حياكم الله زائرنا الكريم في شبكة الربانيون العلمية، إذا كنت قد اشتركت معنا سابقًا فيمكنك تسجيل الدخول بالضغط هنا، وإذا لم تسجل عضوية من قبل فيمكنك إنشاء حساب جديد بالضغط هنا، تقبل الله منا ومنكم.

الرئيسية
نتائج البحث

نتائج البحث عن ردود العضو :أبو تراب عبد المصور بن العلمي
عدد النتائج (16) نتيجة
22-12-2017 04:19 صباحا
icon حال الشيخ عبد الله بن صالح العبيلان هداه الله | الكاتب :أبو تراب عبد المصور بن العلمي |المنتدى: منبر التحذير من أعيان
 العبيلان : نعم

السائل: السلام عليكم ورحمة الله و بركاته .

العبيلان: و عليكم السلام و رحمة الله .

السائل: حياكم الله يا شيخ .

العبيلان : الله يحييك.

السائل: ممكن يا شيخ نسجل هذا السؤال...؟

العبيلان :إيش هو السؤال قبل أن تسجله؟

السائل : السؤال يا شيخ : إن بعض الإخوة يا شيخ متأثرين بالشيخ محمد حسان ، و أقوم بالنصح لهم ، فأريد منكم نصيحة لهم يا شيخ .

العبيلان : و ماذا فيه الشيخ محمد حسان ؟..إيش فيه الشيخ محمد حسان ؟

السائل: و الله متكلمين فيه أهل العلم الشيخ محمد حسان .

العبيلان : من الذي تكلم فيه ؟ الشيخ عبد المحسن العباد ؟.

السائل: تكلّم فيع الشيخ عبيد الجابري ، و يقول عليه قطبي يا شيخ .

العبيلان : عبيد الجابري هذا منصّب من أهل العلم لهذا الأمر أو أن هذا الأمر له و لغيره؟.

السائل: قام بسؤاله الإخوة فقال لهم قطبي يا شيخ .

العبيلان : على كل حال هذا اجتهاد من الشيخ ..قد يُصيب و قد يخطئ ، إنما أخونا الأخ محمد حسان رجل من أهل العلم و الفضل ، و نحن لا ندّعي عصمته ، و لا ندعي أنه لا يخطئ ، لكنه من أهل السنة و من المدافعين عن العقيدة و السنة و من أبرز الدعاة الذين يظهرون في الإعلام دفاعا عن العقيدة و السنة ، انتفع منه في مصر و في الشام و في غيرها .

السائل: يعني يا شيخ محمد حسان من أهل السنة ؟.

السائل : و ليس عليه مؤاخذات يا شيخ؟الشيخ العبيلان : نعم نعم من أهل السنة .

العبيلان : ما فيه أحد ما عليه مؤاخذات يا أخي ، لكن هذه المؤاخذات لا تخرجه من السنة .

السائل: يقولون عليه بأنه إخواني يا شيخ .

العبيلان : لا لا ليس إخوانيا و لا ...الرجل سلفي ، و سلفي دائما لا يذكر من مشايخه إلا الشيخ محمد بن عثيمين ، قد درس عليه ، و يذكر الشيخ عبد العزيز بن باز ، و يذكر الألباني ، أبدا لا يستشهد بأحد غير هؤلاء .

السائل: جزاك الله خيرا يا شيخ ، بارك الله فيك يا شيخ ، حياك الله يا شيخ .

المصدر
11-09-2017 09:48 مساء
icon [نصيحة]ما حكم التعرف علي النت من اجل الزواج ؟ للشيخ عبيد الجابري حفظه الله | الكاتب :أبو تراب عبد المصور بن العلمي |المنتدى: كلمات توجيهية
 
جزاك الله خيرا

11-09-2017 09:22 مساء
icon لا أحد يستحق .. للشيخ محمد بن سعيد رسلان حفظه الله 10 من رجب 1438هـ | الكاتب :أبو تراب عبد المصور بن العلمي |المنتدى: خطب
 
جزاكم الله خيرا

11-09-2017 09:20 مساء
icon الذبح لغير الله | الكاتب :أبو تراب عبد المصور بن العلمي |المنتدى: مــنــبــر الـــــــتــــــوحــــيــــــــد
 
جزاكم الله خيرا

04-09-2017 12:24 صباحا
icon أكذوبة مذكرات الجاسوس البريطاني مستر همفر | الكاتب :أبو تراب عبد المصور بن العلمي |المنتدى: مــنــبــر الـتـنـاصـح والـتـواصــي والردود على الصوفـيـة
 
مذكرات مستر همفر للشيخ الفاضل أبي عمار علي الحذيفي حفظه الله
 
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فهناك شبهة يروجها أعداء دعوة الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب التميمي، وهي أن الشيخ محمد أرسلته بريطانيا كما ذكر مستر همفر في "مذكراته"، ويزعمون: أن مستر همفر جاسوس بريطاني أرسلته بريطانيا لتمزيق الإسلام، وأنه استعمل الشيخ محمد عميلا له، وهم يحاولون بذلك أن يظهروا أن دعوة الشيخ صنعة بريطانية.

وتهمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بأنه كان يعمل لحساب بريطانيا شيء عجيب، إذ كيف يظن عاقل أن بريطانيا ترسل دعاة إلى الناس، ليدعوهم إلى التوحيد الخالص، ويحاربوا الوثنية بجميع صورها من عبادة الأضرحة وتعظيمها ونحو ذلك، فإن كانت بريطانيا قد فعلت ذلك فلم تأت بريطانيا بقبيح إذن.
وقد رأيت بنفسي هذه المذكرات عندما جاء بها بعض الشباب إليّ ليسأل عنها، وبعد البحث والتنقيب علمنا أن الذي قام يترويجها – في عدن - هم أعداء دعوة التوحيد، فهم لا يزالون يتهمون هذه الدعوة بكل قبيح، وينفرون عنها بكل ما يملكون.

وقد بين الباحثون أن هذه المذكرات هي من وضع أحد مراجع الشيعة الاثني عشرية، هو الرافضي محمد الشيرازي، وضعها حتى ينال من شخصية الشيخ المجدد الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، ويحط من شأنه وقدره، وينفر من دعوته.

ويجاب عن الاحتجاج بهذه المذكرات بما يلي (1) :

أولا: "مستر همفر" شخصية وهمية لا وجود لها، فهمفر هذا نكرة لا تعرف عنه أي معلومات تفصيلية من حيث اسمه ورتبته, وما يتعلق بوظيفته ومهمته من كتب ووثائق الحكومة البريطانية.
وكذلك من ترجم الكتاب المذكور وهو (ج.ح) أيضا لا يعرف عنه شيء، ومثل هذه الأمور لا تقوم بها حجة في ذاتها، فكيف يطعن بها من شهد له الأئمة الأعلام بالخير.

وثانيا: من تتبع دعاوى صاحب المذكرات يجده يدعي أنه التقى بالشيخ في وقت ما، وجد الباحثون أن عمر الشيخ في هذا الوقت كان عشر سنين، وهذا أمر يتناقض مع ما في المذكرات من أن "همفر" تعرف في البصرة على شاب في زي طلبة العلوم الدينية, وكان يسمى بمحمد بن عبد الوهاب (2) .

وثالثا: لا نجد ذكرا لهذه المذكرات عند أعداء الدعوة القدامى الذين ظهروا في عصر الشيخ ولا فيما بعده بقليل، رغم حرص أعداء هذه الدعوة على تشويهها ونشر كل ما يسيء إليها سواء كانوا من القبوريين أو من الأوروبيين.

ورابعا: أن المذكرات ذكرت أن همفر أرسلته المستعمرات عام 1710م، وقد تبين أن أقدم ضابط للمستعمرات أرسلته بريطانيا كان بعد نحو سبعين عاما من التاريخ المذكور(3) .

خامسا: لو فرضنا أنها صحيحة إلى مستر همفر، فلا يستدل بمثل هذه المذكرات لاحتمال أن يكون قد كذبها هذا الرجل الكافر ليشوه بدعوة التوحيد ؟! (4)

ألا وإن ممن شهد ببراءة الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب من هذه المذكرات, وذكر أن "مستر همفر" إنما هو شخصية وهميه حسن بن فرحان المالكي (5) حيث أجاب عنها بجواب طويل جاء فيه: (مذكرات ذلك البريطاني المسمى "همفر" لا تصح, وقد أخبرني بعض الإخوة من الشيعة المعتدلين أن الذي وضعها هو أحد المراجع الشيعة الإمامية نكاية بالوهابية، وعندي اسم ذلك الشيخ الإمامي الذي وضع تلك المذكرة على لسان همفر, وقد ذكر ما يمكن أن يدل على أن واضع تلك المذكرة هو الشيخ الشيعي).
فهذه المذكرات لا يصح الاستدلال بها مع ثبوتها عن أصحابها، فكيف وهي لم تصح أصلا ؟.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله.


أبو عمار علي الحذيفي
3 / صفر / 1435 هـ

_______________
(1) انظر ثلاث مقالات نشرتها "مجلة الأصالة" الأعداد (31) (32) (33)، كتبه مالك بن حسين: فند فيها هذه المذكرات، وانظر: "براءة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب" ورسالة: "أكذوبة مذكرات الجاسوس البريطاني همفر" لسليمان بن صالح الخراشي، وغيرها.


(2) تجد تفصيل هذه النقطة في "مجلة الأصالة" كما أحال عليه صاحب "براءة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب". وهو في "المكتبة الشاملة".


(3) مداخلة محمد السعيدي على "قناة المستقلة".


(4) ومن المؤسف أن كثيرا من الكتاب والصحفيين – بل وبعض الدعاة - يأخذون ما في "مذكرات" الزعماء والعظماء وغيرهم مأخذ التسليم دون وضعه – كغيره - على مائدة النقاش، فهذه "المذكرات" عموما إن اعتبرت من مصادر التوثيق، فإنه - والله - ثغرة عظيمة يدخل منها الخلل علينا في كثير من المجالات.


(5) وهو أحد خصوم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأحد أعداء الدعوة السلفية الحاقدين، وقد ذكر ذلك في كتابه "قراءة نقدية لمذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب"، وهو كتاب عليه ملاحظات كثيرة افترى فيه المؤلف على دعوة الشيخ محمد كثيرا، وله كتب أخرى لا تقل طعنا عن الكتاب المذكور، وقد أجاب عنه العلماء وممن رد عليه الشيخ ربيع بن هادي حفظه الله تعالى في "دحر افتراءت أهل الزيغ والارتياب".



المصدر
21-07-2017 11:47 صباحا
icon ترحيب | الكاتب :أبو تراب عبد المصور بن العلمي |المنتدى: منبر التواصل والتواصي مع الشـبكـة
 
أهلا بك بين إخوانك

02-06-2017 11:28 صباحا
icon ردود العلماء وطلبة العلم على الحدادي عبد الحميد بن خليوي الجهني هداه الله | الكاتب :أبو تراب عبد المصور بن العلمي |المنتدى: منبر التحذير من أعيان
 
رد الشيخ محمد بن سعيد رسلان حفظه الله على الحدادي عبدالحميد بن خليوي الجهني هداه الله.
رفع الحجاب عن حال الجهني الكذاب ...
الخميس 12 من ذي القعدة 1428هـ

http://www.up.noor-alyaqeen.com/uploads/www.noor-alyaqeen.com13701196721.mp3
ننتظر من الإخوة التفريغ



 
02-06-2017 11:16 صباحا
icon ردود العلماء وطلبة العلم على الحدادي عبد الحميد بن خليوي الجهني هداه الله | الكاتب :أبو تراب عبد المصور بن العلمي |المنتدى: منبر التحذير من أعيان
 
بسم الله الرحمن الرحيم
دحض أباطيل عبد الحميد الجهني التي أوردها في كتابه
المسمَّى زورًا بالرد العلمي
الحلقة الـخــامــسة
 
