله. فهذه بعض ثمار الصدق يهدون في الحياة الدنيا إلى البر وهو الجامع لكل خصال الخير ويفوزون بالمنازل العالية عند الله تبارك وتعالى ، خالدين في جنات تجري من تحتها الأنهار قد نالوا أعظم مطلوب ، وهو فوق هذه المنازل ألا وهو رضى الله تعالى عنهم ومن ثماره الهداية إلى البر ثم إلى الجنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر ليهدي إلى الجنة ، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً . ومن ثماره الفوز برضى الله ثم الفوز بجنات تجري من تحتها الأنهار ويظهر ويتجلى فيه نفعه، قال تعالى { هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم } . وقي الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُونَ لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ فَيَقُولُ هَلْ رَضِيتُمْ فَيَقُولُونَ وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ فَيَقُولُ أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْء أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا * فهنيئا للصادقين هذا الفوز العظيم والنعيم المقيم والرضى الأبدي والخلود السرمدي. جعلنا الله منهم بمنه وفضله ورحمته إنه رؤوف رحيم جواد كريم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

كتبه الفقير إلى عفو الله ومغفرته
ربيع بن هادي عمير المدخلي
في 16 / 4 / 1421 من الهجرة
توقيع :أبو محمد عبدالحميد الأثري

19-04-2012 07:51 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [1]
أبو محمد عبدالحميد الأثري
المشرف العام - وفقه الله تعالى
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-02-2011
المشاركات : 3141
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif أهمية الصدق وضرورته لقيام الدنيا والدين / للعلامة الربيع - زاده الله تعالى توفيقا
الصدق و ثمرته
----------------
من شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين
ـ رحمه الله تعالي ـ



لجمل كبيرة من الأحاديث الواردة في كتاب : (( رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين)) للإمام النووي ـ رحمه الله تعالي ـ .

قال الله تعالى :
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ )
(التوبة:119)

وقال تعالى :
( وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَات )
(الأحزاب: من الآية35)

وقال تعالى :
( فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ )
(محمد: من الآية21).


==========

الشرح

قال المؤلف رحمه الله تعالي : باب الصدق.

الصدق: معناه مطابقة الخبر للواقع، هذا في الأصل. ويكون في الإخبار ، فإذا أخبرت بشيء وكان خبرك مطابقاً للواقع قيل: إنه صدق،

مثل أن تقول عن هذا اليوم: اليوم يوم الأحد، فهذا خبر صدق؛ لأن اليوم يوم الأحد.
وإذا قلت : اليوم يوم الاثنين ، فهذا خبر كذب.

فالخبر إن طابق الواقع فهو صدق، وإن خالف الواقع فهو كذب.

وكما يكون الصدق في الأقوال يكون أيضاً في الأفعال.

فالصدق في الأفعال : هو أن يكون الإنسان باطنه موافقاً لظاهره، بحيث إذا عمل عملاً يكون موافقاً لما في قلبه.

فالمرائي مثلا ليس بصادق؛ لأنه يظهر للناس أنه من العابدين وليس كذلك.
والمشرك مع الله ليس بصادق؛ لأنه يظهر أنه موحد وليس كذلك.
والمنافق ليس بصادق، لأنه يظهر الإيمان وليس بمؤمن.
والمبتدع ليس بصادق، لأنه يظهر الاتباع للرسول- عليه الصلاة والسلام- وليس بمتبع.

المهم أن الصدق مطابقة الخبر للواقع، وهو من سمات المؤمنين وعكسه الكذب، وهو من سمات المنافقين، نعوذ بالله.

ثم ذكر آيات في ذلك:فقال: وقول الله تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة:119) .