قال الجهني في كتابه (ص19-20):
"لما قرر الشيخ ربيع المدخلي أن العمل كمال في الإيمان، ذهب يبحث عن أدلة تؤيد هذا المذهب، فوقع على أحاديث الشفاعة، وفيها لفظة معروفة احتجَّ بها (المرجئة) على أن العمل كمال في الإيمان، ووافقهم الشيخ ربيع، وهي لفظة (لم يعمل خيرًا قط)، فلما ردَّ عليه بعض طلاب الشيخ والمشايخ، وبينوا له خطأ هذا الاستدلال، تمسك بقوله وثبت عليه، وكتب مقالة في الرد عليهم عنوانها: (أحاديث الشفاعة الصحيحة تدمغ الخوارج والحدادية القطبية)!
وظاهر من هذا العنوان أنه يصنف من يخالفه في هذه المسألة بأنه (خارجي حدادي قطبي)!
وما علينا من هذه الألقاب، فإن العبرة بالحقائق، ولا يصح إلَّا الصحيح كما يقول العقلاء؛ لكن المقصود هو الوقوف مع هذه اللفظة التي يحتج بها، علماً بأن هذه اللفظة قد وقف عليها أئمة السنة، وعرفوا أنها قد تكون حُجَّة للمرجئة فأجابوا عنها.
من هؤلاء الأئمة الذين أجابوا عن هذا الحديث الإمام ابن خزيمة رحمه الله إمام السنة والحديث في عصره حيث قال في كتابه (التوحيد) (2/732): وهذه اللفظة: (لم يعملوا خيراً قط) من الجنس الذي يقول العرب، ينفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل، (لم يعلموا خيراً قط): على التمام والكمال، لا على ما أوجب عليه وأمر به، وقد بينت هذا المعنى في مواضع من كتبي. انتهى كلام الجهني.
أولا: قوله: "لما قرر الشيخ ربيع المدخلي أن العمل كمال في الإيمان".
أقول:
إن القول بأن الإيمان أصل والعمل كمال هو قول أهل السنة والجماعة وأئمتهم، ودليلهم على هذا القول من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
وربيع سار على هذا المنهج السلفي القائم على الاستدلال بما نص عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
وقد سقنا للحدادية كلام أئمة الإسلام وما استدلوا به من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فلم يرفع هذا الجهني وحزبه الحدادي رأسا لا بكلام الله ولا بكلام رسوله ﷺ، ولا بكلام أهل السنة المنطلق من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
وذهبوا يكيلون التهم الباطلة لربيع، موهمين الناس أن ربيعًا انفرد بهذا الكلام، فما أسوأ هذا المنهج الذي يسيرون عليه!.
ثانيًا: قوله: "ذهب يبحث عن أدلة تؤيد هذا المذهب، فوقع على أحاديث الشفاعة".
أقول:
إن هذا الكلام لمن الظنون والتخرصات الباطلة، وكأني لم أعرف الشفاعة إلا بعد أن قررت بغير دليل أن الإيمان أصل والعمل كمال.
لقد عرفت منزلة الشفاعة من طفولتي، ثم من دراستي في المرحلة الثانوية، ثم من دراستي [لشرح الطحاوية] لابن أبي العز في المرحلة الجامعية وقد ذكر أنَّ للشفاعة ثمانية أنواع في هذا الكتاب.
ولعل هذه المعرفة قبل أن يولد هذا الجهني وأكثر أنصاره.
ثم إن استدلالي بأحاديث الشفاعة لإثبات الشفاعة التي ينكرها الخوارج والمعتزلة ويدندن حول إنكارها الحداديون الخوارج الجدد استدلال صحيح وحق وعلى منهج السلف الصالح.
وقوله: "وفيها (أي: أحاديث الشفاعة) لفظة معروفة احتجَّ بها (المرجئة) على أن العمل كمال في الإيمان، ووافقهم الشيخ ربيع، وهي لفظة (لم يعمل خيرًا قط)".
أقول:
إن هذا الكلام لمن الأباطيل التي لا يقولها إلا أجهل الناس بمذهب المرجئة أو كذاب يتحرى الكذب؛ إذ المعروف عند أهل العلم السابقين واللاحقين وطلاب العلم أن بعض المرجئة يقولون: الإيمان المعرفة.
وبعضهم يقولون: الإيمان التصديق.
وبعضهم يقولون: الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان.
وكلهم لا يدخلون العمل في الإيمان ولا يعتقدون أنه يزيد وينقص، فمن أين لك أنهم يقولون: إن العمل كمال في الإيمان وهذا حالهم؟
أثبت هذا من كلامهم وكتبهم إن كنت صادقًا.
ثالثًا: قول الجهني: "لكن المقصود هو الوقوف مع هذه اللفظة التي يحتج بها، علماً بأن هذه اللفظة قد وقف عليها أئمة السنة، وعرفوا أنها قد تكون حُجَّة للمرجئة فأجابوا عنها".
أقول:
إن هذا القول لمن التخرص، أثبت يا هذا أن أئمة السنة عرفوا أن هذه الكلمة قد تكون حجة للمرجئة فأجابوا عنها.
انقل لنا هذه الأجوبة عن أئمة السنة بأسمائهم ومواضع هذه الإجابات من كتب أهل السنة، وإلا فليعرف العقلاء أنك تتكلم بالباطل، وتنسب أباطيلك إلى العلماء من أهل السنة.
رابعًا: قوله: "من هؤلاء الأئمة الذين أجابوا عن هذا الحديث الإمام ابن خزيمة رحمه الله إمام السنة والحديث في عصره حيث قال في كتابه (التوحيد) (2/732): وهذه اللفظة: (لم يعملوا خيراً قط) من الجنس الذي يقول العرب، ينفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل، (لم يعلموا خيراً قط): على التمام والكمال، لا على ما أوجب عليه وأمر به، وقد بينت هذا المعنى في مواضع من كتبي. انتهى كلامه.".
أقول:
إن الإمام ابن خزيمة تحدث عن الشفاعة في كتاب "التوحيد" وأطال النَّفَس في إخراج أحاديث الشفاعة من (2/588-770)، مؤمنا بها مسلما بها، وهذا العمل الجليل منه يدحض هذا القول الذي يتعلق به هذا الحدادي والذي يستبعد أن يصدر من الإمام ابن خزيمة الذي يسلم بكل أحاديث الشفاعة تسليمًا مطلقًا، وسأورد بعض هذه الأحاديث.
فمن أحاديث الشفاعة التي أوردها في كتابه (2/631):
1- حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته واختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات منكم لا يشرك بالله شيئًا».
2- وفي (2/641-642) أورد حديث عوف بن مالك في الشفاعة، كرره مرتين، وفي آخره قوله –صلى الله عليه وسلم-: «فإني أشهد من حضرني أن شفاعتي لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا».
وهذا الحدادي وحزبه لا يرفعون رأسًا بهذين الحديثين وما جرى مجراهما.
3- وفي (2/693-695) قال:
"بَابُ ذِكْرِ خَبَرٍ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي إِخْرَاجِ شَاهِدِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مِنَ النَّارِ".
ثم قال: "أَفْرَقُ أَنْ يَسْمَعَ بِهِ بَعْضُ الْجُهَّالِ، فَيَتَوَهَّمُ أَنَّ قَائِلَهُ بِلِسَانِهِ، مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقِ قَلْبٍ، يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ، جَهْلًا وَقِلَّةَ مَعْرِفَةٍ بِدِينِ اللهِ، وَأَحْكَامِهِ".
ثم واصل الذم لهذا النوع من الجهال.
فيرى القارئ أن الإمام ابن خزيمة إنما ينكر على من يعتقد أن قائل (لا إله إلا الله) بلسانه دون تصديق بقلبه يخرج من النار، وإذن فهو لا ينكر أن قائل (لا إله إلا الله محمد رسول الله) بلسانه مصدقا بقلبه مخلصا في ذلك أنه يخرج من النار بهذا التوحيد؛ بل هو مؤمن بما دل عليه هذا الحديث وغيره من الأحاديث، ومن هنا ساق حديث أنس عن النبي ﷺ مختصرًا ومنه:
«مَا زِلْتُ أَشْفَعُ إِلَى رَبِّي، وَيُشَفِّعُنِي حَتَّى قُلْتُ: أَيْ رَبِّي، شَفِّعْنِي فِيمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَذِهِ لَيْسَتْ لَكَ وَلَا لِأَحَدٍ، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَرَحْمَتِي لَا أَدَعُ فِي النَّارِ أَحَدًا، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ».
ساق ابن خزيمة هذا الحديث مسلِّماً به.
ثم ساق ما ذكره من حديث أنس مرة أخرى من طريق معبد بن هلال، مُسلِّمًا بذلك.
وهذا الجزء الذي ذكره هو بعض حديث أنس المتفق عليه، وهو على مراحل في الشفاعة:
المرحلة الأولى: الشفاعة فيمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان.
والثانية: الشفاعة فيمن في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان.
والثالثة: الشفاعة فيمن في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة خردل من إيمان.
والرابعة: يقول فيها رسول الله ﷺ: «يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله. فقال الله: ليس ذلك لك. أو قال: ليس ذاك إليك، وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبروتي لأخرجن من النار قال لا إله إلا الله»، انظر (2/714-716).
وهذا الحديث الصحيح الذي سلم به ابن خزيمة أورده الإمام البخاري في صحيحه وذكر فيه ثلاث مراحل، وفي المرحلة الثالثة قال: «يخرج من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه ما يزن من الخير ذرة».
وفي لفظ في البخاري: «ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود»، انظر صحيح البخاري حديث (7410)، ومسلم حديث (193).
ساقه الإمام ابن خزيمة مسلِّماً به تسليماً مطلقاً.
والحدادية يعارضون هذه الأحاديث الصحيحة الدالة على فضل التوحيد وأن من يلقى الله بهذا التوحيد بعيدًا عن الشرك لابد أن يخرجه الله من النار رغم أنوف الحدادية الخوارج، بل هؤلاء الحدادية لا يرفعون رأساً بقول الله تعالى.
4- وفي (2/696) قال ابن خزيمة رحمه الله:
"بَابُ ذِكْرِ الْبَيَانِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَشْفَعُ لِلشَّاهِدِ لِله بِالتَّوْحِيدِ الْموَحِّدِ لِله بِلِسَانِهِ إِذَا كَانَ مُخْلِصًا وَمُصَدِّقًا بِذَلِكَ بِقَلْبِهِ، لَا لِمَنْ تَكُونُ شَهَادَتُهُ بِذَلِكَ مُنْفَرِدَةً عَنْ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ".
ثم أورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: مَاذَا رَدَّ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الشَّفَاعَةِ؟«قَالَ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَوَّلُ مَنْ يَسْأَلُنِي عَنْ ذَلِكَ مِنْ أُمَّتِي لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْعِلْمِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَا يُهِمُّنِي مِنَ الْقَضَاءِ فِيهِمْ عَلَى أَبْوَابِ الْجَنَّةِ أَهَمُّ عِنْدِي مِنْ تَمَامِ شَفَاعَتِي وَشَفَاعَتِي لِمَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مُخْلِصًا يُصَدِّقُ قَلْبُهُ لِسَانَهُ وَلِسَانُهُ قَلْبَهُ».
وساق بعده جزأ من حديث أبي هريرة ومنه: «وَقَالَ مِنْ تَمَامِ شَفَاعَتِي لَهُمْ وَقَالَ: لِمَنْ شَهِدَ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مُخْلِصًا».
ثم قال: "قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا زَادَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَالْبَاقِي مِثْلُ لَفْظِهِ".
5- وفي (ص699) ساق حديث أبي هريرة: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوْلَى([1]) مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ نَفْسِهِ».
فالإمام ابن خزيمة يؤمن بهذه الأحاديث الصحيحة الدالة على مكانة التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويسوقها للاحتجاج بها وأن من قالها مخلصًا وإن عذب بالنار فإنه لابد أن يخرج منها بشفاعة رسول الله ﷺ وبفضل رحمة الله.
6- وفي (ص700) ساق جزأ من حديث أنس رضي الله عنه.
ونصه عن أنس عن النبي ﷺ: «قَالَ يَقُولُ اللَّهُ أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ دُودَةً أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً».
وهذا الحديث عن أنس يؤكد ما سلف ويؤمن به كل أهل السنة ومنهم ابن خزيمة.
7- وقال في (2/702- 703):
"بَابُ ذِكْرِ الْأَخْبَارِ الْمُصَرِّحَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ فِي الدُّنْيَا إِيمَانٌ» دُونَ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِهِ فِي الدُّنْيَا إِيمَانٌ مِمَّنْ كَانَ يُقِرُّ بِلِسَانِهِ بِالتَّوْحِيدِ، خَالِيًا قَلْبُهُ مِنَ الْإِيمَانِ مَعَ الْبَيَانِ الْوَاضِحِ أَنَّ النَّاسَ يَتَفَاضَلُونَ فِي إِيمَانِ الْقَلْبِ، ضِدَّ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ مِنْ غَالِيَةِ الْمُرْجِئَةِ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَكُونُ فِي الْقَلْبِ".
ثم رد على صنف آخر.
8- ثم ساق في (ص706) جزأً من حديث أبي سعيد عن النبي ﷺ ألا وهو قوله:
«فَيَقُولُ اللَّهُ: انْظُرُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ زِنَةُ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ، أَخْرِجُوهُ»، ثُمَّ ذَكَرَ زِنَةَ قِيرَاطٍ، ثُمَّ ذَكَرَ زِنَةَ مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ.
ثم قال: "قَدْ خَرَّجْتُ هَذَا الْخَبَرَ، فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ بِتَمَامِهِ".
9- ثم أورد في هذا الباب حديث سلمان رضي الله عنه في شفاعة النبي ﷺ، ومنه:
"قَالَ: يَفْعَلُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَيَشْفَعُ لِمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ حَبَّةٌ مِنْ حِنْطَةٍ، أَوْ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ، أَوْ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلِ مِنْ إِيمَانٍ " قَالَ سَلْمَانُ: فَذَلِكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ".
وحديث سلمان هذا يؤكد ما سلف من الأحاديث في الشفاعة في من عنده أدنى شيء من الإيمان.
10- ثم أشار إلى شيء من حديث أبي سعيد، وحديث أنس في المثاقيل.
11- وفي (2/708) ساق حديث أنس من طريق: عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن جده أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنَ الْإِيمَانِ، أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ بُرَّةٍ مِنَ الْإِيمَانِ، أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَوْ([2]) ذَكَرَنِي أَوْ خَافَنِي فِي مَقَامٍ»، وعبيد الله بن أبي بكر ثقة/ع. [تقريب].
وهذا الحديث يؤمن به ابن خزيمة وغيره من أهل السنة.
12- ثم في (ص709) كرر حديث عبيد الله بن أبي بكر عن جده أنس –رضي الله عنه-، ثم كرر حديث عبيد الله ابن أبي بكر مرة أخرى أيضًا (ص710).
13- وفي (ص711) ساق حديث أنس من طريق عمرو بن أبي عمرو عن أنس مرفوعًا -وعمرو بن أبي عمرو ثقة ربما وهم فحديثه هذا صحيح- وفيه ثلاث مراحل للشفاعات النبوية، وفيه:
«اذْهَبْ، فَمَنْ وَجَدْتَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، مِنْ إِيمَانٍ، فَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ».
14- وفي (2/714- 716) أورد حديث أنس من طريق معبد عن أنس مرفوعًا بطوله، وفيه ثلاث مراحل آخرها قوله: «فَيُقَالُ لِي: انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ، مِنَ الْإِيمَانِ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ».
وفي المرة الرابعة بعد تلك المراحل الثلاث يقول رسول الله ﷺ:
«يَا رَبُّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: فَيُقَالُ: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ وَعِزَّتِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ».
وهاك هذا الحديث بنصه:
"حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالَ: ثَنَا حَمَّادٌ يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَنَزِيُّ، قَالَ: انْطَلَقْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فِي زَمَنِ الثَّمَرَةِ، وَمَعَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، لِهَذَا الْحَدِيثِ، فَاسْتَأْذَنَ ثَابِتٌ، فَأُذِنَ لَنَا وَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، وَأَجْلَسَ ثَابِتًا مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ، أَوْ قَالَ عَلَى فِرَاشِهِ قَالَ: فَقُلْتُ لِأَصْحَابِنَا: لَا تَسْأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ، إِلَّا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّا خَرَجْنَا لَهُ، قَالَ ثَابِتٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، إِنَّ إِخْوَانَكَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ جَاءُوكَ يَسْأَلُونَكَ عَنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشَّفَاعَةِ، فَقَالَ: نَعَمْ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ قَالَ: فَيُؤْتَى آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيُقَالُ: آدَمُ، اشْفَعْ فِي ذُرِّيَّتِكَ قَالَ: فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ، فَإِنَّهُ خَلِيلُ اللَّهِ، فَيُؤْتَى إِبْرَاهِيمُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى، فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ، فَيُؤْتَى مُوسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى، فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ، فَيُؤْتَى عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأُوتَى، فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا فَأَنْطَلِقُ، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ، لَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا الْآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخَّرُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ، يُسْمَعْ، وَسَلْ، تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ: يَا رَبُّ أُمَّتِي، أُمَّتِي، قَالَ: فَيُقَالُ لِي: انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ إِمَّا إِنْ قَالَ مِثْقَالَ بُرَّةٍ، وَإِمَّا إِنْ قَالَ: مِثْقَالَ شَعِيرَةٍ مِنَ الْإِيمَانِ فَأَخْرَجَهُ مِنْهَا، فَأنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، وَأَخَرُّ سَاجِدًا قَالَ: فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبُّ أُمَّتِي، أُمَّتِي قَالَ: فَيُقَالُ لِي: انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ، مِنَ الْإِيمَانِ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ "، قَالَ مَعْبَدٌ: فَأَقْبَلْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِظَهْرِ الْجَبَّانِ، قُلْتُ: لَوْ مِلْنَا إِلَى الْحَسَنِ وَهُوَ مُسْتَخْفٍ فِي مَنْزِلِ أَبِي خَلِيفَةَ، قَالَ: فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا سَعِيدٍ، جِئْنَا مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ أَبِي حَمْزَةَ وَحَدَّثْنَاهُ، حَتَّى إِذَا فَرَغْنَا، قَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ إِلَّا بِهَذَا؟ قُلْنَا: مَا زَادَنَا عَلَى هَذَا، قَالَ: فَقَالَ الْحَسَنُ: لَقَدْ حَدَّثَنِي مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، فَمَا أَدْرِي أَنْسِيَ الشَّيْخُ، أَمْ كَرِهَ أَنْ يُحَدِّثَكُمْ فَتَتَّكِلُوا، قَالَ: فَقَالُوا: يَا أَبَا سَعِيدٍ، حَدِّثْنَا فَضَحِكَ، وَقَالَ: خُلِقَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا، إِنِّي لَمْ أَذْكُرْهُ إِلَّا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ، حَدِّثْنِي كَمَا حَدَّثَكُمْ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ قَالَ: " فَأَقُومُ الرَّابِعَةَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخَّرَ لَهُ سَاجِدًا، قَالَ: فَيُقَالُ لِي: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ، يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ، تُشَفَّعْ، قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: يَا رَبُّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: فَيُقَالُ: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ وَعِزَّتِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ زِنَةُ الدِّينَارِ وَلَا نِصْفُهُ وَفِي آخِرِهِ زِيَادَةُ ذِكْرِ أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلِ ".
والحدادية كسادتهم الخوارج يعترضون على الله الذي أقسم بعزته وكبريائه وعظمته ليخرجن من النار من قال: "لا إله إلا الله" مخلصًا من قلبه.
ثم كرر حديث أنس.
15- ثم قال في (2/724):
"بَابُ ذِكْرِ الْبَيَانِ أَنَّ الْمَقَامَ الَّذِي يَشْفَعُ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ لِأُمَّتِهِ هُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وَعْدَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾".
ثم ساق حديث أبي هريرة رضي الله عنه المرفوع (ص726) ونصه:
"قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَدَّ إِلَيْكَ رَبُّكَ فِي الشَّفَاعَةِ، قَالَ: «قَدْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَوَّلُ مَنْ يَسْأَلُنِي عَنْهَا مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْعِلْمِ، وَشَفَاعَتِي لِأُمَّتِي مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يُصَدِّقُ قَلْبُهُ لِسَانَهُ أَوْ لِسَانُهُ قَلْبَهُ»".
16- وفي (2/727-728) قال:
"بَابُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ أَنَّ جَمِيعَ الْأَخْبَارِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرَي لَهَا إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فِي شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي إِخْرَاجِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ مِنَ النَّارِ إِنَّمَا هِيَ أَلْفَاظٌ عَامَّةٌ مُرَادُهَا خَاصٌّ.
قَوْلُهُ: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ كَذَا مِنَ الْإِيمَانِ أَنَّ مَعْنَاهُ بَعْضُ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ قَدْرُ ذَلِكَ الْوَزْنِ مِنَ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَعْلَمَ أَنَّهُ يَشْفَعُ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَيْضًا غَيْرُهُ...". ذكره بطوله.
فقصده من قوله: "إِنَّمَا هِيَ أَلْفَاظٌ عَامَّةٌ مُرَادُهَا خَاصٌّ" أن الشفاعة ليست خاصة بالنبي ﷺ بل يشاركه في الشفاعة الملائكة والأنبياء والمؤمنون كما هو الواقع وكما هو صريح كلام الإمام ابن خزيمة لا كما فهمه الجهني.
فافهم هذا إن كان عندك فهم وإنصاف.
17- ثم أخرج ابن خزيمة في هذا الباب حديث أبي سعيد المتفق عليه في (2/729-730)، وفيه بيان أن الشفاعة تكون في المؤمنين الموحدين على خمس مراحل:
الأولى: في المصلين الصائمين.
والثانية: فيمن في قلبه مثقال قيراط([3]) من خير، فيخرجون بشرًا كثيرًا.
والثالثة: فيمن في قلبه مثقال نصف قيراط(1) من خير.
والرابعة: من في قلبه مثقال ذرة.
والخامسة: يقول الشافعون: «رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا، فَيَقُولُ الله: هَلْ بَقِيَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، قَدْ شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ الْأَنْبِيَاءُ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ فَهَلْ بَقِيَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، قَالَ: فَيَأْخُذُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ قَوْمًا قَدْ صَارُوا حُمَمَةً([4]) لَمْ يَعْمَلُوا لَهُ عَمَلَ خَيْرٍ قَطُّ فَيُطْرَحُوا فِي نَهَرٍ يُقَالُ لَهُ نَهَرُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ فِيهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ».
لقد ساق الإمام ابن خزيمة في هذا الكتاب: [كتاب التوحيد] أحاديث كثيرة جدًّا فيها المختصر وفيها المطول، وفيها:
الشفاعة في المصلين.
والشفاعة فيمن في قلبه كذا وكذا إلى: من في قلبه مثقال ذرة، ومن في قلبه أدنى أدنى أدنى حبة خردل من إيمان.
ثم ذكر بعد هذه المراحل من تدركهم رحمة أرحم الراحمين ممن قال: لا إله إلا الله.
فيخرجهم من النار ويدخلهم الجنة.
يؤمن الإمام ابن خزيمة بهذه الأحاديث المتضمنة لهذه الشفاعات كلها، ويسلم بها تسليمًا مطلقًا، ويؤمن ويسلم بها جميع أهل السنة السابقون لابن خزيمة واللاحقون له إلى يومنا هذا.
بخلاف أهل الأهواء السابقين منهم واللاحقين من الخوارج، فلا يؤمنون بهذه الأحاديث وما تضمنته من الشفاعات في إخراج الموحدين من النار.
ويشاركهم أيضًا المرجئة، لأنهم يعتقدون أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وعدد من الآيات القرآنية تدل على أن الإيمان يزيد، وأحاديث الشفاعة تدل على أن الإيمان ينقص وينقص حتى لا يبقى منه إلا أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة خردل من إيمان.
فافهم يا جهني عقيدة أهل السنة والجماعة القائمة على الكتاب والسنة، وافهم عقيدة المرجئة الباطلة والمخالفة لنصوص الكتاب والسنة، ولا تقذف أهل السنة بالإرجاء الذي يحاربونه بصدق وإخلاص من منطلق سلفي.
قال الجهني (ص19) من كتابه المذكور:
"لكن المقصود هو الوقوف مع هذه اللفظة التي يحتج بها، علماً بأن هذه اللفظة قد وقف عليها أئمة السنة، وعرفوا أنها قد تكون حُجَّة للمرجئة فأجابوا عنها.
من هؤلاء الأئمة الذين أجابوا عن هذا الحديث الإمام ابن خزيمة رحمه الله إمام السنة والحديث في عصره حيث قال في كتابه (التوحيد) (2/732): وهذه اللفظة: «لم يعملوا خيراً قط» من الجنس الذي يقول العرب، ينفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل، «لم يعلموا خيراً قط»: على التمام والكمال، لا على ما أوجب عليه وأمر به، وقد بينت هذا المعنى في مواضع من كتبي. انتهى كلامه".
أقول:
1- قد سلف قوله في هذه الصفحة (19-20) عن قوله ﷺ: «لم يعلموا خيراً قط» "أن المرجئة احتجوا بها".
وهذا قول باطل؛ لأن هذا القول ضد عقيدتهم التي فيها أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ذلك القول الباطل المصادم لنصوص الكتاب والسنة كما أسلفنا.
ونطالب الجهني: أين ومتى احتج المرجئة بهذا القول؟
2- انظر إليه يعترف أنني رددت على الحدادية بمقالة عنوانها: (أحاديث الشفاعة الصحيحة تدمغ الخوارج والحدادية القطبية).
ثم يتجاهل هذه الأحاديث الصحيحة المتواترة التي سلم بها أهل السنة جميعًا، ويتعلق بهذه الجملة تعلقاً باطلاً من بين تلك الأحاديث وما فيها من بيانات وتفاصيل واضحة للشفاعات المتعددة الصادرة من الملائكة والأنبياء والمؤمنين.
وما تضمنته بعض تلك الأحاديث من مراحل للشفاعات، ومنها: يخرج بالشفاعة من في قَلْبِه أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنَ إِيمَانِ، وبعدها شفاعة أرحم الراحمين فيمن قال: لا إله إلا الله.
مع مؤيدات لها يذهب الحداديون ومنهم: عبد الحميد الجهني بعيدًا كل البعد عن كل هذه الأحاديث ويتعلقون بهذه الجملة ويحاربون بها أحاديث الشفاعة ومن يؤمن بها ويسلم بها.
تلك الأساليب الرديئة التي قد يخجل منها كثير من أهل البدع والضلال.
أيها القوم: هل ما عند أهل السنة وربيع حجة إلا هذه الجملة فقط؟!
وهكذا يفعل كثير من أهل الباطل والأهواء.
3- زعم الجهني أن هذه اللفظة وقف عليها أئمة السنة وعرفوا أنها قد تكون حجة للمرجئة فأجابوا عنها.
وأقول:
حاشا أئمة السنة أن ينحدروا إلى هذا المستوى الهابط فيعتقدون أن المرجئة قد يحتجون بها، وهم يعرفون أنها من أقوى الحجج على المرجئة الذين يعتقدون أن العمل ليس من الإيمان، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
فهات أقوال أئمة أهل السنة في الإجابة عن هذه الجملة إن كنت صادقًا وإلا فدع عنك الأقاويل الباطلة؟
قوله (ص19): "من هؤلاء الأئمة الذين أجابوا عن هذا الحديث الإمام ابن خزيمة رحمه الله إمام السنة والحديث في عصره حيث قال في كتابه (التوحيد) (2/732): وهذه اللفظة: (لم يعملوا خيراً قط) من الجنس الذي يقول العرب، ينفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل، (لم يعلموا خيراً قط): على التمام والكمال، لا على ما أوجب عليه وأمر به، وقد بينت هذا المعنى في مواضع من كتبي. انتهى كلامه.
وكأنه أراد رحمه الله أن يرد على المرجئة في عصره، فهم الذين يحتجون بمثل هذه العمومات، يدل عليه تبويبه، حيث قال:
(باب ذكر الدليل أن جميع الأخبار التي تقدم ذكري لها إلى هذا الموضع في شفاعة النبي ﷺ في إخراج أهل التوحيد من النار: إنما هي ألفاظ عامة مرادها خاص). انتهى".
أقول:
قد سبق بيان مراد الإمام ابن خزيمة من هذه من نفس كلامه تحتها.
وانظر إلى هذا الرجل حيث يقول: "من هؤلاء الأئمة الذين أجابوا عن هذا الحديث الإمام ابن خزيمة".
وابن خزيمة لم يجب عن حديث وإنما أجاب عن جملة من الحديث سماها: لفظة.
أما الحديث الذي منه هذه الجملة وهو حديث أبي سعيد الذي يتضمن خمس مراحل للشفاعة، الرابعة منها يقول الله عز وجل للشفعاء: «أخرجوا منها -أي: من النار- من في قلبه مثقال ذرة».
والخامسة: يقول الله: «فَهَلْ بَقِيَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، قَالَ: فَيَأْخُذُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ قَوْمًا قَدْ صَارُوا حُمَمَةً لَمْ يَعْلَمُوا لَهُ عَمَلَ خَيْرٍ قَطُّ».
فيقال لمن يتعلق بكلام ابن خزيمة رحمه الله في تفسيره لهذه الجملة -إن كان قد صدر منه هذا الكلام-:
1-كلٌّ يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله ﷺ.
2-لقد ساق هذا الإمام أحاديث كثيرة في الشفاعة ووضع لها عناوين منها([5]):
1)"بَابُ ذِكْرِ خَبَرٍ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي إِخْرَاجِ شَاهِدِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مِنَ النَّارِ"
2)"بَابُ ذِكْرِ الْبَيَانِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَشْفَعُ لِلشَّاهِدِ لِله بِالتَّوْحِيدِ الْموَحِّدِ لِله بِلِسَانِهِ إِذَا كَانَ مُخْلِصًا وَمُصَدِّقًا بِذَلِكَ بِقَلْبِهِ، لَا لِمَنْ تَكُونُ شَهَادَتُهُ بِذَلِكَ مُنْفَرِدَةً عَنْ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ".
3)"بَابُ ذِكْرِ الْأَخْبَارِ الْمُصَرِّحَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ فِي الدُّنْيَا إِيمَانٌ» دُونَ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِهِ فِي الدُّنْيَا إِيمَانٌ مِمَّنْ كَانَ يُقِرُّ بِلِسَانِهِ بِالتَّوْحِيدِ، خَالِيًا قَلْبُهُ مِنَ الْإِيمَانِ مَعَ الْبَيَانِ الْوَاضِحِ أَنَّ النَّاسَ يَتَفَاضَلُونَ فِي إِيمَانِ الْقَلْبِ، ضِدَّ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ مِنْ غَالِيَةِ الْمُرْجِئَةِ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَكُونُ فِي الْقَلْبِ".
4)"بَابُ ذِكْرِ الْبَيَانِ أَنَّ الْمَقَامَ الَّذِي يَشْفَعُ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ لِأُمَّتِهِ هُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وَعْدَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾".
5)"بَابُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ أَنَّ جَمِيعَ الْأَخْبَارِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرَى لَهَا إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فِي شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي إِخْرَاجِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ مِنَ النَّارِ إِنَّمَا هِيَ أَلْفَاظٌ عَامَّةٌ مُرَادُهَا خَاصٌّ([6])".
أضف إلى هذا أنَّ هناك نصوصًا قرآنية، والقرآن بلسان عربي مبين، تُبيِّن أن هذا التفسير المنسوب إلى الإمام ابن خزيمة خطأ .
1-يقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾[الإسراء: 111].
فهل يجوز لمسلم أن يفسر هذه الآية على النحو الذي فسر به الإمام ابن خزيمة هذه الجملة؟ إن ثبتَ هذا التعبير عنه.
2-وقال تعالى لنبيه زكريا عليه السلام: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: 9].
فهل يصح أن يقال: ولم يكن شيئا على التمام والكمال؟
لا يصح؛ لأنه يؤدي إلى القول بأنه كان موجودًا لكن على غير التمام والكمال.
3-وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1].
فهل يصح أن يقال: إن الإنسان كان موجودًا قبل أن يخلقه الله لكن وجوده على غير الكمال والتمام؟
4-وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: 40].
فهل يصح أن يقال: إن هذا النور موجود ولكن نفي لنقصه عن الكمال والتمام؟
5-وقال تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾[نوح: 25].
فهل يصح أن يقال: إن لهم أنصارًا لكن نفى الله وجودهم لنقصان نصرتهم؟
الجواب: لا يصح أبدًا لا هذا التفسير ولا ذاك.
فهل يرضى الجهني وأنصاره بهذه التفسيرات الباطلة؟
والآيات التي تدل على بطلان هذا التفسير لهذه الجملة كثيرة، إضافة إلى أن أحاديث الشفاعة التي أوردها الإمام ابن خزيمة والتي يسلم لها هذا الإمام تسليمًا مطلقًا ويسلم لها أهل السنة تسليمًا مطلقًا كلها ترد هذا التفسير.
ونحن نعرف منزلة هذا الإمام، إن كان قد صدر منه هذا الكلام الغريب، وأنه مجتهد فيصيب ويخطئ، فما أصاب فيه فله فيه أجران، وما أخطأ فيه له فيه أجر واحد.
وهو يرد أخطاء أئمة أكبر منه رحم الله الجميع.
قال الجهني (ص20-21):
"ومما يدل على أن هذه اللفظة من المتشابه، روايات أخرى محكمة في أحاديث الشفاعة، فيها بيان واضح والحمد لله، من ذلك الرواية التي أخرجها الإمام البخاري رحمه الله في (صحيحه) (برقم/6573) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيها قال رسول الله ﷺ: (حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده، وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرج، ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله، أمر الملائكةَ أن يخرجوهم، فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود، فيخرجونهم قد امتشحوا، فيصب عليهم ماءٌ يقال له ماءُ الحياة فينبتون نبات الحبةِ في حميل السيل).
فهذه الرواية تُبيِّن أن آخر من يخرج من النار من الموحدين هم من المصلين.
وعليه فجميع الروايات المتشابهة في أحاديث الشفاعة يجب أن تحمل على هذه الرواية.
ومن فقه الإمام البخاري رحمه الله أنه أعرض عن هذه اللفظة (لم يعملوا خيراً قط) مع أنه شارك الإمام مسلمًا رحمه الله في رواية الحديث، كما سيأتي.
ولعله لاحظ ما فيها من اشتباه، فتركها خشية أن تتعلق بها المرجئة، وكان قد ترجم في كتاب العلم في (صحيحه): (باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه).
قلت: وقد عمل بهذه الترجمة في هذا الموضع، والله تعالى أعلم".
أقول:
انظر إلى هذا التلبيس والكتمان لما تضمنته أحاديث الشفاعة من التفصيلات الجلية والواضحة وضوح الشمس، ومع هذا يزعم هذا الجهني أنها من المتشابه، ذلك القول الرديء الذي يردده والذي لم يقله أهل السنة السابقون واللاحقون، ولم يقله إلا الحدادية ومن لبسوا عليه في هذا العصر.
قوله: "ومما يدل على أن هذه اللفظة من المتشابه، روايات أخرى محكمة في أحاديث الشفاعة، فيها بيان واضح والحمد لله".
أقول:
لقد تعلق بهذا النص المختصر الذي فيه شفاعة الملائكة في صنف واحد وهم المصلون فقط، ودفن الروايات المتواترة الواضحة التي فيها شفاعات النبي ﷺ مرات، وشفاعات الأنبياء والملائكة والمؤمنين مرات، والتي فيها الشفاعة في عدد من أصناف المذنبين، في من عنده مثقال دينار من إيمان، ومن في قلوبهم مثقال نصف دينار من إيمان إلى من في قلوبهم مثقال ذرة من إيمان إلى من في قلوبهم أدنى أدنى من مثقال خردلة من إيمان.
وأخيراً رحمة أرحم الراحمين فيمن قال: لا إله إلا الله. مخلصًا من قلبه.
مثل حديث أبي سعيد الذي فيه النص الواضح في خمسة أصناف من المذنبين، بدأً بالمصلين وانتهاءً بمن في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
ثم بعدها المرحلة الخامسة وهي رحمة رب العالمين.
ونحوه حديث أنس رضي الله عنه وفيه عدد من الشفاعات آخرها: الشفاعة فيمن في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة خردل من إيمان.
وبعد هذه الشفاعات يخرج أرحم الراحمين من قال: "لا إله إلا الله" مخلصاً من قلبه.
ومع وضوح هذه الأحاديث وغيرها من أحاديث الشفاعة يقول هذا الحدادي الذي امتلأ دماغه بفكر الخوارج:
"فهذه الرواية تُبيِّن أن آخر من يخرج من النار من الموحدين هم من المصلين".
يعني أن هذه الرواية تسقط كل الروايات التي فيها شفاعات الأنبياء وعلى رأسهم رسول الله ﷺ، ثم شفاعة الملائكة، ثم شفاعات المؤمنين في عدد من الأصناف، فتلك الشفاعات كلها من المتشابه في حكم هذا المسكين؛ فهو يلغي كل شفاعات رسول الله ﷺ والأنبياء والملائكة والمؤمنين بهذا الحديث المختصر.
وهكذا يكون العلم والفقه!
نصٌّ واحد اختصره بعض الرواة يسقط به هذا الحدادي الأحاديث الصحيحة المتواترة الدالة على فضل الإيمان والتوحيد وعلى رأفة الأنبياء وعلى رأسهم خاتم الأنبياء ثم الملائكة ثم المؤمنين، بل على رحمة أرحم الراحمين.
إن أهل السنة جميعًا يرون أن أحاديث الشفاعة بتفاصيلها من المحكمات، ويؤمنون بها كلها إيمانًا لاشك فيه.
وأقول:
وقبل هذه الأدلة المتواترة قول الله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء).
وقد سلّمَ بهذا النص القرآني ابن كثير في تفسيره (4/99-110).
قال –رحمه الله- في تفسيره لهذه الآية: "وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيث مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، فَلْنَذْكُرْ منها ما تيسر".
ثم ساق حوالي خمسة عشر حديثاً، ما بين حديث صحيح وضعيف منجبر.
وأخذ بمضمون هذه الآية ابن جرير والبغوي والسعدي. انظر تفاسيرهم لهذه الآية من سورة النساء رقم (48).
فأهل السنة في وادٍ، والحدادية في وادٍ آخر، في وادي الخوارج.
وقول الجهني:
"قال ابن خزيمة في كتابه التوحيد (727-728): (باب ذكر الدليل أن جميع الأخبار التي تقدم ذكري لها إلى هذا الموضع في شفاعة النبي ﷺ في إخراج أهل التوحيد من النار: إنما هي ألفاظ عامة مرادها خاص)".
أقول:
لقد بين الإمام ابن خزيمة مراده من هذه الترجمة بالكلام الآتي، فقال:
"قَوْلُهُ: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ كَذَا مِنَ الْإِيمَانِ أَنَّ مَعْنَاهُ بَعْضُ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ قَدْرُ ذَلِكَ الْوَزْنِ مِنَ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَعْلَمَ أَنَّهُ يَشْفَعُ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَيْضًا غَيْرُهُ، فَيَشْفَعُونَ، فَيَأْمُرُ اللَّهُ أَنْ يُخْرَجَ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ غَيْرِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ مَنْ كَانَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ، قَدْرُ مَا أَعْلَمَ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِشَفَاعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْ يَشْفَعُ مِنْ أُمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، إِنَّمَا يَشْفَعُ بِأَمْرِهِ، كَخَبَرِ آدَمَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَجَائِزٌ أَنْ تُنْسَبَ الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِأَمْرِهِ بِهَا".
فهذا بيان واضح لهذه الترجمة التي اختطفها الجهني وكتم ما بعدها من البيان الجلي ليلبس بها على القراء ليمشي مذهبه الباطل.
انظر أولا إلى قول ابن خزيمة:
"قَوْلُهُ: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ كَذَا مِنَ الْإِيمَانِ أَنَّ مَعْنَاهُ بَعْضُ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ قَدْرُ ذَلِكَ الْوَزْنِ مِنَ الْإِيمَانِ".
يعني أن هؤلاء إنما يشفعون في بعض من في قلبه ذلك الوزن، ويشفع غيرهم في بعض هذا النوع.
يشير بهذا إلى تعدد الشافعين من الملائكة والأنبياء وغيرهم ممن يأذن الله لهم بالشفاعة.
وهذا الحدادي يريد استغلال هذه الترجمة لتأييد قوله إن أحاديث الشفاعة متشابهة وعامة.
وكم عنده من التلبيسات والمغالطات والكتمان للنصوص التي تخالف منهجه الباطل.
قال الجهني (ص21-23):
"وقد أبطل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الاحتجاج بأحاديث الشفاعة على ما يقرره الشيخ ربيع المدخلي من ثلاثة وجوه، كافية لطالب الحق.
قال رحمه الله:
1- وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنه وغيرهما في الحديث الطويل حديث التجلي أنه: (إذا تجلى تعالى لعباده يوم القيامة سجد له المؤمنون وبقي ظهر من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة مثل الطبق لا يستطيع السجود)، فإذا كان هذا حال من سجد رياء فكيف حال من لم يسجد قط؟!
2- وثبت أيضاً في الصحيح: (أن النار تأكل من ابن آدم كل شيء إلا موضع السجود فإن الله حرم على النار أن تأكله)، فعُلم أن من لم يكن يسجد لله تأكله النار كله.
3- وكذلك ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف أمته يوم القيامة (غُرًّا محجلين من آثار الوضوء) فدلَّ على أن لم يكن غرًّا مُحجلاً لم يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون من أمته. [(مجموع الفتاوى) (612/7)].
أما الشيخ ربيع –هدانا الله وإياه- فيتبنَّى فَهماً خاصّاً به، موافقاً لفهم (المرجئة) ثم يزعم أن هذا هو فهم العلماء، كما فعل في أحاديث الشفاعة، فقد جعل ثُلة من الأئمة قائلين بقوله في الاحتجاج بأحاديث الشفاعة في نجاة تارك الأعمال، وجعل منهم شيخ الإسلام ابن تيمية!
قال الشيخ ربيع: وقل مثل ذلك في شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه قد يرى كفر تارك الصلاة، لكنه إذا وقف أمام أحاديث الشفاعة استسلم لها وصدع بمضمونها. انتهى
ثم نقل كلاماً لشيخ الإسلام ليس فيه حجة له إلَّا على طريقته في اتباع المتشابه.
وقد تقدم قريباً كلام شيخ الإسلام الواضح الصريح في الرد على استدلالات الشيخ ربيع.
والمقصود أن كل العلماء استسلموا عنده لهذا الفهم الذي يفهمه هو، ثم يجعله احتجاجاً واستسلاماً لأحاديث الشفاعة، ومن لا يتفق معه على هذا الفهم لم يؤمن عنده بأحاديث الشفاعة! ولهذا شنَّع على طلاب العلم الذين ردوا عليه فهمه لأحاديث الشفاعة، ذاك الفهم الذي وافق فيه المرجئة، بأنهم لم يؤمنوا بأحاديث الشفاعة، وكتب فيها هذه المقالة: (أحاديث الشفاعة الصحيحة تدمغ الخوارج والحدادية القطبية)، فما أعسرها هذه المسالك التي يسلكها الشيخ ربيع المدخلي فيجعل من يعتقد عقيدة السلف في أحاديث الشفاعة غير مؤمن بها بل هو حدادي تكفيري!".انتهى كلام الجهني.
أقول:
قوله: "وقد أبطل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الاحتجاج بأحاديث الشفاعة على ما يقرره الشيخ ربيع المدخلي من ثلاثة وجوه، كافية لطالب الحق".
أقول:
1-قولك عن شيخ الإسلام: "وقد أبطل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الاحتجاج بأحاديث الشفاعة على ما يقرره الشيخ ربيع" تعبير سيء يدل على الاستخفاف بأحاديث الشفاعة التي يسلم بها ويحتج بها أهل السنة، وستأتي هذه الاحتجاجات الكثيرة من شيخ الإسلام وأعلام السنة بأحاديث الشفاعة التي تغيظ الخوارج ومن سار على نهجهم.
وحاشا شيخ الإسلام رحمه الله أن يبطل شيئًا من أحاديث الشفاعة، بل هو يؤمن بها إيمانًا مطلقًا، ويسلم بها، وهذه الأقوال الثلاثة قالها حينما كان يرى كفر تارك الصلاة، ثم صار يقرر أحاديث الشفاعة كرات ومرات على أقوى الوجوه وأفضلها.
هذا ويمكن توجيه كلامه هذا على وجه لا ينافي شيئًا من أحاديث الشفاعة كما سيأتي.
2-انظر حديث أبي سعيد في الصحيحين وفيه بعد ذكر عجز المنافقين عن السجود ذكر هذه الشفاعات التي لم يذكرها شيخ الإسلام في هذا المقام([7])، وهي ثلاث شفاعات للمؤمنين في المذنبين من أهل الإيمان على اختلاف أصنافهم من المصلين وغيرهم.
والشفاعة الثالثة فيمن في قلوبهم مثقال ذرة من إيمان.
ثم في المرحلة الرابعة يقول الله الجبار: بقيت شفاعتي. فيقبض قبضة من النار يخرج أقوامًا قد امتحشوا فيلقون في نهر بأفواه الجنة... إلى آخر الحديث.
فشيخ الإسلام حاشاه أن يتعمد إخفاء هذه الشفاعات التي وردت بعد بيان حال المنافقين ومصيرهم فلا يبعد أنه حين كتابة هذا النص قد غابت عنه هذه الشفاعات، وجلَّ من لا ينسى.
لاسيما وشيخ الإسلام من أقوى الناس إيمانًا بأحاديث الشفاعة.
3-قول شيخ الإسلام: "فإذا كان هذا حال من سجد رياء فكيف حال من لم يسجد قط؟!".
يحتمل أنه يقصد صنفًا من المنافقين أجرأ على الكفر من المنافقين الذين يتظاهرون خوفا بالصلاة، ولا يقصد إسقاط الشفاعات المتقدمة بعد ذكر المنافقين في هذا الحديث حاشاه ثم حاشاه أن يقصد ذلك.
وقال الجهني حاكيًا عن شيخ الإسلام:
"2- وثبت أيضاً في الصحيح: (أن النار تأكل من ابن آدم كل شيء إلا موضع السجود فإن الله حرم على النار أن تأكله)، فعُلم أن من لم يكن يسجد لله تأكله النار كله".
أقول:
ورد في الصحيح في حديث أبي سعيد: (فيخرج –أي: الله- أقوامًا قد امتحشوا –أي: قد احترقوا- حتى صاروا كالفحم)، فهذا الصنف تنالهم الشفاعة بعد أن يحترقوا.
فلا يبعد أن شيخ الإسلام يريد هذا الصنف الذين هم آخر المذنبين خروجًا من النار.
ولو سلمنا جدلًا أن أحدًا من العلماء يخالف أحاديث الشفاعة أو شيئًا منها فإنه لا يجوز متابعته كائنًا من كان.
والله يقول: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء: 59].
ويقول الله: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء: 65].
فأنا من أهل السنة الذين يحكمون رسول الله في كل أحكامه وأحواله بما في ذلك أحاديث الشفاعة، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
وهذا بخلاف أهل الأهواء ومنهم الخوارج وأتباعهم الحدادية.
وقال الإمام الشافعي رحمه الله: "أجمع المسلمون على أن من استبانت له السنة لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس".
وقال الإمام أحمد رحمه الله: "عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى قول سفيان والله يقول: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إن ترك بعض أمره صلى الله عليه وسلم أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك".
وقال الإمام مالك رحمه الله: "كلٌّ يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر". يعني النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن القيم رحمه الله في الرسالة التبوكية (ص51):
"متابعة رسوله وترك أقوال غيره، وترك ما خالف ما جاء به والإعراض عنه وعدم الاعتناء به وتجريد متابعته تجريدًا محضًا بريئًا من شوائب الالتفات إلى غيره، فضلا عن الشركة بينه وبين غيره، فضلا عن تقديم قول غيره عليه".
فالحدادية يخالفون الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وإجماع المسلمين، ويخالفون ما يقرره العلماء من تقديم أقوال الرسول ﷺ على أقوال من يخالفه كائنًا من كان.
فكفى بذلك ضلالًا وشرًّا.
قال الجهني ناقلًا عن شيخ الإسلام قوله:
"3- وكذلك ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف أمته يوم القيامة (غُرًّا محجلين من آثار الوضوء) فدلَّ على أن لم يكن غرًّا مُحجلاً لم يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون من أمته. [(مجموع الفتاوى) (612/7)]".
أقول:
هذا القول من شيخ الإسلام -والله أعلم- صدر منه في الزمن الذي كان يرى فيه كفر تارك الصلاة، وله أقوال عديدة في الاستسلام لأحاديث الشفاعة التي تدل على شفاعات عديدة في أقوام بعد الشفاعة في المصلين، ومن آخرهم يخرج من النار بالشفاعة من في قلوبهم أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من الإيمان، ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين في قوم لم يعملوا خيرًا قط.
وللجمع بين هذه الأحاديث التي احتج بها شيخ الإسلام في وقت ما أن يقال: إن الغر المحجلين الذين يشربون من الحوض هم أفضل هذه الأمة، كالصحابة ومن تبعهم بإحسان من هذه الأمة.
وأما المذنبون من أهل الكبائر وتاركي الصلاة وغيرها من الأعمال فلا يشربون من الحوض؛ فإنهم يدخلون النار أولًا فيعذبون فيها العذاب الشديد، ثم يخرجون منها بالشفاعات من الملائكة والنبيين والمؤمنين، فهؤلاء –والله أعلم- لا يشربون من الحوض، ثم بعد الشفاعة يدخلون الجنة.
وأحاديث الشفاعة واضحة جدًّا يجب الإيمان بما دلت عليه من الشفاعات.
وشيخ الإسلام الذي يتمسح به هذا الحدادي من أقوى الناس إيمانًا بأحاديث الشفاعة التي تدل على أنه يخرج من النار من عنده أدنى من مثقال ذرة من إيمان.
وقال الجهني: "أما الشيخ ربيع –هدانا الله وإياه- فيتبنَّى فَهماً خاصّاً به، موافقاً لفهم (المرجئة) ثم يزعم أن هذا هو فهم العلماء، كما فعل في أحاديث الشفاعة، فقد جعل ثُلة من الأئمة قائلين بقوله في الاحتجاج بأحاديث الشفاعة في نجاة تارك الأعمال، وجعل منهم شيخ الإسلام ابن تيمية!".
أقول:
إن من الفجور في الخصومة ومنه القول بأن ربيعًا له فهم خاص موافق لقول المرجئة؛ فالمرجئة على اختلاف أصنافهم يعتقدون أن الإيمان لا يزيد لا ينقص، ومن هنا لا يؤمنون بما دلت عليه أحاديث الشفاعة التي تدل على أن الإيمان، ينقص وينقص حتى لا يبقى منه إلا مثقال ذرة كما يصادم فهمهم للإيمان آيات كثيرة من القرآن.
وربيع موافق مائة في المائة لإيمان أهل السنة بأحاديث الشفاعة لم يخالفهم من قريب ولا من بعيد، والقول بأني خالفتهم في فهم أحاديث الشفاعة من أشد أنواع الكذب، لكن لما دان هذا الرجل بمذهب الخوارج صارت له مواقف مخزية من أحاديث الشفاعة فهي عنده من الأقوال المتشابهة يعيد هذا القول ويبديه، وهذا من أوضح الأدلة على استخفاف هذا الحدادي بأحاديث الشفاعة وعلى مخالفته الجريئة لأهل السنة الذين يسلمون بدلالاتها تسليمًا مطلقًا.
وقال الجهني الحدادي: "قال الشيخ ربيع: وقل مثل ذلك في شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه قد يرى كفر تارك الصلاة، لكنه إذا وقف أمام أحاديث الشفاعة استسلم لها وصدع بمضمونها. انتهى".
أقول:
إن كلامي هذا عن شيخ الإسلام حق وصدق وهو اللائق به، والقول بخلافه عن شيخ الإسلام دونه خرط القتاد ويحط من مكانة هذا الإمام.
فهات قوله أو أقواله في معارضة أحاديث الشفاعة إذا وقف أمامها.
أما أنا فلم أجد منه إلا الاستسلام المطلق لأحاديث الشفاعة، حتى إنه ليسلم بكل مراحل الشفاعة بما فيها الشفاعة في إخراج من في قلبه أدنى من مثقال ذرة من إيمان، وهذا يدل على تغيير رأيه في تكفير تارك الصلاة دلالة واضحة لا يجادل فيها إلا معارض لأحاديث الشفاعة، مسفسط في هذه المعارضة.
قال الجهني بعد كلامه الباطل الذي أسلفناه: "ثم نقل كلاماً لشيخ الإسلام ليس فيه حجة له إلَّا على طريقته في اتباع المتشابه".
أقول:
لماذا لم تنقل كلام شيخ الإسلام الذي نقله عنه ربيع بالحرف؟!
ألا يدل تهربك من نقله على أن كلام شيخ الإسلام هذا يدينك؛ لأن فيه استسلامًا مطلقًا من شيخ الإسلام لأحاديث الشفاعة كما قال عنه ربيع؟
وشيخ الإسلام وأهل السنة لا يرون أن أحاديث الشفاعة من المتشابه حاشاهم من هذا الضلال، بل يرونها من المحكمات في غاية الإحكام.
فأهل السنة في واد وأنت وحزبك في واد آخر بعيد عنهم بُعدًا سحيقًا بعد ما بين المشرق والمغرب.
وقال الجهني: "وقد تقدم قريباً كلام شيخ الإسلام الواضح الصريح في الرد على استدلالات الشيخ ربيع".
أقول:
إن كلام شيخ الإسلام عن أحاديث الشفاعة ليس فيه إلا الاستسلام الواضح الصريح في مقالات عديدة لما دلت عليه هذه الأحاديث وليس فيه أي رد لاستدلال ربيع.
وقال الجهني الحدادي: "والمقصود أن كل العلماء استسلموا عنده لهذا الفهم الذي يفهمه هو، ثم يجعله احتجاجاً واستسلاماً لأحاديث الشفاعة، ومن لا يتفق معه على هذا الفهم لم يؤمن عنده بأحاديث الشفاعة! ولهذا شنَّع على طلاب العلم الذين ردوا عليه فهمه لأحاديث الشفاعة، ذاك الفهم الذي وافق فيه المرجئة، بأنهم لم يؤمنوا بأحاديث الشفاعة، وكتب فيها هذه المقالة: (أحاديث الشفاعة الصحيحة تدمغ الخوارج والحدادية القطبية)، فما أعسرها هذه المسالك التي يسلكها الشيخ ربيع المدخلي فيجعل من يعتقد عقيدة السلف في أحاديث الشفاعة غير مؤمن بها بل هو حدادي تكفيري!".انتهى كلام الجهني.
أقول:
نعم، إن كل علماء السنة وعلى رأسهم الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان سلموا بما دلت عليه أحاديث الشفاعة بكل مراحلها حتى إنهم سلموا بأنه يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال ذرة من إيمان، رغم أنوف الخوارج السابقين واللاحقين ومنهم الحدادية، ومنهم هذا الجهني الحدادي.
وقول الجهني: "إن فهم ربيع وافق فهم المرجئة" من الكذب الواضح، ونقول له:
هات فهم المرجئة المنطلق من أحاديث الشفاعة والتي فيها الدلالة على أنه يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال ذرة من إيمان؛ فإن عجزت عن ذلك عرف الناس أنك تفتري على ربيع وتقوله ما لم يقل، وأنك تختلق للمرجئة مذهبًا لا يعتقدونه بل هم ضده وضد أهل السنة.
فربيع والحمد لله موافق لفهم أهل السنة ومنهجهم وعقيدتهم حذو القذة بالقذة، وأنت وحزبك الحدادي على طريق الخوارج في مواقفهم من أحاديث الشفاعة، بل تزيدون عليهم بتشويهها والتهويش والإرجاف عليها على امتداد سنوات وسنوات، بل لكم أصول باطلة زدتموها على أصول الخوارج.
وقول الجهني: "فما أعسرها هذه المسالك التي يسلكها الشيخ ربيع المدخلي فيجعل من يعتقد عقيدة السلف في أحاديث الشفاعة غير مؤمن بها بل هو حدادي تكفيري!".
وأقول:
إن كلامك هذا لمن أبطل الباطل؛ وذلك أن الحدادية من أشد أهل الأهواء حربًا لأحاديث الشفاعة ويقولون: إنها من المتشابه.
وأنت منهم، وقد رددتَها بحديث مختصر اختصره بعض الرواة.
ولك ولهم أراجيف كثيرة ضد أحاديث الشفاعة، ولقد مرت عليهم سنوات وهم يرجفون بهذه الأباطيل في شبكة الأثري وفي شبكة الآفاق.
فكيف يدعي هذا المبطل له ولهذا النوع من حزبه أنهم يعتقدون عقيدة السلف في أحاديث الشفاعة؟
وكيف يلام من يرد هذه الضلالات والأباطيل؟
تالله لا يلومه إلا مبطل.
إن مواقف الحدادية من أحاديث الشفاعة وغيرها لمضادة لمواقف أئمة السنة والسلف الصالح رحمهم الله، وقد رددنا عليهم ولاسيما عبد الحميد الجهني في مقالات سابقة أوردنا بعضًا منها في مقال: [عبد الحميد الجهني يقول: إن أحاديث الشفاعة عامة ومن المتشابه نعوذ بالله من الجهل والهوى].
هذا وللحدادية أصول باطلة تنطوي على رمي أهل السنة السابقين واللاحقين بالإرجاء.
ومنها - أن الذين لا يُكفرون تارك الصلاة في نظرهم من المرجئة، وهذا حكم على جمهور أهل السنة بالإرجاء.
ومنها- أصلهم أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وينقص حتى لا يبقى منه شيء، والذي لا يقول: "وينقص حتى لا يبقى منه شيء" هو من المرجئة.
وهذا القول الفاجر يقتضي رمي أهل السنة السابقين واللاحقين الذين يقولون: "الإيمان قول وعمل يزيد وينقص" ، ولا يزيدون ما يشترطه الحدادية "حتى لا يبقى منه شيء"، يقتضي رميهم بالإرجاء.
ومنها- عدم تسليمهم بأحاديث الشفاعة، واعتقادهم أنها من المتشابه، ورمي من يسلم بها بالإرجاء.
ومنها- رميهم بالإرجاء من يقول: "الإيمان أصل والعمل كمال".
وهو قول أهل السنة انطلاقاً من الكتاب والسنة، فهم في حكم الحدادية مرجئة.
وبعض هذه الأصول يدينهم بحرب أهل السنة السابقين واللاحقين، والطعن فيهم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه: ربيع بن هادي العمير
3/7/1437هـ