هذه الآية نزلت بعد ذكر قصة الثلاثة الذين خلفوا ، وقد تخلفوا عن غزوة تبوك، ومنهم : كعب بن مالك، وقد تقدم حديثه.
وكان هؤلاء الثلاثة حين رجع النبي صلي الله عليه وسلم من غزوة تبوك، وكانوا قد تخلفوا عنها بلا عذر، واخبروا النبي - عليه الصلاة والسلام-بأنهم لا عذر لهم، فخلفهم، أي: تركهم.
فمعني : ( وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ) أي : تركوا، فلم يبت في شأنهم ؛ لأن المنافقين لما قدم الرسول- عليه الصلاة والسلام- من غزوة تبوك جاؤوا إليه يعتذرون إليه ويحلفون بالله إنهم معذورون ، وفيهم أنزل الله هذه الآية (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (95) (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (التوبة:96) .

أما هؤلاء الثلاثة فصدقوا الرسول عليه الصلاة والسلام، وأخبروه بالصدق بأنهم تخلفوا بلا عذر.
فأرجأهم النبي - عليه الصلاة والسلام- خمسين ليلة، ) حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ)(التوبة: من الآية118) ثم انزل الله توبته عليهم.

ثم قال بعد ذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة:119) ، فأمر الله تعالي المؤمنين بان يتقوا الله، وأن يكونوا مع الصادقين لا مع الكاذبين.
وقال الله تعالي: ( وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَات)(الأحزاب: من الآية35)

هذه في جملة الآية الطويلة التي ذكرها الله في سورة الأحزاب، وهي، (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات) إلي إن قال: ( وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَات) إلي أن قال: (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)(الأحزاب: من الآية35).

فذكر الله الصادقين والصادقات في مقام الثناء، وفي بيان ما لهم من الأجر العظيم.
وقال تعالي: ( فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ) أي: لو عاملوا الله بالصدق لكان خيراً لهم، ولكن عاملوا الله بالكذب فنافقوا وأظهروا خلاف ما في قلوبهم، وعاملوا النبي صلي الله عليه وسلم بالكذب، فأظهروا أنهم متبعون له وهم مخالفون له.

فلو صدقوا الله بقلوبهم وأعمالهم وأقوالهم لكان خيراً لهم، ولكنهم كذبوا الله فكان شرا لهم.

وقال الله: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)(الأحزاب: من الآية24) فقال: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ).

فدل ذلك على أن الصدق أمره عظيم ، وأنه محل للجزاء من الله سبحانه وتعالى .

إذن علينا أن نصدق ، وعلينا أن نكون صادقين ، وعلينا أن نكون صرحاء ، وعلينا أن لا نخفي الأمر عن غيرنا مداهنة أو مراءاة .

كثير من الناس إذا حدث عن شيء فعله وكان لا يرضيه كذب وقال : ما فعلت .
لماذا ؟ لا تستح من الخلق وتبارز الخالق بالكذب ؟ !

قل الصدق ولا يهمنك أحد ، وأنت إذا عودت نفسك الصدق فإنك في المستقبل سوف تصلح حالك .

أما إذا أخبرت بالكذب وصرت تكتم عن الناس وتكذب عليهم ، فإنك سوف تستمر في غيك ، ولكن إذا صدقت فإنك سوف تعدل مسيرتك ومنهاجك .

فعليك بالصدق فيما لك وفيما عليك ؛ حتى تكون مع الصادقين الذين أمرك الله أن تكون معهم : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة:119) .

__________

[url=http://www.albaidha.net/vb/showthread.php?t=4907]منقول من هنـــــــــــــــــا[/url
توقيع :أبو محمد عبدالحميد الأثري

19-04-2012 07:51 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [2]
أبو محمد عبدالحميد الأثري
المشرف العام - وفقه الله تعالى
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-02-2011
المشاركات : 3141
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif أهمية الصدق وضرورته لقيام الدنيا والدين / للعلامة الربيع - زاده الله تعالى توفيقا
وقفات مع خلق كريم - الصدق.






الحمد لله الذي أمر بالصدق ووعد الصادقين بالخير العظيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له -

واما بعد ,,,


إن الصدق بجميع أنواعه محمود.

و إن الصادق محبوب إلى الله تعالى وإلى الخلق.

إن الله يرفع ذكره، ويزيد أجره,

وإن أبين دليل على ذلك ما يحصل من ثناء الناس على الصادقين في حياتهم وبعد مماتهم، أخبارهم مقبولة وأمانتهم موثوقة

قد أفلح الصادقون وخاب الكاذبون

- يقول الشاعر :

إن الصدق مع الله منجاة لأهله وزينة وتاج وقار لمن فاز به

وإذا الأمـــور تــزاوجت فالصـدق أكرمهـا نتاجـا

الصــدق يعقـد فـوق رأس حليفـه بالصــدق تـاجـا

والصـدق يقــدح زِنــدُهُ فـي كـل ناحيـة سراجـا

- ويقول آخر:

عود لسانك قول الصدق تحظ به *** إن اللسان لما عودت معتاد

المسلم لا ينظر الى الصدق كخلق فاضل يجب التخلق به بل انه ابعد من ذلك

فالصدق من متممات الايمان ومكملات الاسلام

اذ امر الله تعالى به واثنى على المتصفين به

و المسلم الصادق يحب الصدق ويلتزمه ظاهرا وباطنا فى اقواله وافعاله اذ الصدق يهدى الى البر والبر يهدى الى الجنة

والجنة ( وفيها رؤية الله تعالى ) اسمى غايات المسلم واقصى امانيه

والكذب وهو ضد الصدق وهو يهدى الى الفجور والفجور يهدى الى النار والنار من شر ما يخافه المسلم ويتقه

,هذه وقفات في الصدق،

ننظر فيها لسبيل الصادقين، وأحوال المؤمنين .

فما أحوجنا إلى الوقوف على عيوب أنفسنا، وقصورها في جانب الصدق

هذا الجانب المهم الذي ظهر ضعف الناس فيه، وانتشر فيهم خلافه

وما أحسن ما قيل في ذلك:

عليك بالصدق ولو أنه
أحرقك الصدق بنار الوعيد
وابغ رضا المولى فأغبى الورى
من أسخط المولى وأرضى العبيد

الوقفة الأولى : التعريف بالصدق وأهميته:

الصدق هو: نقيض الكذب، ومطابقته للواقع .

ومنه رجل صدوق أبلغ من الصادق

و المُصَدِّق: الذي يصدقك في حديثك

و الصِدِّيق: الدائم التصديق ويكون الذي يصدق قوله بالعمل.

وهو عنوان الإسلام، وميزان الإيمان، وأساس الدين

وعلامة على كمال المتصف به

وله المقام الأعلى في الدين والدنيا

وبه تميز أهل الإيمان من أهل النفاق

وسكان الجنان من أهل النيران .

وبه يصل العبد إلى منازل الأبرار، وبه تحصل النجاة من النار .

وقد وُصِف النبي صلى الله عليه وسلم بالصادق الأمين، وهذا ما عرفته قريش منه قبل البعثة

ووصف يوسف عليه السلام بذلك أيضاً

( يوسف أيها الصديق)
, يوسف: 46 ،

ووصف به أيضاً خليفة رسول الله أبو بكر الصديق


مما يدلل ما للصدق من أهمية في حياة الأنبياء وأتباعهم؛ لذا فأعلى مراتب الصدق مرتبة الصديقية وهي:

كمال الإنقياد للرسول، مع كمال الإخلاص للمرسل .
قال ابن كثير: الصدق خصلة محمودة؛

ولهذا كان بعض الصحابة رضي الله عنهم لم تجرب عليهم كذبة لا في الجاهلية، ولا في الإسلام، وهو علامة على الإيمان

كما أن الكذب أمارة على النفاق، ومن صدق نجا.

. الوقفة الثانية : أنواع الصدق :


- الصدق أنواع وليس بنوع واحد؛ لذا يتبين لنا خطأ الكثير الذين يعتقدون أن الصدق هو في الأقوال فقط

بل الصواب أنه في الأقوال والأفعال والأحوال .