([1]) كذا، وفي البخاري: (أول منك).

[2] - لعل "أو" هنا بمعنى الواو.

([3]) في الصحيحين: دينار.

([4]) أي: محترقين.

([5]) هذه الأحاديث والعناوين تبطل هذا التفسير.

([6]) وقد بينا مراده من هذا الكلام فيما سلف.

([7]) انظر حديث رقم (7439) من صحيح البخاري ، وقد اقتصر شيخ الإسلام رحمه الله هنا على جزء منه.

down تحميل المقال
02-06-2017 11:13 صباحا
icon ردود العلماء وطلبة العلم على الحدادي عبد الحميد بن خليوي الجهني هداه الله | الكاتب :أبو تراب عبد المصور بن العلمي |المنتدى: منبر التحذير من أعيان
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
أئمة الدعوة يصرحون بالعذر بالجهل واشتراط إقامة الحجة
الحلقة الرابعة
من دحض أباطيل عبد الحميد الجهني التي أوردها في كتابه المسمَّى زورًا بالرد العلمي
قال الجهني في كتابه المذكور (ص13):
"8- وقال الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:
لا خلاف بين الأمة أن التوحيد: لابد أن يكون بالقلب الذي هو العلم، واللسان الذي هو القول، والعمل الذي هو تنفيذ الأوامر والنواهي؛ فإن أخلَّ بشيء من هذا، لم يكن الرجل مسلماً؛ فإن أقرَّ بالتوحيد، ولم يعمل به فهو كافر، معاند، كفرعون وإبليس؛ وإن عَمِلَ بالتوحيد ظاهراً، وهو لا يعتقده باطناً، فهو منافق خالصاً، أشر من الكافر. انتهى «الدرر السَّنية» (2/124-125).
وقال أيضاً رحمه الله: اعلمْ رحِمَكَ الله: أن دين الله يكون على القلب بالاعتقاد، وبالحبِّ والبُغض، ويكون على اللِّسان بالنُّطق وترك النُّطق بالكفر، ويكون على الجوارح بفعل أركان الإسلام، وترك الأفعال التي تكفِّر، فإذا اختلَّت واحدة من هذه الثلاث، كفر وارتدَّ. انتهى (الدرر السَّنية 10/87)".
أقول:
استشهدت بهذين القولين من أقوال الإمام محمد الذي ظاهره تكفير تارك الأركان الأربعة أو تارك العمل.
ونحن لا ننكر صدور هذين القولين منه كما يفعل الحدادية.
ومع ذلك نعرف تمام المعرفة أن له أقوالًا أخرى ينص فيها جازمًا بعدم التكفير لتارك الأركان الأربعة للإسلام، بل ولا يكفر الجاهل إذا وقع في الشرك.
شأن هذا الإمام شأن المجتهدين، فقد يكون للإمام عدة أقوال في القضية الواحدة حسب ما يظهر له في كل مناسبة وفترة.
فهاك أقواله بعدم التكفير لمن ذكرنا:
1-قال في "الدرر السنية" (1/102): "وسئل الشيخ / محمد بن عبد الوهاب-رحمه الله تعالى- عما يقاتل عليه؟ وعما يكفر الرجل به؟ فأجاب: أركان الإسلام الخمسة، أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة؛ فالأربعة: إذا أقر بها، وتركها تهاوناً، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، فلا نكفره بتركها ؛ والعلماء: اختلفوا في كفر التارك لها كسلًا من غير جحود؛ ولا نكفر إلا بما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان([1]). وأيضا نكفره بعد التعريف إذا عرف وأنكر".
2-قال الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله:
ونحن لا نكفر إلا رجلاً عرف الحق وأنكره، بعدما قامت عليه الحجة، ودعي إليه فلم يقبل، وتمرد، وعاند، وما ذكر عنا من أنا نكفر غير من هذا حاله، فهو كذب علينا.[الدرر السنية] (4/20-21).
انظر إلى قول الإمام محمد رحمه الله: "وما ذكر عنا من أنا نكفر غير من هذا حاله، فهو كذب علينا".
وهذا الكذب يسير عليه الحدادية وعلى رأسهم عبدالحميد الجهني وعبد الله صوان.
3- وقال الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله:
وأما ما ذكر الأعداء عني أني أُكَفِّر بالظن وبالموالاة، أو أكفّر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله. [الدرر السنية] (13/ص113) [الرسائل الشخصية] (5/25).
وهذا كلام واضح صريح في الرد على أهل الأهواء الذين يرمون هذا الإمام بتكفير الجهال الذين لم تقم عليهم الحجة.
4- وقال الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب، إلى من يصل إليه من المسلمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: ما ذكر لكم عني أني أكفر بالعموم، فهذا من بهتان الأعداء، وكذلك قولهم: إني أقول من تبع دين الله ورسوله، وهو ساكن في بلده، أنه ما يكفيه حتى يجيء عندي، فهذا أيضا من البهتان؛ إنما المراد اتباع دين الله ورسوله، في أي أرض كانت.
ولكن نكفر من أقر بدين الله ورسوله، ثم عاداه وصد الناس عنه، وكذلك من عبد الأوثان، بعدما عرف أنها دين المشركين، وزينه للناس، فهذا الذي أكفره؛ وكل عالم على وجه الأرض يكفر هؤلاء، إلا رجل معاند، أو جاهل؛ والله أعلم، والسلام. [الدرر السنية] (13/131)، [الرسائل الشخصية] (5/58).
ونحن ندين بما يقوله هذا الإمام وبمنهج هؤلاء العلماء الذين يسير الإمام محمد على نهجهم.
5-وسئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، عما يقاتل عليه؟ وعما يكفر الرجل به؟ فأجاب:
وأما الكذب والبهتان، فمثل قولهم: إنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وإنا نكفر من لم يكفر، ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان، الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله.
وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم، الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا، أو لم يكفر ويقاتل؟: {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [سورة النور آية: 16] .(الدرر السنية 1/102-104)
6-قال الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله : وأما القول: أنا نكفر بالعموم، فذلك من بهتان الأعداء، الذين يصدون به عن هذا الدين، ونقول: {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [سورة النور آية: 16] . وصلى الله على محمد.(الدرر السنية 1/99-101).
فهذه ستة أقوال للإمام محمد ينفي فيها عن نفسه التكفير الذي يرميه به أعداؤه ويسير الحدادية على نهجهم.
فهذا الإمام لا يكفر بترك الأركان الأربعة إذا كان تاركها مُقِرًّا بها، ولا يكفر من وقع في الشرك إلا بعد إقامة الحجة، وتأمل أقواله الأخرى.
7-(رسالة الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن في بيان عقيدة الشيخ ابن عبد الوهاب وأخباره وأحواله)
قال رحمه الله: فجنس هؤلاء المشركين وأمثالهم، ممن يعبد الأولياء والصالحين، نحكم بأنهم مشركون; ونرى كفرهم، إذا قامت عليهم الحجة الرسالية; وما عدا هذا من الذنوب، التي هي دونه في المرتبة والمفسدة، لا نكفر بها.
ولا نحكم على أحد من أهل القبلة، الذين باينوا لعباد الأوثان والأصنام والقبور، بمجرد ذنب ارتكبوه، وعظيم جرم اجترحوه; وغلاة الجهمية والقدرية والرافضة، ونحوهم ممن كفرهم السلف، لا نخرج فيهم عن أقوال أئمة الهدى والفتوى، من سلف هذه الأمة، ونبرأ إلى الله مما أتت به الخوارج، وقالته في أهل الذنوب من المسلمين. (الدرر السنية 1/522).
فهذا الإمام إسحاق يُبرِّئ دعوته ودعوة الإمام محمد ومن سار على نهجه من التكفير إلا بعد إقامة الحجة.
8- أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمهم الله تعالى:
ونحن لا نكفر إلا رجلا عرف الحق وأنكره، بعدما قامت عليه الحجة، ودعي إليه فلم يقبل، وتمرد وعاند، وما ذكر عنا من أنا نكفر غير من هذا حاله، فهو كذب علينا.(الدرر السنية 3/20-21)
ثم قال الجهني:
"9- وقال سماحة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم رحمه الله: إجماع بين أهل العلم أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فلابد من الثلاثة، لابد أن يكون هو المعتقد في قلبه، ولابد أن يكون هو الذي ينطق به لسانه، ولابد أن يكون هو الذي تعمل به جوارحه، فإن اختلَّ شيء من هذا لو وحَّد بلسانه دون قلبه ما نفعه توحيده، ولو وحَّد بقلبه وأركانه دون لسانه ما نفعه ذلك، ولو وحَّد بأركانه دون الباقي لم يكن الرجل مسلماً، هذا إجماع أن الإنسان لابد أن يكون موحداً باعتقاده ولسانه وعمله، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند إذا اعتقد ولا نطق ولا عمل بالحق بأركانه فهذا كافر عند جميع الأمة. (تقريرات العلامة محمد بن إبراهيم على «كشف الشبهات»: 126).
أقول:
قال الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ –رحمه الله- يدفع شبهات أهل الضلال وافتراءاتهم على الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله- في شرحه لـِ"كشف الشبهات" (ص50).
قال: "إن الشيخ - رحمه الله -لما تصدى للدعوة إلى الله وبين ما عليه الكثير من الشرك الأكبر تصدى بعض الجهال بالتشبيه على جهال مثلهم، وزعموا أن المصنف -رحمه الله- يكفر المسلمين وحاشاه من ذلك بل لا يكفر إلا من عمل مكفرًا وقامت عليه الحجة فإنه يكفره فقصد كشف تلك الشبه المشبهة على الجهال وردها وإن كانت أوهى من خيوط العنكبوت لكن تشوش عليهم".
ونبه –رحمه الله- على اشتراط قيام الحجة في (ص75) من هذا الكتاب.
وقال الجهني:
"10- وقال سماحة الشيخ الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله: الإيمان عندهم (أي: السلف) قول وعمل واعتقاد، لا يصح إلَّا بها مجتمعة. انتهى («أقوال ذوي العرفان» ص147 – تأليف عصام السناني- مراجعة الشيخ العلاَّمة صالح الفوزان).
"قلت: فهذه أقوال أئمة الدين، المحتج بكلامهم في هذا الباب وثمة أقوال أُخرى، أضعاف ما ذكرته لأئمة آخرين تركتها خشية الطول، وفيما ذكرته مقنع لطالب الحق، وكفاية للمُسترشد".انتهى.
أقول:
إن الإمام عبد العزيز بن باز وهيئة كبار العلماء ليشترطون إقامة الحجة قبل الحكم بالكفر، ومما قالوه في ردهم على دعاة وحدة الأديان:
"خامسا‏:‏ ومن أصول الإسلام أنه يجب اعتقاد كفر كل من لم يدخل في الإسلام من اليهود والنصارى وغيرهم، وتسميته كافرا ممن قامت عليه الحجة. وأنه عدو لله ورسوله والمؤمنين، وأنه من أهل النار، كما قال تعالى‏:‏ سورة البينة الآية ‏{‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ‏}‏‏.
وقال تعالى‏:‏ سورة الأنعام الآية 19 ‏{‏وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ‏}‏ وقال تعالى‏:‏ سورة إبراهيم الآية 52 ‏{‏هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ‏}‏ الآية، وغيرها من الآيات‏.‏ وثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ صحيح مسلم الإيمان ‏(‏153&rlmwink_3‏، مسند أحمد بن حنبل ‏(‏2/317&rlmwink_3‏‏.‏ والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة‏:‏ يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار‏.‏ ولهذا فمن لم يكفر اليهود والنصارى فهو كافر، طردا لقاعدة الشريعة‏:‏ ‏(‏من لم يكفر الكافر بعد إقامة الحجة عليه فهو كافر&rlmwink_3‏‏".
ثم واصلوا الكلام في الرد على دعاة وحدة الأديان إلى قولهم:
"عاشرا‏:‏ ومما يجب أن يعلم‏:‏ أن دعوة الكفار بعامة، وأهل الكتاب بخاصة إلى الإسلام واجبة على المسلمين، بالنصوص الصريحة من الكتاب والسنة، ولكن ذلك لا يكون إلا بطريق البيان والمجادلة بالتي هي أحسن، وعدم التنازل عن شيء من شرائع الإسلام، وذلك للوصول إلى قناعتهم بالإسلام، ودخولهم فيه، أو إقامة الحجة عليهم ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة".‏
[ فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء / (الجزء رقم : 12، الصفحة رقم: 275) / الفتوى رقم (19402)].
(الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز) رئيسًا و(الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ نائبًا)
وعضوية كل من الشيخ د. بكر أبو زيد، و الشيخ د. صالح بن فوزان الفوزان.
أقول:
وهناك أئمة آخرون من أئمة الدعوة يعذرون بالجهل ويشترطون إقامة الحجة ومنهم:
1- قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، يحدِّث عن نعمة الله عز وجل عليهم حين دخلوا مكة بغير قتال في أيام الإمام سعود بن عبدالعزيز، قال خلال حديثه هذا:
"ونحن نقول فيمن مات: تلك أمة قد خلت، ولا نكفر إلا من بلغته دعوتنا للحق، ووضحت له المحجة، وقامت عليه الحجة، وأصر مستكبرا معاندا، كغالب من نقاتلهم اليوم، يصرون على ذلك الإشراك، ويمتنعون من فعل الواجبات، ويتظاهرون بأفعال الكبائر والمحرمات ; وغير الغالب إنما نقاتله لمناصرته من هذه حاله، ورضاه به، ولتكثير سواد من ذكر، والتأليب معه، فله حينئذ حكمه في قتاله، ونعتذر عمن مضى بأنهم مخطئون معذورون؛ لعدم عصمتهم من الخطأ، والإجماع في ذلك ممنوع قطعا، ومن شن الغارة فقط غلط". الدرر السنية (1/234).
2- ومنهم الإمام عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ.
قال –رحمه الله- في "الدرر السنية" (11/317):
"وقال شيخنا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-: سألني الشريف عما نقاتل عليه، وما نكفّر به؟ فقال في الجواب: إنا لا نقاتل إلا على ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان بعد التعريف، إذا عرف ثم أنكر... ".
3- ومنهم الإمام عبد اللطيف آل الشيخ.
قال –رحمه الله- في "الدرر السنية" (1/467) مؤكداً ما قاله آباؤه:
" وأخبرتهم ببراءة الشيخ، من هذا المعتقد والمذهب وأنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله، من الشرك الأكبر والكفر بآيات الله ورسله أو بشيء منها بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر كتكفير من عبد الصالحين ودعاهم مع الله، وجعلهم أنداداً له فيما يستحقه على خلقه، من العبادات والإلهية وهذا: مجمع عليه أهل العلم والإيمان".
4- ومنهم الإمام ابن سحمان.
قال –رحمه الله- في "الضياء الشارق" (ص35)، مطابع الرياض: "فمن أنكر التكفير جملة فهو محجوج بالكتاب والسنة، ومن فرق بين ما فرق الله ورسوله من الذنوب، ودان بحكم الكتاب والسنة، وإجماع الأمة في الفرق بين الذنوب والكفر فقد أنصف، ووافق أهل السنة والجماعة. ونحن لم نكفر أحداً بذنب دون الشرك الأكبر الذي أجمعت الأمة على كفر فاعله، إذا قامت عليه الحجة، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد كما حكاه في "الإعلام" لابن حجر الشافعي".
أقول:
هذه أقوال أئمة الدعوة الصريحة والواضحة وضوح الشمس في العذر بالجهل واشتراط إقامة الحجة قبل تكفير من وقع في الكفر وخلال هذه التصريحات يحكون الإجماع على ما يصرحون به.
ثم إن من عجائب وغرائب عبد الحميد الجهني هذه الأقوال التي سردها عن هؤلاء الأئمة بدأً بالإمام الشافعي وانتهاءً بالإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ ليس فيها أي رد على قول أهل السنة: (الإيمان أصل والعمل كمال) كيف يتصور مسلم عاقل أن يرد هؤلاء الأئمة قولًا دل عليه الكتاب والسنة وصرح به أئمة الإسلام وهو قول أهل السنة جميعًا.
فهذا المفلس لا يدري ما يخرج من رأسه، ولا يدري ما يهذي به لسانه!.
وهاك أقوال إمامين ممن صرح بأن الإيمان أصل والعمل كمال، وتارة يقولان: فرع. وهذان الإمامان من جملة عشرة أئمة([2]) فيما وقفت عليه صرحوا بأن الإيمان أصل والعمل كمال.
1- قال الإمام محمد بن إسحاق بن منده في كتابه الإيمان (1/331-332) بعد أن ذكر أقوال الطوائف في الإيمان:
"وقال أهل الجماعة: الإيمان هو الطاعات كلها بالقلب واللسان وسائر الجوارح غير أن له أصلا وفرعا.
فأصله المعرفة بالله والتصديق له وبه وبما جاء من عنده بالقلب واللسان مع الخضوع له والحب له والخوف منه والتعظيم له ,مع ترك التكبر والاستنكاف والمعاندة ,فإذا أتى بهذا الأصل فقد دخل في الإيمان ولزمه اسمه وأحكامه ,ولا يكون مستكملا له حتى يأتي بفرعه وفرعه المفترض عليه أو الفرائض واجتناب المحارم ,وقد جاء الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الإيمان بضع وسبعون أو ستون شعبة أفضلها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان) .
فجعل الإيمان شعبا بعضها باللسان والشفتين ,وبعضها بالقلب ,وبعضها بسائر الجوارح".
وقال أيضا في كتاب الإيمان (1/350) : " قال الله عز وجل (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ*تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) .
فضربها مثلاً لكلمة الإيمان وجعل لها أصلا وفرعا وثمرًا تؤتيه كل حين".
2- قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
1- "ثم هو (يعني الإيمان) في الكتاب بمعنيين:‏ أصل، وفرع واجب، فالأصل الذي في القلب وراء العمل ؛ فلهذا يفرق بينهما بقوله‏:‏ ‏(آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ&rlmwink_3 ‏[‏البينة‏:‏7‏]‏ والذي يجمعهما كما في قوله‏:‏ ‏( ‏إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ‏ ) ‏[‏الأنفال‏:‏2‏]‏، و( ‏لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ‏ ) ‏ ‏[‏التوبة‏:‏44‏]‏‏.‏ وحديث الحياء، ووفد عبد القيس، وهو مركب من أصل لا يتم بدونه، ومن واجب ينقص بفواته نقصًا يستحق صاحبه العقوبة، ومن مستحب يفوت بفواته علو الدرجة، فالناس فيه ظالم لنفسه ومقتصد وسابق، كالحج وكالبدن والمسجد وغيرها من الأعيان، والأعمال والصفات، فمن سواء أجزائه ما إذا ذهب نقص عن الأكمل ومنه ما نقص عن الكمال، وهو ترك الواجبات أو فعل المحرمات، ومنه ما نقص ركنه وهو ترك الاعتقاد والقول، الذي يزعم المرجئة والجهمية أنه مسمى فقط، وبهذا تزول شبهات الفرق، وأصله القلب وكماله العمل الظاهر، بخلاف الإسلام فإن أصله الظاهر، وكماله القلب‏".‏
أقول:
ففي هذا النص جعل شيخ الإسلام للإيمان معنيين أصلاً وفرعاً و أشار إلى كون العمل كمالاً للإيمان بقوله "فمن سواء أجزائه ما إذا ذهب نقص عن الأكمل ومنه ما نقص عن الكمال وهو ترك الواجبات أو فعل المحرمات إلخ وأكد هذا التقرير بقوله عن الإيمان :"وأصله القلب وكماله العمل الظاهر".
وقال عن الفرق بينه وبين الإسلام : ( بخلاف الإسلام ) فإن أصله الظاهر ,وكماله القلب " .
فماذا يقول المتطفلون على علوم الإسلام وعقائده في هذا الإمام الجهبذ وفي تقريره هذا عن الإيمان والعمل ؟!!.
2- وقال -رحمه الله- : "والدين القائم بالقلب من الإيمان علمًا وحالًا هو الأصل، والأعمال الظاهرة هي الفروع، وهي كمال الإيمان‏ .‏
فالدين أول ما يبنى من أصوله ويكمل بفروعه، كما أنزل اللّه بمكة أصوله من التوحيد والأمثال التي هي المقاييس العقلية، والقصص، والوعد، والوعيد، ثم أنزل بالمدينة ـ لما صار له قوة ـ فروعه الظاهرة من الجمعة والجماعة، والأذان والإقامة، والجهاد، والصيام، وتحريم الخمر والزنا، والميسر وغير ذلك من واجباته ومحرماته‏.‏
فأصوله تمد فروعه وتثبتها، وفروعه تكمل أصوله وتحفظها، فإذا وقع فيه نقص ظاهر فإنما يقع ابتداء من جهة فروعه؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة&rlmwink_3.
أقول:
صرح شيخ الإسلام هنا بأن الإيمان هو الأصل والأعمال الظاهرة هي الفروع وهي كمال الإيمان وأن أصوله تمد فروعه وتثبتها وأن فروعه تكمل أصوله .
4- وقال -رحمه الله- : " وكذلك يذكر الإيمان أولاً لأنه الأصل الذي لا بد منه .
ثم يذكر العمل الصالح فإنه أيضاً من تمام الدين لا بد منه ,فلا يظن الظان اكتفاءه بمجرد إيمان ليس معه العمل الصالح".
وهنا بين شيخ الإسلام عن الإيمان هو الأصل الذي لا بد منه وأن العمل الصالح من تمام الدين لا بد منه ".
فأنت ترى أنه أعتبر العمل من تمام الدين يعنى الإيمان ,وهذا أمر يبِّدع به أهل الفتن فهل من مدكر ".
5- وقال -رحمه الله- : " ثم أكثر المتأخرين الذين نصروا قول جهم يقولون بالاستثناء في الإيمان ,ويقولون sad( الإيمان في الشرع )) هو ما يوافي به العبد ربه ,وإن كان في اللغة أعم من ذلك ,فجعلوا في ((مسألة الاستثناء )) مسمى الإيمان ما ادعوا أنه مسماه في الشرع ,وعدلوا عن اللغة ,فهلا فعلوا هذا في الأعمال. ودلالة الشرع على أن الأعمال الواجبة من تمام الإيمان لا تحصى كثرة, بخلاف دلالته على أنه لا يسمى إيمانا ؛ إلا ما مات الرجل عليه فإنه ليس في الشرع ما يدل على هذا ,وهو قول محدث لم يقله أحد من السلف".
انظر إلى شيخ الإسلام كيف صرح أن دلالة الشرع على أن الأعمال الواجبة من تمام الإيمان لا تحصى كثرة أي أنها من كمال الإيمان فقد جعل الأعمال الواجبة من تمام الإيمان.
أقول: إن منهج الحدادية ليقتضي إنكار هذه الدلالات الشرعية التي لا تحصى؛ فما أخطر هذا المنهج.
وهذا أمر منكر وإرجاء خطير عند جهال أهل الفتن والشغب فماذا يقول فيهم من يهون من شأنهم و من خطر فتنتهم؟" ويرى أنه يجب السكوت عنهم .
6- وقال -رحمه الله- : "وإذا ذكر اسم الإيمان مجرداً، دخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة،كقوله في حديث الشعب‏ : ‏‏( ‏الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها‏:‏ قول لا إله إلا اللّه، وأدناها‏:‏ إماطة الأذى عن الطريق &rlmwink_3‏‏.‏ وكذلك سائر الأحاديث التي يجعل فيها أعمال البر من الإيمان‏.‏
ثم إن نفي ‏‏الإيمان‏ عند عدمها ،دل على أنها واجبة ،وإن ذكر فضل إيمان صاحبها -ولم ينف إيمانه- دلَّ على أنها مستحبة ؛فإن اللّه ورسوله لا ينفي اسم مسمى أمر - أمر اللّه به ورسوله -إلاَّ إذا ترك بعض واجباته ،كقوله ‏: ‏‏(‏لا صلاة إلا بأم القرآن ) ‏،وقوله‏ : ‏‏(‏لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له&rlmwink_3‏ ونحو ذلك‏.‏
فأما إذا كان الفعل مستحباً في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب ،فإن هذا لو جاز ،لجاز أن ينفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان والصلاة والزكاة والحج ؛لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه‏ .‏ وليس أحد يفعل أفعال البر مثل ما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم؛ بل ولا أبو بكر ولا عمر‏.‏ فلو كان من لم يأت بكمالها المستحب يجوز نفيها عنه، لجاز أن ينفي عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل‏.
فمن قال‏:‏ إن المنفي هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة، فقد صدق‏.
وإن أراد أنه نفي الكمال المستحب ،فهذا لم يقع قط في كلام اللّه ورسوله، ولا يجوز أن يقع ؛فإن من فعل الواجب كما وجب عليه ،ولم ينتقص من واجبه شيئاً ،لم يجز أن يقال ‏:‏ ما فعله لا حقيقة ولا مجازاً‏ .‏ فإذا قال للأعرابي المسيء في صلاته ‏:‏‏( ‏ارجع فَصَلِّ ،فإنك لم تُصَلِّ‏ ) ‏،وقال لمن صلى خلف الصف-وقد أمره بالإعادة - ‏: ‏‏(‏لا صلاة لفَذٍّ خلف الصف)‏ كان لترك واجب، وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) ‏[‏الحجرات‏:‏15‏]‏، يبين أن الجهاد واجب، وترك الارتياب واجب " ‏.
ذكر شيخ الإسلام هنا حديث" الإيمان بضع وسبعون شعبة ,وذكر أن أعمال البر من الإيمان ,وذكر ما يفيد أن للإيمان كمالا واجبا وكمالا مستحبا ,وأنه إذا نفي الإيمان عن المسلم فإنما يراد بهذا النفي نفي الكمال الواجب لا الكمال المستحب .
مثل " لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن " ,فنفي الصلاة هنا عن من لم يقرأ بأم القرآن دليل على وجوب قراءة الفاتحة لا استحبابها وبعض العلماء يقول إن النفي هنا نفي للكمال الواجب لا نفي لحقيقة الصلاة .
ونفي الإيمان عن من لا أمانة له يدل على أن الأمانة من الواجبات وهي من كمال الإيمان ,وليس المراد بنفي الإيمان عنه أنه كافر خارج من ملة الإسلام .
وننبه القارئ هنا على أن هذا الحديث ضعيف ,وقد يكون عند شيخ الإسلام صالحاً للاحتجاج به ,وعلى كل حال فإن قصد شيخ الإسلام من التمثيل به في مثل هذا السياق بيان أن مثل هذا النفي إنما يراد به نفي الكمال الواجب لا نفي حقيقة الإيمان ولا نفي الكمال المستحب .
ويلتحق بهذا مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يزني الزاني حين يزنى وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن "متفق عليه .
ومثل قوله صلى الله عليه وسلم :" والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل: ومن يا رسول الله قال : الذي لا يأمن جاره بوائقه " متفق عليه واللفظ للبخاري .
فليس المراد هنا تكفير هؤلاء العصاة بالكبائر التي ارتكبوها ولا إخراجهم من الإسلام كما يعتقد الخوارج وليس المراد نفي كمال الإيمان المستحب عنهم وإنما المراد نفي الكمال الواجب .
فالذي لا يجيز أن يقال إن للإيمان كمالا وتماما ماذا يقول في نفي الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر والمنتهب ومؤذي جاره ؟ .
إن قال المراد نفي الكمال الواجب تبين بطلان مذهبه في رمي من يقول بأن الإيمان أصل والعمل كمال بالإرجاء.
وإن قال إن المنفي عن العاصي: الزاني وغيره إنما هو الإيمان المقابل للكفر الأكبر المخرج من الإسلام ,فقد نادى على نفسه بأنه من الخوارج المكفرين بالذنوب .
7- وقال رحمه الله تعالى في المجموع (13/157-159) : " وقال‏:‏‏( ‏ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء )‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏24-27‏]‏ .
والأصول مأخوذة من أصول الشجرة وأساس البناء ؛ولهذا يقال فيه ‏:‏ الأصل ما ابتنى عليه غيره ،أو ما تفرع عنه غيره‏ .‏
فالأصول الثابتة هي أصول الأنبياء ،كما قيل‏:‏
أيها المغتدي لتطلب عـــلمــا ** كـل علم عبد لعلــم الرســول
تطلب الفرع كي تصحح حكما ** ثم أغفلت أصل أصل الأصـول
واللّه يهدينا وسائر إخواننا المؤمنين إلى صراطه المستقيم ،صراط الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا‏.‏
وهذه الأصول ينبني عليها ما في القلوب، ويتفرع عليها‏.‏
وقد ضرب اللّه مثل الكلمة الطيبة التي في قلوب المؤمنين، ومثل الكلمة الخبيثة التي في قلوب الكافرين‏.‏ و‏‏الكلمة‏ هي قضية جازمة وعقيدة جامعة، ونبينا صلى الله عليه وسلم أوتي فواتح الكلام، وخواتمه وجوامعه، فبعث بالعلوم الكلية والعلوم الأولية والآخرية على أتم قضية، فالكلمة الطيبة في قلوب المؤمنين -وهي العقيدة الإيمانية التوحيدية- كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، فأصل أصول الإيمان ثابت في قلب المؤمن كثبات أصل الشجرة الطيبة وفرعها في السماء‏ (‏إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ&rlmwink_3‏ [‏ فاطر‏:‏10‏]‏ والله -سبحانه- مَثَّل الكلمة الطيبة ،أي‏ :‏ كلمة التوحيد ،بشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء " .‏
وهنا استدل شيخ الإسلام بهذه الآية التى ضرب الله فيها المثل للكلمة الطيبة كلمة التوحيد والإيمان بالشجرة الطيبة لها أصل ثابت وفرعها في السماء فكما أن لهذه الشجرة الطيبة أصل يقوم عليها فروع ولها ثمار طيبة كذلك شجرة الإيمان لها أصل ثابت ولها فروع وثمار طيبة والأصل كما قال ما انبنى عليه غيره أو ما تفرع عنه غيره.
هكذا يفهم العلماء الراسخون القرآن وأمثاله المضروبة وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون .
8- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- :
" قال عمر بن عبد العزيز : " من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح " فأما العمل الصالح بالباطن والظاهر : فلا يكون إلا عن علم ، ولهذا أمر الله ورسوله بعبادة الله والإنابة إليه ، وإخلاص الدين له ونحو ذلك ، فإن هذه الأسماء تنتظم العلم والعمل جميعاً : علم القلب وحاله ، وإن دخل في ذلك قول اللسان وعمل الجوارح أيضاً ، فإن وجود الفروع الصحيحة مستلزم لوجود الأصول ، وهذا ظاهر ، ليس الغرض هنا بسطه " مجموع الفتاوى (2/382) .
9- وقال أيضًا: "والدين القائم بالقلب من الإيمان علماً وحالاً هو " الأصل " والأعمال الظاهرة هي " الفروع " وهي كمال الإيمان " مجموع الفتاوى (10/355).
فهذه تسعة تصريحات يصرح فيها شيخ الإسلام بأن الإيمان والعمل فرع، وأحيانًا يقول: فروع.
وهو قول أهل السنة والجماعة كما صرح بذلك الإمام محمد بن إسحاق بن مندة في كتابه [الإيمان] كما أسلفنا نقل قوله.
ودليل الجماعة (أي: أهل السنة): كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن يخالف في هذا فهو مخالف للكتاب والسنة ولأهل السنة والجماعة، نعوذ بالله من ذلك.
كتبه
ربيع بن هادي عمير المدخلي
1/6/1437هـ