قال ابن القيم :

( فالذي جاء بالصدق هو من شأنه الصدق في قوله وعمله وحاله؛ فالصدق في هذه الثلاثة:

فالصدق في الأقوال:

استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها .

والصدق في الأعمال:
استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على الجسد .

والصدق في الأحوال:
استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص واستفراغ الوسع وبذل الطاقة

فبذلك يكون العبد من الذين جاءوا بالصدق

وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به تكون صديقيته

ولذلك كان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه ذروة سنام الصديقية سمي الصديق على الإطلاق).

ويمكن أن نوضح ما سبق بما يلي:

فالصدق في الأقوال:

أنه يجب على كل عبد أن يحفظ لسانه، ولا يتكلم إلا بالصدق، والله سائله عن ذلك

قال تعالى:
( يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون)
, النور: 24.


الصدق في الأعمال:
وهو أن تستوي سريرته وعلانيته، بحيث لا يكون ظاهره خلاف باطنه .

قال عبدالواحد بن زيد البصري:
كان الحسن البصري إذا أمر بشيء كان أعمل الناس به، وإذا نهى عن شيء كان من أترك الناس له، ولم أر أحد قط أشبه سريرته بعلانيته منه .

وقال مطرف:
إذا استوت سريرة العبد وعلانيته قال الله عز وجل : هذا عبدي حقاً.

الصدق في الأحوال
وهو أعلى درجات الصدق، كالصدق في الإخلاص والخوف، والتوبة، والرجاء والزهد والحب والتوكل وغيرها

ولهذا كان أصل أعمال القلوب كلها الصدق، فمتى صدق المسلم في هذه الأحوال ارتفعت نفسه وعلت مكانته عند الله - عز وجل -

قال تعالى
( ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على" حبه ذوي القربى" واليتامى" والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) ,
البقرة: 177،

وقال تعالى :
( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون),
الحجرات: 15 .

قال ابن القيم:
ولذلك كان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه ذروة سنام الصديقية، سمي (الصديق) على الإطلاق والصديق أبلغ من الصدوق والصدوق أبلغ من الصادق؛ فأعلى مراتب الصدق مرتبة الصديقية وهي كمال الانقياد للرسول مع كمال الإخلاص للمرسل.

فإذا حقق المسلم هذه المراتب كان حقاً من الصديقين .


الوقفةالثالثة : الحث على الصدق في القرآن الكريم:

ورد الصدق في القرآن الكريم في عدة آيات فيها الحث على الصدق، وكونه ثمرة الإخلاص والتقوى، فمنها:

1-
قوله تعالى:
( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)
, التوبة: 119,

أي: كونوا مع الصادقين في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم

الذين أقوالهم صدق وأعمالهم وأحوالهم لا تكون إلا صدقاً خالية من الكسل والفتور، سالمة من المقاصد السيئة مشتملة على الإخلاص والنية الصالحة..

2-
وقوله تعالى:
( ليجزي الله الصادقين بصدقهم )
, الأحزاب: 24,

أي: بسبب صدقهم في أقوالهم وأحوالهم، ومعاملتهم مع الله، واستواء ظاهرهم وباطنهم.

3-
وقال الله تعالى:
( هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا)
,المائدة: 119,

أي: أن صدقهم في الدنيا ينفعهم يوم القيامة، وأن العبد لا ينفعه يوم القيامة ولا ينجيه من عذابه إلاّ الصدق .

4-
وقال تعالى:
( وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم)
,يونس: 2,

أي: إيماناً صادقاً بأن لهم جزاء موفور، وثواب مدخور عند ربهم بما قدموه وأسلفوه من الأعمال الصالحة الصادقة.

5-
وقال تعالى:
( والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون)
, الزمر: 33.

- قال ابن القيم:
فلا يكفي صدقك بل لا بد من صدقك وتصديقك للصادقين؛ فكثير من الناس يصدق، ولكن يمنعه من التصديق كبر أو حسد أو غير ذلك.

6-
ووصف الله نفسه به فقال سبحانه
(: قل صدق الله )
,آل عمران: 95,

وقال سبحانه:
( ومن أصدق من الله حديثا )
النساء: 87.


7-

وقد قال تعالى:
( قدم صدق)
, يونس: 2،

وقال أيضاً:
( لسان صدق)
, مريم: 50,

وقال أيضاً:
(مقعد صدق)
القمر: 55}.

8-

قال الله تعالى :
(فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم
(,محمد:21

9-

قال الله تعالى:
( وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم)
, يونس: 2,

قال ابن عباس (قدم صدق): منزل صدق بما قدموا من أعمالهم .


10-

وقال تعالى:
( وجعلنا لهم لسان صدق عليا)
, مريم: 50,

فعن ابن عباس في قوله تعالىsad وجعلنا لهم لسان صدق عليا )
, مريم: 50,

قال: الثناء الحسن .

11-

وقال تعالى
( إن المتقين في جنات ونهر, في مقعد صدق)
, القمر: 54، 55

أي: مجلس حق لا لغو فيه، ولا تأثيم وهو الجنة.


12-

وقوله :
( وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق)
, الإسراء: 80,

أي: اجعل مداخلي ومخارجي كلها في طاعتك، وعلى مرضاتك وذلك لتضمنها الإخلاص وموافقتها الأمر.

قال ابن القيم - رحمه الله تعالى :

فهذه خمسة أشياء: (مدخل الصدق)، و(مخرج الصدق)، و(لسان الصدق)، و(قدم الصدق )، و(مقعد الصدق)

وحقيقة الصدق في هذه الأشياء هو:


الحق الثابت المتصل بالله الموصل إلى الله، وهو ما كان به وله من الأقوال والأعمال، وجزاء ذلك في الدنيا والآخرة

فـ ( مدخل الصدق، ومخرج الصدق) أن يكون دخوله وخروجه حقاً ثابتاً بالله وفي مرضاته بالظفر بالبغية وحصول المطلوب ضد مخرج الكذب ومدخله الذي لا غاية له يوصل إليها، ولا له ساق ثابتة يقوم عليها كمخرج أعدائه يوم بدر

ومخرج الصدق كمخرجه هو وأصحابه في تلك الغزوة، وكذلك مدخله المدينة كان مدخل صدق بالله ولله وابتغاء مرضاة الله فاتصل به التأييد والظفر والنصر وإدراك ما طلبه في الدنيا والآخرة

بخلاف مدخل الكذب الذي رام أعداؤه أن يدخلوا به المدينة يوم الأحزاب فإنه لم يكن بالله ولا لله بل كان محادة لله ورسوله؛ فلم يتصل به إلاّ الخذلان والبوار

وكذلك مدخل من دخل من اليهود المحاربين لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصن بني قريظة فإنه لما كان مدخل كذب أصابه معهم ما أصابهم فكل مدخل معهم ومخرج كان بالله ولله وصاحبه ضامن على الله فهو مدخل صدق ومخرج صدق

وكان بعض السلف إذا خرج من داره رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إني أعوذ بك أن أخرج مخرجاً لا أكون فيه ضامناً عليك

يريد أن لا يكون المخرج مخرج صدق، ولذلك فسر مدخل الصدق ومخرجه بخروجه من مكة ودخوله المدينة

ولا ريب أن هذا على سبيل التمثيل

فإن هذا المدخل والمخرج من أجل مداخله ومخارجه وإلاّ فمداخله كلها مداخل صدق ومخارجه مخارج صدق إذ هي لله وبالله وبأمره ولابتغاء مرضاته

وما خرج أحد من بيته ودخل سوقه أو مدخلاً آخر إلا بصدق أو بكذب فمخرج كل واحد ومدخله لا يعدو الصدق والكذب) ا,هـ.
توقيع :أبو محمد عبدالحميد الأثري