([1]) انظر إلى قول هذا الإمام:"ولا نكفر إلا بما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان"، فهذا رجوع منه عن تكفير تارك الأركان الأربعة إلى ما أجمع عليه العلماء.

([2]) وقد نشرت أقوال هؤلاء الأئمة في مقال بعنوان: هل يجوز أن يُرمَى بالإرجاء من يقول : [إنَّ الإيمان أصل والعملَ كمال (فرعٌ)"؟].

down تحميل المقال
02-06-2017 11:10 صباحا
icon ردود العلماء وطلبة العلم على الحدادي عبد الحميد بن خليوي الجهني هداه الله | الكاتب :أبو تراب عبد المصور بن العلمي |المنتدى: منبر التحذير من أعيان
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
دحض أباطيل عبد الحميد الجهني التي أوردها في كتابه
المسمَّى زورًا بالرد العلمي
الحلقة الثالثة
(إبطال دعوى الإجماع المنسوب إلى الإمام الشافعي بالأدلة والبراهين)
قال الجهني الحدادي في كتابه (ص8):
"قال الإمام الشافعي رحمه الله: وكان الإجماع من الصحابة، والتابعين من بعدهم، ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلَّا بالآخر...".
أقول:
إن دعوى الإجماع هذه المنسوبة إلى الإمام الشافعي لا تصح ولا تثبت عنه ولا عن غيره من السلف قبله.
وهاك أقوال أئمة السنة:
نقل شيخ الإسلام ما ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام من أقوال أهل السنة في تعريف الإيمان، فقال رحمه الله:
"قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ الْإِمَامُ - وَلَهُ كِتَابٌ مُصَنَّفٌ فِي الْإِيمَانِ قَالَ -: هَذِهِ تَسْمِيَةُ مَنْ كَانَ يَقُولُ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ.
مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: عُبَيْدُ بْن عُمَيْرٍ الليثي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ مُجَاهِدُ بْنُ جَبْرِ وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ؛ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ؛ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ؛ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ جَرِيحٍ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ دَاوُد بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ الْعَطَّارُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ.
وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ الزَّهْرِيُّ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِالرَّحْمَنِ أَبُو حَازِمٍ الْأَعْرَجُ سَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ هِشَامُ ابْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمْرِيُّ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي ذِئْبٍ سُلَيْمَانُ ابْنُ بِلَالٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي الماجشون - عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ.
وَمِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ: طَاوُوسٌ الْيَمَانِيُّ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ.
وَمِنْ أَهْل مِصْرَ وَالشَّامِ: مَكْحُولٌ الأوزاعي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الأيلي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ يَزِيدُ بْنُ شريح سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ حيوة بْنُ شريح، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ.
وَمَنْ سَكَنَ الْعَوَاصِمَ وَغَيْرَهَا مِنْ الْجَزِيرَةِ: مَيْمُونُ بْنُ مهران، يَحْيَى بْنُ عَبْدِالْكَرِيمِ، مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الرقي، عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَالِكٍ، المعافي ابْنُ عِمْرَانَ، مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْحَرَّانِي، أَبُو إسْحَاقَ الفزاري، مخلد بْنُ الْحُسَيْنِ، عَلِيُّ بْنُ بكار، يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ، عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ، مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ.
وَمِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ: عَلْقَمَةُ، الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، أَبُو وَائِلٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْم عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، إبْرَاهِيمُ النَّخَعِي، الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، سَلَمَةُ بْنُ كهيل، مُغِيرَةُ الضبي، عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، أَبُو حَيَّانَ، يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، سُلَيْمَانُ بْنُ مهران، الْأَعْمَشُ، يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ، سُفْيَانُ ابْنُ عُيَيْنَة، الْفُضَيْل بْنُ عِيَاضٍ، أَبُو الْمِقْدَامِ، ثَابِتُ بْنُ الْعَجْلَانِ، ابْنُ شبرمة، ابْنُ أَبِي لَيْلَى، زُهَيْرٌ، شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، أَبُو الْأَحْوَصِ، وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، أَبُو أُسَامَةَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ، زَيْدُ بْنُ الحباب، الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الجعفي، مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ العبدي، يَحْيَى بْنُ آدَمَ وَمُحَمَّدٌ وَيَعْلَى وَعَمْرُو بَنُو عُبَيْدٍ.
وَمِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِين قتادة ابْنُ دِعَامَةَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ المزني أَيُّوبُ السختياني يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ سُلَيْمَانُ التيمي هِشَامُ ابْنُ حَسَّانَ الدستوائي شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ أَبُو الْأَشْهَبِ يَزِيدُ ابْنُ إبْرَاهِيمَ أَبُو عَوَانَةَ وهيب بْنُ خَالِدٍ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التيمي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ يَزِيدُ بْنُ زريع الْمُؤَمِّلُ ابْنُ إسْمَاعِيلَ خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي. وَمِنْ أَهْلِ وَاسِطٍ: هشيم بْنُ بَشِيرٍ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ صَالِحُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ. وَمِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ: الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ أَبُو جَمْرَةَ نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ النَّضْرُ بْنُ شميل جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الضبي.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هَؤُلَاءِ جَمِيعًا يَقُولُونَ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ. وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَنَا".اهـ.
أقول:
لقد بلغ عدد هؤلاء الأئمة (134)، انظر [مجموع الفتاوى] (7/309-311).
وأضاف أبو عبيد قوله: "وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَنَا".
فهؤلاء الأئمة من التابعين فمن بعدهم، وكلهم أو جلهم سابق للإمام الشافعي لم يزيدوا أو أحد منهم على القول بأن "الإيمان قول وعمل يزيد وينقص"، ألا يدل هذا كله على بطلان تلك الزيادة: "لا يجزئ واحد من الثلاثة إلَّا بالآخر".
فنحن نُسلِّم بما نقله الشافعي بقوله: "الإيمان قول وعمل يزيد وينقص"؛ لأنه موافق لما قاله أئمة الإسلام المذكورون.
ونرد هذه الزيادة لظهور بطلانها ومخالفتها لما قاله ونقله أئمة الإسلام الوارد ذكرهم فيما أسلفنا.
ونقله الإمام البخاري عن ألف عالم من مختلف بلدان الإسلام.
وفيما نقله أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان عن علماء الإسلام من مختلف البلدان.
وفيما نقله أبو عبيد عن علماء مختلف البلدان الإسلامية، وقد مضى في صدر هذا المقال.
فلو سلمنا بهذه الزيادة لاقتضى هذا التسليم رمي السلف جميعًا بالإرجاء على مذهب الحدادية، ولا سيما من نقل عنهم الأئمة: أبو عبيد، والإمام البخاري، وأبو حاتم، وأبو زرعة أنهم كلهم يقولون: إن الإيمان قولٌ وعملٌ يزيد وينقص.
ومنهم من يقتصر على القول بأن الإيمان: قولٌ، وعملٌ.
فهل يرتدع الحدادية عن التعلق بهذه الزيادة المنسوبة إلى الإمام الشافعي برأه الله منه، أو يصرون على التشبث بها؟ فيظهر للقراء أنهم يقذفون السلف جميعًا بالإرجاء. ويظهر للقراء أن هذه الفئة شر من الخوارج.
ثم أقول:
ولا نستبعد أن يكون بعض الخوارج قد دسَّ هذه الزيادة في كتاب اللالكائي.
فلأهل الأهواء مكر وألاعيب معروفة:
1- فقد كذبوا على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كثيراً وكثيراً.
2-وكذبوا على علي رضي الله عنه، وكتب الروافض مليئة بالكذب على علي رضي الله عنه وعلى أهل بيته.
قال الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه:
حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابًا، وَيُخْفِي عَنِّي، فَقَالَ: «وَلَدٌ نَاصِحٌ أَنَا أَخْتَارُ لَهُ الْأُمُورَ اخْتِيَارًا، وَأُخْفِي عَنْهُ»، قَالَ: فَدَعَا بِقَضَاءِ عَلِيٍّ، فَجَعَلَ يَكْتُبُ مِنْهُ أَشْيَاءَ، وَيَمُرُّ بِهِ الشَّيْءُ، فَيَقُولُ: «وَاللهِ مَا قَضَى بِهَذَا عَلِيٌّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَلَّ».
3-ويكذبون على العلماء كيدًا ومكرًا، ومن ذلك الكذب على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ومنه ما قال ابن القيم رحمه الله في [روضة المحبين] (ص131):
"وأما من حاكمتمونا إليه وهو شيخ الإسلام ابن تيمية فنحن راضون بحكمه فأين أباح لكم النظر المحرم وعشق المردان والنساء الأجانب وهل هذه إلا كذب ظاهر عليه وهذه تصانيفه وفتاواه كلها ناطقة بخلاف ما حكيتموه عنه وأما الفتيا التي حكيتموها فكذب عليه لا تناسب كلامه بوجه ولولا الإطالة لذكرناها جميعها حتى يعلم الواقف عليها أنها لا تصدر عمن دونه فضلا عنه وقلت لمن أوقفني عليها هذه كذب عليه لا يشبه كلامه وكان بعض الأمراء قد أوقفني عليها قديما وهي بخط رجل متهم بالكذب وقال لي ما كنت أظن الشيخ برقة هذه الحاشية ثم تأملتها فإذا هي كذب عليه ولولا الإطالة لذكرنا من فتاويه ما يبين أن هذه كذب...".