19-04-2012 07:52 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [3]
أبو محمد عبدالحميد الأثري
المشرف العام - وفقه الله تعالى
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-02-2011
المشاركات : 3141
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif أهمية الصدق وضرورته لقيام الدنيا والدين / للعلامة الربيع - زاده الله تعالى توفيقا
الوقفةالرابعة : الحث على الصدق في السنة النبوية المطهرة:

ورد في السنة أحاديث كثيرة في فضل الصدق منها:


1-

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وما يزال العبد يكذب، ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً .
رواه البخاري ومسلم.


- قال ابن العربي: بين أن الصدق هو الأصل الذي يهدي إلى البر كله، وذلك لأن الرجل إذا تحرى الصدق لم يعص أبداً؛ لأنه إن أراد أن يشرب أو يزني أو يؤذي خاف أن يقال له زنيت أو شربت فإن سكت جر الريبة، وإن قال: لا، كذب، وإن قال: نعم، فسق، وسقطت منزلته وذهبت حرمته.


2-

عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم" ..
,أخرجه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد.

3-

عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب، وإن كان مازحاً.
رواه البيهقي. قال الألباني ( حسن ), صحيح الترغيب والترهيب [3 / 6 ]

4-

لما سأل هرقل ابا سفيان (رضي الله عنه): فماذا يأمركم؟
يعني النبي صلى الله عليه وسلم, قال ابو سفيان:

(اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة)
رواه البخاري

-5

وقيل له صلى الله عليه وسلم, من خير الناس؟ قال:

(ذو القلب المخموم واللسان الصادق)
, رواه ابن ماجه وصححه الألباني .



الوقفة الخامسة : من أقوال السلف في الصدق:


- ورد عن السلف كلام حول الصدق وحقيقته فمنه:


1-

قول عمر رضي الله عنه: (عليك بالصدق وإن قتلك) .

2-

وقال عمر بن الخطاب أيضاًsad لأن يضعني الصدق أحب إليّ من أن يرفعني الكذب ).

3-

وقال الحسن البصريsad إن أردت أن تكون مع الصادقين فعليك بالزهد في الدنيا والكف عن أهل الملة).

4-

وقال أحمد بن حنبلsad لو وضع الصدق على جرح لبرأ ).

5-

وقال عبدالواحد بن زيدsad الصدق الوفاء لله بالعمل) .

6-

وقال بشر الحافيsad من عامل الله بالصدق، استوحش من الناس.)

7-

وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله (ما كذبت مذ علمت أن الكذب يشين صاحبه )

8-

وقال الإمام الأوزاعي رحمه الله: (والله لو نادى مناد من السماء أن الكذب حلال ما كذبت).

9-

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ( أربع من كن فيه فقد ربح: الصدق والحياء وحسن الخلق والشكر)

10-

وقال بعضهم: (من لم يؤد الفرض الدائم لم يقبل منه الفرض المؤقت، قيل: وما الفرض الدائم ؟ قال: الصدق) .

11-

وقيل: (من طلب الله بالصدق أعطاه مرآة يبصر فيها الحق، والباطل) .

12-

وقال الشعبي رحمه الله: "(عليك بالصدق حيث ترى أنه يضرك فإنه ينفعك.واجتنب الكذب حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضرك ).



الوقفة السادسة : ثمرات الصدق وفوائده :

للصدق ثمرات وفوائد عاجلة في الدنيا، وعواقب حميدة في الآخرة، فمن ثمراته وفوائده:


1-

دخول الجنة ، فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم ما عمل الجنة ؟ قال: "الصدق".
رواه الإمام أحمد .

ولا ينفعه يوم القيامة، ولا ينجيه من عذابه إلاّ صدقه،

قال تعالى:
( هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم )
المائدة: 119 .


2-

التوفيق لكل خير، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لكعب بن مالك - وهو من الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك -:
"أما هذا فقد صدق".
واه البخاري ومسلم.