قال الجهني في كتابه (ص9 - 14):
"ودونك أيها القارئ الكريم أقوال أئمة السُّنة في أن الإيمان لا يصح من غير عمل، وهي كلمة إجماع بينهم لم يخالفهم سوى المرجئة ومن نحا نحوهم".
ثم نقل بهذا الصدد أقوال عشرة من الأئمة.
قال:
"1- قال الإمام الشافعي رحمه الله: وكان الإجماع من الصحابة، والتابعين من بعدهم، ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلَّا بالآخر.
نقله عنه الإمام اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (5/886)، وشيخ الإسلام ابن تيمية، كما في «مجموع الفتاوى» (7/209)، (7/308)، وكلاهما عزاه إلى كتاب «الأم» للشافعي".
أقول:
أولا: إن هذا القول الذي نُسب إلى الإمام الشافعي لا يثبت عنه بحال كما أسلفنا.
ودونك أيها القارئ مرة ثانية الأدلة الواضحة الجلية الدالة على بطلان نسبة هذا القول إلى هذا الإمام:
1- نقل الإمام ابن أبي حاتم عن الإمام الشافعي في [آداب الشافعي ومناقبه] (ص192)، حيث قال رحمه الله:
"حدثنا أبي، قال: سمعت حرملة بن يحيى قال: اجتمع حفص الفرد ومصلاق
الإباضي عند الشافعي في دار الجروي يعني بمصر فاختصما في الإيمان فاحتج مصلاق في الزيادة والنقصان، واحتج حفص الفرد في أن الإيمان قول، فعلا حفص الفرد على مصلاق وقوي عليه، وضعف مصلاق، فحمي الشافعي وتقلّد المسألة على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، فطحن حفصاً الفرد وقطعه".
2- وقال أبو نعيم في "الحلية" (9/114-115):
" حدثنا محمد بن عبد الرحمن حدثني أبو أحمد حاتم بن عبدالله الجهازي قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ثم تلا هذه الآية : (ويزداد الذين آمنوا إيمانا ...) الآية.
حدثنا عبدالله بن محمد بن يعقوب ثنا أبو حاتم قال: سمعت الربيع يحكي عن الشافعي قال ما أعلم في الرد على المرجئة شيئا أقوى من قول الله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة)".
وقال –رحمه الله-: "حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا عبدالله بن محمد بن يعقوب ثنا أبو حاتم قال: سمعت حرملة بن يحيى يقول: اجتمع حفص الفرد ومصلان الأباضي عند الشافعي في دار الجروي وأنا حاضر واختصم حفص الفرد ومصلان في الإيمان فاحتج على مصلان وقوي عليه وضعف مصلان فحمى الشافعي وتقلد المسألة على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فطحن حفصا الفرد وقطعه".
وأورده البيهقي من هذا الوجه في "مناقب الشافعي" (1/387).
3- وقال ابن عبد البر –رحمه الله- في "الانتقاء" (ص81):
"وذكر أبو القاسم عبيدالله بن عمر البغدادي الشافعي الذي استجلبه الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين وأسكنه الزهراء حدثنا محمد بن علي قال: نا الربيع قال: سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل واعتقاد بالقلب ألا ترى قول الله عز وجل: (وما كان الله ليضيع إيمانكم)، يعني صلاتكم إلى بيت المقدس، فسمى الصلاة إيمانا وهي قول وعمل وعقد، قال الربيع: وسمعت الشافعي يقول: الإيمان يزيد وينقص".
4- وقال البيهقي –رحمه الله- في "مناقب الشافعي" (1/385):
" أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثني الزبير بن عبد الواحد الحافظ، بأسداباذ، قال: حدثني يوسف بن عبد الأحد، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: سمعت الشافعي -رضي الله عنه- يقول: الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص".
5- وقال الحافظ ابن حجر –رحمه الله- في "فتح الباري" (1/46-47):
"وقال الحاكم في مناقب الشافعي: حدثنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع قال: سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص. وأخرجه أبو نعيم في ترجمة الشافعي من الحلية من وجه آخر عن الربيع وزاد : يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. ثم تلا: (ويزداد الذين آمنوا إيمانا) الآية".
أقول:
هذان الإمامان: حرملة والربيع من أبرز تلاميذ الإمام الشافعي ولم ينقلا عنه هذا القول، بل نقلا ما تراه من الكلام الذي يتفق مع كلام أئمة السنة، ولو كان هذا ثابتًا عن الإمام الشافعي لَـنَقَلَاه، وهؤلاء عدد من أئمة السنة ينقلون هذا القول دون أي تردد.
ثانيًا: إن هذا الإجماع المزعوم لم ينقله أحد من العلماء الكبار الذين ألَّفوا كتبًا خاصة بالإجماعات، وعلى رأسهم الإمام أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر المتوفى سنة (318) في كتابه الإجماع، حيث ذكر عددًا من الإجماعات تتعلق بالصلاة بما فيها اللباس والوتر من رقم (33-76)، ولم يذكر في هذا الموضع الإجماع على كفر تارك الصلاة.
ثم قال في (ص158) كتاب الساحر والساحرة:
"60- كتاب تارك الصلاة. قال أبو بكر: لم أجد فيهما إجماعًا".
فهذا الإمام ابن المنذر العلامة الواسع الاطلاع وهو من تلاميذ تلاميذ الإمام الشافعي ومن أعرف الناس بمذهبه لم يجد إجماعًا على كفر تارك الصلاة، ألا يدل هذا وذاك على بطلان هذا الإجماع المنسوب إلى الإمام الشافعي؟!
ثم قال هذا الإمام -أعني ابن المنذر- في كتابه [الإشراف على مذاهب العلماء] (8/246-247):
"1 - باب اختلاف أهل العلم في تارك الصلاة
قال أبو بكر:
م 5414 - اختلف أهل العلم فيمن ترك الصلاة عامداً حتى يخرج وقتها لغير عذر.
فقالت طائفة: هو كافر.
هذا قول إبراهيم النخعي، وأيوب السختياني، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق.
وقال أحمد: لا يكفر أحد بذنب إلا تارك الصلاة عمداً، فإن تارك الصلاة إلى أن يدخل وقت صلاة أخرى يستتاب ثلاثاً.
وبه قال سليمان بن داود، وأبو خيثمة، وأبو بكر بن أبي شيبة.
وقالت طائفة: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. ولم تسمِّهِ هذه الطائفة كافراً.
هذا قول مكحول، وبه قال مالك، وحماد بن زيد، ووكيع، والشافعي.
قال الشافعي: "وقد قيل: يُستتاب تارك الصلاة ثلاثًا، وذلك إن شاء الله حسن، فإن صلى في الثلاث وإلا قتل".
وفيه قول ثالث: وهو أن يضرب ويسجن. هذا قول الزهري.
وسئل الزهري عن رجل ترك الصلاة، قال: إن كان إنما تركها ابتدعٍ ديناً غير الإِسلام قتل، وإن كان إنما هو فاسق، ضرب ضرباً مبرحاً وسجن.
وقال النعمان: يضرب ويحبس حتى يصلي.
فهؤلاء عدد من الأئمة ومنهم الإمام الشافعي لا يكفرون تارك الصلاة.
وهذا الإمام محمد بن نصر المروزي، وهو ممن يقول بكفر تارك الصلاة يقول بعد نقله لأدلة من لا يكفر تارك الصلاة في كتابه "تعظيم قدر الصلاة" (2/ 956-957):
"قالوا: فهذه الأخبار تدل على أن تارك الصلاة حتى تجاوز وقتها غير كافر.
قالوا: وفى اتفاق عامة أهل العلم على أن التارك للصلاة حتى خرج وقتها متعمدا، يعيدها قضاء، ما يدل على أنه ليس بكافر، لأن الكافر لا يؤمر بقضاء ما ترك من الصلاة في قول عامة العلماء.
وكان ممن ذهب هذا المذهب من علماء أصحاب الحديث الشافعي -رضي الله عنه- وأصحابه أبو ثور وغيره، وأبو عبيد في موافقيهم".
وأقول:
إن قول الإمام الشافعي ومن قبله: مكحول، ومالك، وحماد بن زيد، ووكيع بعدم تكفير تارك الصلاة يدل على بطلان هذا الإجماع وعلى بطلان نسبته إلى الإمام الشافعي.
وقد ألَّف في الإجماع بعد الإمام ابن المنذر: ابن حزم، وابن القطان، لم يذكرا إجماعًا على كفر تارك الصلاة، وهذا مما يؤكد بطلان دعوى هذا الإجماع".
وقال الإمام البغوي رحمه الله في [شرح السنة] (2/180) باب وعيد تارك الصلاة: "وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَمَكْحُولٌ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: تَارِكُ الصَّلاةِ كَالْمُرْتَدِّ، وَلا يَخْرُجُ بِهِ عَنِ الدِّينِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يُقْتَلُ، بَلْ يُحْبَسُ وَيُضْرَبُ حَتَّى يُصَلِّيَ، كَمَا لَا يُقْتَلُ تَارِكُ الصَّوْمِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ".اهـ
وقال الإمام ابن القيم –رحمه الله- في "كتاب الصلاة" (ص5-9) ط/قطر:
"حكم تارك الصلاة عمداً.
لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمدًا من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر وأن إثمَه عند الله أعظم من إثم قتل النفس وأخذ الأموال ومن إثم الزنا والسرقة وشرب الخمر وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا والآخرة.
ثم اختلفوا في قتله وفي كيفية قتله وفي كفره.
فأفتى سفيان بن سعيد الثوري وأبو عمرو الأوزاعي وعبد الله بن المبارك وحماد بن زيد ووكيع بن الجراح ومالك بن أنس ومحمد بن إدريس الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه واصحابهم بأنه يقتل.
ثم اختلفوا في كيفية قتله فقال جمهورهم: يقتل بالسيف ضربا في عنقه. وقال بعض الشافعية: يضرب بالخشب إلى أن يصلي أو يموت. وقال ابن سريج: ينخس بالسيف حتى يموت؛ لأنه أبلغ في زجره وأرجى لرجوعه.
والجمهور يحتجون بقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب الإحسان في كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة" وضرب العنق بالسيف أحسن القتلات وأسرعها إزهاقا للنفس وقد سن الله سبحانه في قتل الكفار المرتدين ضرب الأعناق دون النخس بالسيف وإنما شرع في حق الزاني المحصن القتل بالحجارة ليصل الألم إلى جميع بدنه حيث وصلت إليه اللذة بالحرام؛ ولأن تلك القِتلة أشنع القتلات والداعي إلى الزنا داع قوي في الطِّباع فجعلت غلظة في مقابلة قوة الداعي؛ ولأن في هذه العقوبة تذكيرًا بعقوبة الله لقوم لوطٍ بالرَّجم بالحجارة على ارتكاب الفاحشة.
ثم قال رحمه الله:
"فصل
وقال ابن شهاب الزهري وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وأبو حنيفة وداود ابن علي والمزني يحبس حتى يموت أو يتوب ولا يقتل، واحتج لهذا المذهب بما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" رواه البخاري.
وعن ابن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئٍ مسلم يشهد أن لا إله الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة". أخرجاه في الصحيحين.
قالوا: ولأنها من الشرائع العملية فلا يقتل بتركها كالصيام والزكاة والحج.
قال الموجبون لقتله قال الله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} فأمر بقتلهم حتى يتوبوا من شركهم ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.
ومن قال لا يقتل تارك الصلاة يقول متى تاب من شركه سقط عنه القتل وإن لم يقم الصلاة ولا آتى الزكاة وهذا خلاف ظاهر القرآن".
فهؤلاء عدد من أئمة الإسلام من قبل الإمام الشافعي لا يكفرون تارك الصلاة ويرون قتله إن لم يتب ويلتزم الصلاة.
وعلى رأس هؤلاء الأئمة: سعيد بن المسيب، والزهري، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم وهم من التابعين، فهؤلاء الأئمة من أعيان التابعين لا يكفرون تارك الصلاة ومنهجهم هذا يدل على بطلان دعوى الإجماع.
ثم قال الجهني:
"2- قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: الإيمان لا يكون إلَّا بعمل.
رواه عنه الإمام الخلال في «السنة» (3/566)".
أقول:
لا يبعد أن يكون قصد الإمام أحمد بيان أهمية العمل في الإسلام، ونحن نقول بذلك.
ومعروف عن الإمام أحمد أنه يقول بكفر تارك الصلاة، ومعروف عنه قوله في رسالته إلى مسدد:
"والإيمان قول وعمل يزيد وينقص: زيادته إذا أحسنت، ونقصانه: إذا أسأت. ويخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام شيء إلا الشرك بالله العظيم، أو يرد فريضة من فرائض الله عز وجل جاحدا بها، فإن تركها كسلا أو تهاونا كان في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه" ، "طبقات الحنابلة" (1/343)، نشر دار المعرفة.
فالإمام أحمد هنا لا يكفر بترك الصلاة ولا يكفر إلا بالشرك بالله العظيم، أو الجحود، ويؤكد قوله هذا ما رواه عنه الخلال في السنة (1/588)، حيث قال:
أخبرنا محمد بن علي قال: ثنا صالح قال: سألت أبي ما زيادته ونقصانه؟ قال: زيادته العمل ونقصانه ترك العمل مثل تركه الصلاة والزكاة والحج وأداء الفرائض فهذا ينقص ويزيد بالعمل.
وقال: إن كان قبل زيادته تاما فكيف يزيد التام؟ فكما يزيد كذا ينقص، وقد كان وكيع قال: ترى إيمان الحجاج مثل إيمان أبي بكر وعمر رحمهما الله؟. إسناده صحيح.
وهذان القولان يستفاد منهما رجوعه عن تكفير تارك الصلاة؛ انطلاقًا من أحاديث الشفاعة، والله أعلم.
وقال نحوه ابن بطة في كتابه "الشرح والإبانة" (ص124-125).
ومن كلام أبي علي الحسن بن أحمد المعروف بابن البناء الحنبلي في كتابه "الرد على المبتدعة" خلال حديثه عن الشفاعة (ص193-195) قال:
"فصل وشفاعة نبينا -صلى الله عليه وسلم- في أهل الكبائر من أمته خلافاً للقدرية في قولهم: (ليس له شفاعة).
ومن دخل النار عقوبة خرج منها عندنا: بشفاعته، وشفاعة غيره، ورحمة الله عز وجل حتى لا يبقى في النار واحد قال مرة واحدة في دار الدنيا: (لا إله إلا الله) مخلصاً، وآمن به، وإن لم يفعل الطاعات بعد ذلك".
ومعروف عن الإمام أحمد أنه يبرئ من الإرجاء من يقول: "الإيمان يزيد وينقص".
قال الخلال في "السنة" (3/581) رقم (1009):
"أخبرني موسى بن سهل قال: ثنا محمد بن أحمد الأسدي قال: ثنا إبراهيم بن يعقوب عن إسماعيل بن سعيد قال: سألت أحمد عن من قال: الإيمان يزيد وينقص، قال: هذا بريء من الإرجاء".
وقال الإمام البربهاري في "شرح السنة" (ص123): "ومن قال: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فقد خرج من الإرجاء أوله وآخره".
وَقَالَ الإمام الفُضَيْل بن عياض: "يَقُولُ أَهْلُ الْإِرْجَاءِ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ وَيَقُولُ الْجَهْمِيَّةُ: الْإِيمَانُ الْمَعْرِفَةُ بِلَا قَوْلٍ وَلَا عَمَلٍ.
وَيَقُولُ أَهْلُ السُّنَّةِ: الْإِيمَانُ الْمَعْرِفَةُ وَالْقَوْلُ وَالْعَمَلُ.
فَمَنْ قَالَ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ فَقَدْ أَخَذَ بِالْوَثِيقَةِ.
وَمَنْ قَالَ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ. فَقَدْ خَاطَرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيُقْبَلُ إِقْرَارُهُ أَوْ يُرَدُّ عَلَيْهِ بِذُنُوبِهِ"، "السنة" للإمام عبدالله بن أحمد (1/376).
فهؤلاء الأئمة يبرِّئون من الإرجاء من يقول الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وأنتم أيها الحداديون لا ترفعون رؤوسكم بهذه الأقوال القائمة على العدل والإنصاف، بل أنتم تخالفونهم وتخالفون المئات من أهل السنة في أقوالهم السديدة؛ لأنكم لستم على منهجهم، بل أنتم على منهج الخوارج الذين ينصبون العداء لأهل السنة والجماعة.