3-

النجاة من المهالك، وتفريج الضيق والكرب؛ فقد جاء في حديث الثلاثة الذين أطبقت عليهم الصخرة:
"لا ينجيكم إلا الصدق فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه".
رواه البخاري.

قال الربيع بن سليمان:
صبر جميل ما أسرع الفرجا
من صدق الله في الأمور نجا
من خشي الله لم ينله أذى
من رجا الله كان حيث رجا.


4-

صلاح الباطن؛ فمن صدق في أعماله الظاهرة صدق باطنه .

5-

أن بالصدق تستجلب مصالح الدنيا والآخرة. قال تعالى: ( هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم)
المائدة: 119.


6-

أن الصدق يورث الطمأنينة والسكون . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"الصدق طمأنينة والكذب ريبة" .
رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

7-

أن صاحب الصدق لا تضره الفتن .

8-

أن الصدق هو أصل البر، والكذب أصل الفجور,
كما في الصحيحين, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:


( عليكم بالصدق فان الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب؛ فان الكذب يهدي إلى الفجور، وان الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً". ".).

9-

إنتفاء صفة النفاق عن الصادق، ففي الصحيحين, عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ("ثلاث من كن فيه كان منافقاً، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان" ).

10-

أن الصادق يرزق صدق الفراسة .
..
12-

من صدقت لهجته، ظهرت حجته، وهذا من سنة الجزاء من جنس العمل؛ فإن الله يثبّت الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، فيلهم الصادق حجته ويسدد منطقه، حتى أنه لا يكاد ينطق بشيء يظنه إلاّ جاء على ما ظنه

كما قال عامر العدواني: إني وجدت صدق الحديث طرفاً من الغيب فاصدقوا .

13-

من اعتاد الصدق حظي بالثناء الحسن الجميل من سائر الناس وثقتهم, كما ذكر الله - عز وجل - ذلك عن أنبيائه الكرام

( وجعلنا لهم لسان صدق عليا )
,مريم: 50,

والمراد باللسان الصدق: الثناء الحسن كما سبق عن ابن عباس .

14-

أن الصدق في البيع يجلب البركة، فعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو قال حتى يتفرقا فإن صدقا وبينا بُورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما"
رواه البخاري ومسلم.



الوقفةالسابعة : مظاهر من غياب الصدق في حياة المسلمين اليوم:

- الناظر في حال الناس اليوم يرى قصورهم في جانب الصدق، ولعل السبب يكمن في ضعف الإيمان في قلوب كثير من المسلمين؛ فقد انتشرت الذنوب والمعاصي بينهم، وغلب حب الدنيا في حياة الناس، مما جعل الصدق يغيب عن أقوال الناس، وأفعالهم، وأحوالهم

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

"الصدق طمأنينة والكذب ريبة".

رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح,

فالطمأنينة فُقدت في تعاملات الناس مع بعضهم البعض، وظهرت الريبة بدلاً عنها .




فمن المظاهر المنتشرة:


أولا-

كذب الآباء والأمهات على أبنائهم الصغار

وقد بيّن لنا ديننا الإسلامي الحنيف بأن تربية الأولاد يجب أن تكون خالية من الكذب؛ ليشبّ الأطفال وقد تعوّدوا على الصدق والصراحة والجُرأة في القول والعمل.

فقد روى الصحابي الجليل عبد الله بن عامر قائلاً:


دعتني أمي يومًا وأنا صغير، ورسول الله قاعد في بيتنا، فقالت لي: تعال أعطيك

فسألها الرسول الصادق المصدوق:
((ما أردت أن تعطيه؟))

قالت:
أردت أن أعطيه تمرًا

فقال لها:
((أما إنك لو لم تعطه شيئًا كُتِبت عليك كذبة)).


وروى الصحابي الجليل أبو هريرة أن رسول الله قال:
((من قال لصبي: تعال هاك ثم لم يعطه فهي كذبة)).

بهذا الهدي النبوي ينبغي أن نربّي أولادنا وننشئهم النشأة الإسلامية


تلك التربية الإيمانية التي يحبّون فيها خصال الصدق والكرامة والاستقامة، ويتنزّهون عن الكذب ويكرهونه.

ثانيا:

انتشار الكذب في كلام الناس، وفي أفعالهم، وهو من كبائر الذنوب

قال تعالى
(: ففنجعل لعنة الله على الكاذبين)
, آل عمران: 61،

ففي الصحيحين: عن أنس بن مالك قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

"ثلاث من كن فيه كان منافقاً إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان" .

ثالثا:

انتشار إخلاف الوعد، وكما في الحديث السابق شيء من صفات المنافقين، وأصبح إخلاف الوعد أمراً ظاهراً في حياة الناس، حتى إنك أصبحت تعرف أُناساً عُرفوا بإخلاف الوعد.


ومن صور إخلاف الوعد:


التخلف عن الحضور بلا عذر، أو التأخر في المواعيد


فمثلاً:
تُواعِدُ شخصاً الساعة الثامنة فيأتي إليك الساعة التاسعة، ويعتذر بأنه مر على محل لشراء أغراض تخصه. وإنه لمن المحزن أن ترى إخلاف الوعد من أناس سيماهم الخير، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله.

ويدخل في ذلك إخلاف الوعد للأبناء بشراء شيء، أو إعطائهم شيء

قال عبدالله بن مسعود:
لا يصلح الكذب في هزل ولا جد، ولا أن يعد أحدكم صبيه شيئاً ثم لا ينجزه له.

رابعا:

خيانة الأمانة

حيث ترى الكثير من الناس لا يقوم بالواجب عليه تجاه ما هو مطلوب منه

فمثلاً:
عدم قيام الموظف بما مطلوب منه في عمله؛ فتجده يتأخر في الحضور للعمل، وإذا حضر يشغل وقته بما لا يخدم العمل من اتصالات بالهاتف أو غيره، إلى قراءة الجرائد فضلاً عمن يشاهد القنوات الفضائية مع وجود أعمال لم ينجزوها .

ويدخل في ذلك أخذ إجازات مرضية وهو غير مريض، ونسي أنه يأخذ مالاً من الدولة على هذا العمل؛ فبأي حق يأخذ هذا المال من فعل ذلك، وقس على ذلك بقية الأعمال .

خامسا :

الغش في البيع بإخفاء عيب السلع

فتجد البائع يعرف عن سلعته عيباً لا يخبر بها المشترى، ويعتذر بأن هذه وظيفة المشتري

وكذلك رغبته في أن تباع بسعر جيد، مع أن إخفاء العيب يذهب البركة

فعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بُورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما"
رواه البخاري ومسلم

سادسا: -

ادعاء الحاجة والفقر، وهو غني؛ فإنما يسأل للتكثر

وقد ورد النهي عن ذلك، فعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"من سأل الناس أموالهم تكثراً، فإنما يسأل جمراً؛ فليستقل أو ليستكثر.

سابعا:

إخفاء كلِّ من الخاطب والمخطوبة ما فيه من عيب، سواء كانت خَلقية أو خُلقية، وإبراز المحاسن وتضخيمها، والمبالغة في المدح، وهذا يمحق بركة الزواج .

- هذا

ونسأل أن يوفقنا للصواب في أقوالنا، وأعمالنا، وأن يوفقنا للصدق في السر والعلانية، وأن يجعلنا من الصديقين إنه جواد كريم

والله أعلم

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين

إعداد:

الأفغاني السلفي
إمام وخطيب في وزارة الأوقاف الكويت


والنقل
لطفــــــاً .. من هنـــــــــا
توقيع :أبو محمد عبدالحميد الأثري




الكلمات الدلالية
لا يوجد كلمات دلالية ..


 







الساعة الآن 07:18 مساء