ثم قال الجهني:
"3- وسُئل الإمام سهل بن عبد الله التُّسْتَري (ت283هـ) رحمه الله عن الإيمان ما هو؟ فقال:
هو قول ونية وعمل وسنة؛ لأن الإيمان إذا كان قولًا بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولًا وعملاً بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولاً وعملاً ونية بلا سنة فهو بدعة. «الإبانة الكبرى» للإمام ابن بطة (2/814).
قلت: ليس تعريف سهل بن عبد الله التُّستري رحمه الله للإيمان يخالف التعريف المتواتر عن السلف: أن الإيمان قول وعمل، بل هو شرح له.([1])
يُبيّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فيقول:
قول السلف (يعني أن الإيمان قول وعمل): يتضمن القول والعمل الباطن والظاهر؛ لكن لما كان بعض الناس قد لا يفهم دخول النيةِ في ذلك؛ قال بعضهم: (ونيةٌ)، ثم بين آخرون: أن مطلق القول والعمل والنية لا يكون مقبولا إلا بموافقةِ السنةِ. وهذا حق أيضا فإن أُولئِك قالوا: قول وعمل ليبينوا اشتماله على الجنس ولم يكن مقصودهم ذكر صفات الأقوال والأعمال؛ وكذلك قول من قال: اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، جعل القول والعمل اسما لما يظهر؛ فاحتاج أن يضم إلى ذلك اعتقاد القلب ولابد أن يدخل في قوله: اعتقاد القلب أعمال القلب المقارنةِ لتصديقه مثل حب الله وخشيةِ الله؛ والتوكل على الله ونحو ذلك، فإن دخول أعمال القلب في الإيمان أولى من دخول أعمال الجوارح باتفاق الطوائِف كلها. انتهى «مجموع الفتاوى» (7/506)".
أقول:
ثم انظر إلى عمل هذا الرجل، يعترف بأن قول السلف: الإيمان قول وعمل.
ثم يرجف هو وحزبه على من يقول: الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص. ويرمونهم بالإرجاء.
ثم إن كلام سهل فيه تكفير لتارك العمل والصلاة، وبه يقول بعض السلف؛ أخذًا منهم بنصوص فيها تكفير تارك الصلاة، ويخالفهم بعض السلف، ولهم أدلتهم الكثيرة، ومنها: أحاديث فضل التوحيد، وأحاديث الشفاعة المتواترة، وفي بعضها ذكر أنه يخرج من النار طبقات منها: يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال ذرة من إيمان، وبعدها تأتي شفاعة أرحم الراحمين.
فهذا الصنف ليس لهم أعمال غير التوحيد، وما يقوم عليه التوحيد، وليس لهم شيء من أعمال الجوارح، وأحاديث الشفاعة مُسلَّم بها عند السلف أهل السنة جميعاً، ولا يخالفهم فيها إلا أهل الضلال من الخوارج والمعتزلة. والحدادية يركضون وراء هؤلاء الضلال فيقولون: إن أحاديث الشفاعة من المتشابه.
وهذا منهم عين الضلال.
فأحاديث الشفاعة من النصوص المحكمة التي اتفق على التسليم بها أهل السنة والجماعة أولهم وآخرهم.
وتذكر أيها القارئ الكريم أقوال أئمة السنة التي أسلفنا في مقالي السابق بعنوان: [عبدالحميد الجهني يقول إن أحاديث الشفاعة من المتشابه].
وقول شيخ الإسلام لا يعد تفسيرًا لكلام سهل.
وإنما فيه بيان وتركيز على أعمال القلوب، وأن دخولها في الإيمان أولى من دخول أعمال الجوارح باتفاق.
والحدادية لا يقيمون وزنًا لأعمال القلوب.
ثم قال الجهني:
"4- وقال الإمام الآجُرِّي رحمه الله في «الشريعة» (1/274): (باب: القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح لا يكون مؤمنًا، إلَّا أن تجتمع فيه هذه الخصال الثلاث).
ثم قال رحمه الله: اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح.
ثم اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلَّا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقًا، ولا تجزئ معرفة بالقلب، ونطق باللسان، حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال: كان مؤمناً دلَّ على ذلك القرآن، والسُّنة، وقول علماء المسلمين.
وقال أيضاً (1/275): الأعمال –رحمكم الله- بالجوارح: تصديق عن الإيمان بالقلب واللسان، فمن لم يصدق الإيمان بعمله وبجوارحه: مثل الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصيام والحج والجهاد، وأشباه لهذه ورضي من نفسه بالمعرفة والقول لم يكن مؤمناً، ولم ينفعه المعرفة والقول، وكان تركه للعمل تكذيباً منه لإيمانه، وكان العمل بما ذكرناه تصديقاً منه لإيمانه، وبالله التوفيق. انتهى
وقال رحمه الله (1/311): بل نقول والحمد لله قولاً يوافق الكتاب والسنة، وعلماء المسلمين الذين لا يستوحش مَن ذَكَرهم، وقد تقدم ذكرنا لهم: إن الإيمان معرفة بالقلب تصديقاً يقيناً، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، ولا يكون مؤمناً إلَّا بهذه الثلاثة، لا يجزئ بعضها عن بعض، والحمد لله على ذلك. انتهى
أقول:
إن أقوال الإمام الآجري تتضمن نفي الإيمان عن من لا يقوم بأعمال الجوارح، وهذا:
1-يحتمل أنه يكفر تارك عمل الجوارح.
2- ويحتمل أنه يقصد أنه كفرٌ لا يخرج صاحبه من ملة الإسلام.
كما في قوله –صلى الله عليه وسلم-: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ".
ومثل قوله –صلى الله عليه وسلم-: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن" . قيل: ومن يا رسول الله ؟ قال: "الذي لا يأمن جاره بوائقه".
ومثل قوله –صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ أَتَى حَائِضًا، أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ».
وما جرى مجرى هذه النصوص مما يقصد به كفر دون كفر عند أهل السنة.
ويرجح هذا الاحتمال الثاني إيمانه المطلق وتسليمه المطلق بكل أحاديث الشفاعة وأحاديث فضل التوحيد كما في كتابه "الشريعة".
وهاك بعض أقواله:
قال –رحمه الله- في "الشريعة" (ص274):
1-"بابُ وجُوبِ الْإِيمَانِ بِالشَّفَاعَةِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: اعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ , أَنَّ الْمُنْكِرَ لِلشَّفَاعَةِ يَزْعُمُ أَنَّ مَنْ دَخَلَ النَّارَ فَلَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا , وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ يُكَذِّبُونَ بِهَا , وَبِأَشْيَاءَ سَنَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , مِمَّا لَهَا أَصْلٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَسُنَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ , وَقَوْلِ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَالْمُعْتَزِلَةُ يُخَالِفُونَ هَذَا كُلَّهُ, لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا إِلَى سُنَنِ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَإِنَّمَا يُعَارِضُونَ بِمُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ , وَبِمَا أَرَاهُمُ الْعَقْلُ عِنْدَهُمْ , وَلَيْسَ هَذَا طَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا هَذَا طَرِيقُ مَنْ قَدْ زَاغَ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ وَقَدْ لَعِبِ بِهِ الشَّيْطَانُ , وَقَدْ حَذَّرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِمَّنْ هَذِهِ صِفَتِهِ , وَحَذَّرَنَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَذَّرَنَاهُمْ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا.
فَأَمَّا مَا حَذَّرَنَاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَحَذَّرَنَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ , هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٍ} [آل عمران: 7] إِلَى قَوْلِهِ: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}.
قول هذا الإمام:
"وَلَيْسَ هَذَا طَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا هَذَا طَرِيقُ مَنْ قَدْ زَاغَ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ وَقَدْ لَعِبِ بِهِ الشَّيْطَانُ , وَقَدْ حَذَّرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِمَّنْ هَذِهِ صِفَتِهِ , وَحَذَّرَنَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...". إلخ
تنطبق هذه التحذيرات على الفرقة الحدادية التي ترجف وتهوش على أحاديث فضل التوحيد وأحاديث الشفاعة ومن يسلم بها.
715-حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ هَارُونُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ قَالَ: أَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ , عَنْ أَيُّوبَ , عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ , عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} [آل عمران: 7] الْآيَةَ فَقَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَاحْذَرُوهُمْ».
716-حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: نا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: نا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ: أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ , عَنِ الْقَاسِمِ , عَنْ عَائِشَةَ رَحِمَهَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} [آل عمران: 7] إِلَى قَوْلِهِ عَزَّوَجَلَّ: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ} [آل عمران: 7] مِنْهُ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ سَمَّاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَكُمْ , فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَاحْذَرُوهُمْ» قَالَهَا ثَلَاثًا".
فهذه النصوص تنطبق على الحدادية ومنهم هذا الجهني، فليتوبوا إلى الله من محاربة نصوص الكتاب والسنة، ومن محاربة من يسلم بها وينقاد لها.
وساق أدلة أخرى.
2- ثم قال في (ص276-277):
"قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الْمُكَذِّبَ بِالشَّفَاعَةِ أَخْطَأَ فِي تَأْوِيلِهِ خَطَأً فَاحِشًا خَرَجَ بِهِ عَنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ عَمَدَ إِلَى آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكُفْرِ , أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَّهُمْ إِذَا دَخَلُوا النَّارَ أَنَّهُمْ غَيْرُ خَارِجَيْنَ مِنْهَا, فَجَعَلَهَا الْمُكَذِّبُ بِالشَّفَاعَةِ فِي الْمُوَحِّدِينَ, وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى أَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ أَنَّهَا إِنَّمَا هِيَ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ , وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا , فَخَرَجَ بِقَوْلِهِ السُّوءِ عَنْ جُمْلَةِ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَيْمَانِ , وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].
أقول:
وللحدادية نصيب من ضلال هؤلاء الذين نص عليهم الإمام الآجري، وما وجهه إليهم من الذم والطعن؛ لأن هؤلاء الحدادية يعتبرون أحاديث الشفاعة الواضحة والمتواترة من المتشابه، ويرمون بالإرجاء من يؤمن بها ويسلم بها ويرى أنها من المحكمات، كما أنهم لا يرفعون رأسًا بقول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).
ثم قال:
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَكُلُّ مَنْ رَدَّ سُنَنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَنَ أَصْحَابِهِ فَهُوَ مِمَّنْ شَاقَقَ الرَّسُولَ وَعَصَاهُ , وَعَصَى اللَّهَ تَعَالَى بِتَرْكِهِ قَبُولَ السُّنَنِ , وَلَوْ عَقَلَ هَذَا الْمُلْحِدُ وَأَنْصَفَ مِنْ نَفْسِهِ , عَلِمَ أَنَّ أَحْكَامَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَجَمِيعَ مَا تَعَبَّدَ بِهِ خَلْقَهُ إِنَّمَا تُؤْخَذُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ , وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَنْ يُبَيِّنَ لِخَلْقِهِ مَا أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ مِمَّا تَعَبَّدَهُمْ بِهِ , فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44].
وَقَدْ بَيَّنَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِأُمَّتِهِ جَمِيعَ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ مِنْ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ وَبَيَّنَ لَهُمْ أَمْرَ الدُّنْيَا وَأَمْرَ الْآخِرَةِ وَجَمِيعَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَلَمْ يَدَعْهُمْ جَهَلَةً لَا يَعْلَمُونَ حَتَّى أَعْلَمَهُمْ أَمْرَ الْمَوْتِ وَالْقَبْرِ وَمَا يَلْقَى الْمُؤْمِنُ , وَمَا يَلْقَى الْكَافِرُ , وَأَمْرَ الْمَحْشَرِ وَالْوُقُوفَ وَأَمْرَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ حَالًا بَعْدَ حَالٍ يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْحَقِّ , وَسَنَذْكُرُ كُلَّ بَابٍ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى".
أقول:
استفيدوا أيها الحدادية من كلام هذا الإمام ولا تكونوا من الذين يشاقون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ثم واصل الكلام إلى (ص279)، ثم قال: "باب مَا رُوِيَ أَنَّ الشَّفَاعَةَ إِنَّمَا هِيَ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ".
ثم ساق حديثين من طرق عن جابر وعن أنس نصهما «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي».
3-ثم قال في (ص280): "بَابُ مَا رُوِيَ أَنَّ الشَّفَاعَةَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ تَعَالَى شيئاً".
ثم أورد حديثاً عن أبي هريرة من ثلاث طرق عن أبي صالح وعن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ وَأَخَّرْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا».
ونص حديث أبي سعيد عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلَ مِنْكَ , لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ , أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ نَفْسِهِ ".
أقول:
انظر إلى ترجمة هذا الإمام لهذين الحديثين عن أبي هريرة بقوله: "بَابُ مَا رُوِيَ أَنَّ الشَّفَاعَةَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ تَعَالَى شيئًا" مسلمًا بما دل عليه هذان الحديثان، وكل أهل السنة يسلمون بها وبأحاديث الشفاعة كلها المتواترة كلها، ويرون أن هذه النصوص النبوية الصحيحة حق، ومن المحكمات، ويسلمون بما دلت عليه وتضمنته.
والحدادية يرون أنها من المتشابه، ويرجفون عليها وعلى من يؤمن بها ويرى أنها من المحكمات ويسلم بها، ويحاربونه أشد الحرب ويرمونه بالإرجاء.
ثم قال رحمه الله في (ص281):
"بَابُ ذِكْرِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا, وَاخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي».
ثم أورد حديثاً من ثلاث طرق عن أبي هريرة ونصه:
أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا فَأَنَا أُرِيدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
أخرجه البخاري في الرقاق حديث (6570)، وأحمد في "المسند" (2/494).
ثم أورد حديثاً عن أنس –رضي الله عنه- رواه أحمد والبخاري ومسلم.
ثم قال في (ص282) باب (67): "بَابُ ذِكْرِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ يُدْخِلَ نِصْفَ أُمَّتِي الْجَنَّةَ أَوِ الشَّفَاعَةَ فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ».
وساق حديثاً طويلاً عن عوف بن مالك الأشجعي قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ.
وساق قطعة منه: «إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فَخَيَّرَنِي بَيْنَ الشَّفَاعَةِ وَبَيْنَ أَنْ يُدْخِلَ نِصْفَ أُمَّتِي الْجَنَّةَ فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ , اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ شَفَاعَتِكَ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُشْهِدُ مَنْ حَضَرَنِي أَنَّ شَفَاعَتِي لِمَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا»، ولقد سلم هذا الإمام بهذا الحديث وما في معناه، والحدادية يحاربون أشد الحرب من يسلم بهذه الأحاديث.
ثم ساقه مرة أخرى عن عوف بن مالك –رضي الله عنه-. أخرجه الإمام أحمد (4/493)، ثم ساق أبواباً أخرى في الشفاعة.
ثم قال في (ص290) : "قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حُسَيْنٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَأَنَا أَرْجُو لِمَنْ آمَنَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الشَّفَاعَةِ وَبِقَوْمٍ يُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ , وَبِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ , وَبِجَمِيعِ مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْمَحَبَّةِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَصَحَابَتِهِ وَأَزْوَاجِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ: أَنْ يَرْحَمَنَا مَوْلَانَا الْكَرِيمُ , وَلَا يَحْرِمَنَا وَإِيَّاكُمْ مِنْ تَفَضُّلِهِ وَرَحْمَتِهِ , وَأَنْ يُدْخِلَنَا وَإِيَّاكُمْ فِي شَفَاعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَشَفَاعَةِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ , وَأَزْوَاجِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ , وَمَنْ كَذَّبَ بِالشَّفَاعَةِ , فَلَيْسَ لَهُ فِيهَا نَصِيبٌ , كَمَا قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ –رضي الله عنه-".
أقول:
وأنا ربيع أؤمن بأحاديث الشفاعة المتواترة والثابتة عن خاتم النبين وسيد الشفعاء –عليه الصلاة والسلام-، ولا أنكر منها كلمة ولا حرفاً، وأرجو الله أن يدخلني في شفاعة محمد –صلى الله عليه وسلم-، وأن يعيذني من حال من ينكرها ويعدها من المتشابه، ويورد عليها الشبه مثل الحدادية.
وإني لأرجو أن يوفقهم الله إلى التوبة النصوح من هذه الأساليب والمواقف، ومن طعنهم في أهل السنة السابقين واللاحقين ورميهم بالإرجاء بغياً وعدواناً، وبناء منهم على منهج باطل وأصول فاسدة مناقضة لنصوص الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح.
ثم قال الجهني:
"5- وقال الإمام أبو عبد الله بن بطة رحمه الله في «الإبانة» (2/795) بعد أن ذكر الآيات الدالة على أن العمل من الإيمان-: فقد تلوت عليكم من كتاب الله عز وجل ما يدل العقلاء من المؤمنين أن الإيمان قول وعمل، وأن من صدَّق بالقول وترك العمل كان مكذِّباً وخارجاً من الإيمان، وأن الله لا يقبل قولاً إلَّا بعمل ولا عملاً إلَّا بقول. انتهى".
أقول:
ولابن بطة قول آخر بعدم تكفير تارك الصلاة، بل يقول: "ويخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام ولا يخرجه من الإسلام إلا الشرك بالله أو يرد فريضة من فرائض الله...". إلخ. انظر [الشرح والإبانة] (ص124-125).
ولا يبعد أن يكون قد رجع عن التكفير إلى هذا القول؛ تسليمًا منه بأحاديث فضل التوحيد وأحاديث الشفاعة، وتأسيًا بأئمة الإسلام الذين لا يكفرون إلا بالشرك.
ثم قال الجهني:
"6- وقال الإمام الزاهد القدوة شيخ قرطبة أبو عبد الله بن أبي زَمَنين رحمه الله (ت399هـ) في (أصول السنة ص207): والإيمان بالله هو باللسان والقلب، وتصديق ذلك العمل؛ فالقول والعمل قرينان لا يقوم أحدهما إلا بصاحبه. انتهى".
ونحن نقول:
إن العمل من الإيمان، وله أهمية كبرى عند الله وعند رسوله وعند أهل السنة والجماعة، وأن تارك العمل أو بعضه مستحق لغضب الله ومستحق للعذاب الشديد بالنار.
ونؤمن بحصول الشفاعة للموحدين حتى لمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان.
ثم قال الجهني:
"7- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: حقيقة الدين: هو الطاعة والانقياد، وذلك إنما يتم بالفعل لا بالقول فقط؛ فمن لم يفعل لله شيئاً فما دان لله ديناً، ومن لا دين له فهو كافر. انتهى. (شرح العمدة – كتاب الصلاة ص86).
وقال أيضاً رحمه الله: وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله بقلبه أو بقلبه ولسانه ولم يؤَد واجبا ظاهرا ولا صلاة ولا زكاةً ولا صياما ولا غير ذلك من الواجبات، لا لأجل أن الله أوجبها، مثل أن يؤَدي الأمانةَ أو يصدق الحديث أو يعدل في قسمه وحكمه من غير إيمان بالله ورسوله لم يخرج بذلك من الكفر، فإن المشركين وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور فلا يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله مع عدم شيءٍ من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن قال: بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيءٍ من الواجبات–سواءٌ جعل فعل تلك الواجبات لازما له أو جزءًا منه فهذا نزاع لفظي- كان مخطئًا خطأً بينا، وهذه بدعةُ الإرجاء التي أعظم السلف والأئِمةُ الكلام في أهلها وقالوا فيها من المقالات الغليظةِ ما هو معروف، والصلاةُ هي أعظمها وأعمها وأولها وأجلها. انتهى (مجموع الفتاوى 7/612)".
أقول:
معروف عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يكفر تارك الصلاة، ومعروف عنه التسليم بأحاديث الشفاعة تسليمًا مطلقًا.
وعندما يقف العاقل على إيمان هذا الإمام وتسليمه التام بأحاديث الشفاعة، وبأنه يخرج الله من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان يجزم بأنه قد رجع عن تكفيره لتارك الصلاة، ومن يصر على أن شيخ الإسلام بقي على قوله بكفر تارك الصلاة، وعلى مثل كلامه هنا فإنه يشعر الناس بأن شيخ الإسلام وقع في التناقض وحاشاه من ذلك.
وهذا تلميذه الإمام ابن القيم يقول في كتابه "حادي الأرواح" (ص306):
"الوجه العشرون انه قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري في حديث الشفاعة فيقول عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه و لا خير قدموه، فهؤلاء أحرقتهم النار جميعهم فلم يبق في بدن أحدهم موضع لم تمسه النار بحيث صاروا حمما وهو الفحم المحترق بالنار وظاهر السياق أنه لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير؛ فإن لفظ الحديث هكذا فيقول: "ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا فيقول الله عز و جل: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض الله قبضة من نار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط"، فهذا السياق يدل على أن هؤلاء لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير ومع هذا فأخرجتهم الرحمة.
فهذا الإمام ابن القيم رحمه الله يسلم بحديث أبي سعيد -الذي فيه: (لم يعملوا خيرًا قط)- تسليمًا مطلقًا بقوله: (وظاهر السياق أنه لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير).
ثم قال ابن القيم رحمه الله:
"ومن هذا رحمته سبحانه وتعالى للذي أوصى أهله أن يحرقوه بالنار ويذروه في البر والبحر زعما منه بأنه يفوت الله سبحانه وتعالى فهذا قد شك في المعاد والقدرة ولم يعمل خيرا قط ومع هذا فقال له ما حملك على ما صنعت؟ قال خشيتك وأنت أعلم، فما تلافاه أن رحمه الله، فلله سبحانه وتعالى في خلقه حكم لا تبلغه([2]) عقول البشر وقد ثبت في حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله قال: (يقول الله عز و جل أخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام)".
أقول:
إن الإمام ابن القيم رحمه الله بنى حكمه هنا على حديث أبي سعيد وأيده بحديث هذا الرجل الذي لم يعمل خيراً قط، وأمر أولاده أن يحرقوه...الحديث.
ولا شك أنه يؤمن بأحاديث الشفاعة الأخرى والأحاديث الواردة في فضل لا إله إلا الله وفضل التوحيد.
والذي نعرفه عن ابن القيم أنه كان يرى كفر تارك الصلاة.
لكنه لما وقف أمام حديث أبي سعيد في الشفاعة وما تلاه لم يسعه إلا الاستسلام لها والصدع بمضمونها.
وكذلك يقال عن الإمام أحمد، فإن له روايات عديدة في تكفير تارك الصلاة حيناً وعدم تكفيره حيناً آخر، وفي تكفير تارك الأركان تارة، وفي عدم تكفيره تارة أخرى.
والظاهر أن سبب اختلاف رواياته ثم فيأتُهُ إلى عدم التكفير هو استسلامه وإيمانه بأحاديث الشفاعة وأحاديث فضل التوحيد.
وقل مثل ذلك في شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه قد يرى كفر تارك الصلاة، لكنه إذا وقف أمام أحاديث الشفاعة استسلم لها وصدع بمضمونها، ومنها أحاديث صريحة في الشفاعة في من لا يشرك بالله شيئًا.
وكتبه
ربيع بن هادي عمير
18/جمادى الأولى/1437هـ



([1]) أقول: كلا، ليس شرحًا لقول السلف؛ لأن السلف لم يجمعوا على كفر تارك الصلاة، وقد تقدم كلام الأئمة الذين لا يكفرون تارك الصلاة، بل تقدمت أقوال من لا يكفر إلا بالشرك.

([2]) والصواب: "لا تبلغها".

down تحميل المقال
02-06-2017 11:07 صباحا
icon ردود العلماء وطلبة العلم على الحدادي عبد الحميد بن خليوي الجهني هداه الله | الكاتب :أبو تراب عبد المصور بن العلمي |المنتدى: منبر التحذير من أعيان
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
دحض أباطيل عبد الحميد الجهني التي أوردها في كتابه
المسمَّى زورًا بالرد العلمي
الحلقة الثانية
قال الجهني في (ص7) من كتابه المسمى زورًا [الرد العلمي الرفيع على مقالات الشيخ ربيع]:
"المسألة الأولى: دعوى الشيخ ربيع أن العمل كمال في الإيمان".
ثم قال تحت هذا العنوان:
"ذهب الشيخ ربيع إلى أن العمل كمال في الإيمان، وعليه فإن الإيمان عنده يصح من غير عمل الجوارح، وهذه المسألة قرَّرها الشيخ ربيع في عدة مقالات له".
كما في مقاله: (هل يجوز أن يُرمَى بالإرجاء من يقول: إنَّ الإيمان أصل والعملَ كمال (فرعٌ)؟)، وكما في مقاله: (متعالم مغرور)، ومقاله: (أحاديث الشفاعة الصحيحة تدمغ الخوارج والحدادية القطبية) وغير ذلك. ويحتجُّ على تقرير هذا القول الذي وافق فيه المرجئة بأدلة عامة ومشتبهة وبأقوال لأئمة الإسلام لها معنى صحيح موافق لاعتقادهم، فيفسرها هو على معنى يفهم منه الإرجاء".اهـ
أقول:
إن هذه المقالات الثلاث التي اقتصر على ذكر عناوينها كلها قائمة على البراهين الواضحة وضوح الشمس من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وربيع ساق أقوال أئمة الإسلام القائمة على هذه الأدلة والبراهين الواضحة الجلية، وهذه البراهين وما بني عليها من مذهب أهل السنة والجماعة وأقوال أئمتهم كلها تدين المذهب الحدادي الخارجي القائم على الأصول الباطلة المضادة للكتاب والسنة ولأصول أهل السنة ومنهجهم ا لسديد.
وهذه المقالات الثلاث التي اقتصر على ذكر عناوينها والتي قامت على البراهين الواضحة بل والمتواترة كلها تدين الحدادية ومنهجهم الباطل وأصولهم الفاسدة.
وهاك مقالًا واحدًا منها ألا وهو ذو العنوان: [هل يجوز أن يرمى بالإرجاء من يقول: الإيمان أصل والعمل كمال].
فاقرأه وتأمله أيها العاقل المنصف المحترم للأدلة والبراهين ولأقوال أهل السنة وأئمتهم.
قلت:
هل يجوز أن يُرمَى بالإرجاء من يقول: :" إنَّ الإيمانَ أصلٌ والعملَ كمالٌ ( فرعٌ ) "؟(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه .
أما بعد:
فإن الله قال في محكم كتابه عن أهل الضلال sadومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق) سورة الحج(آية9-10)
وقال تعالى : ( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فانه يضله ويهديه إلى عذاب السعير ) الحج (آية3-4(.
وقال تعالى في شأن أحزاب الكفر والضلال : ( وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحقفأخذتهم فكيف كان عقاب .(
هذه في أعداء الرسل الذين كذبوهم وحاربوهم بأشد أنواع الحرب والأذى والكذبعليهم والافتراء .
ولأهل البدع والأهواء والضلال نصيب من العداوة للحق وأهله وحربهم بالأكاذيبوالشائعات وجدالهم بالباطل ليدحضوا به الحق ، ومن جدالهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير .
ولهم نصيب من الوعيد الذي توعد الله به أعداء الحق وأعداء الرسل ولهم نصيب من الذم الذي ذم الله به أهل الباطل والهوى .
ومن أهل الأهواء والضلال المحاربين للحق وأهله فرقة الحدادية التي أنشئت في الظلام لحرب أهل السنة السابقين واللاحقين ولحرب عقائدهم وأصولهم وهدمها .
وحربهم هذه لا تقوم على شيء من الحق ولا من العلم والهدى ,وإنما تقوم على الكذب والجهل والخيانات ,الأمور التي لا غبار عليها ولا مخرج لهم منها ,ولا عذر لهم فيها ؛فإنها أمور واضحة مكشوفة لكل ذي عقل وبصر وبصيرة ,ونحن لا نكفرهم -وإن كفرونا بغياً وعدواناً- (!!) ولكنهم عندنا من شر أهل البدع وأجهلهم.
ولقد اخترعوا أصولاً لا علاقة لها بالكتاب والسنة لا من قريب ولا من بعيد ,منها :

1- جنس العمل ؛ وهو لفظ لا وجود له في الكتاب والسنة ولا خاصم به السلف ولا أدخلوه في قضايا الإيمان ,اتخذوه بديلاً لما قرره السلف من أن العمل من الإيمان وأن الإيمان قول وعمل واعتقاد ,يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي .
وإذا أخذوا بهذا الكلام على مضض فلا يكفي عندهم أن يقول السلفي :
الإيمان قول وعمل واعتقاد ويزيد وينقص حتى لا يبقى منه إلا مثقال ذرة وأدنى أدنى من مثقال ذرة كما نطقت به الأحاديث النبوية الصحيحة .
بل أوجبوا على الناس أن يقولوا : (حتى لا يبقى منه شيء) والذي لا يقول بهذه الزيادة فهو عندهم مرجئ غال وحتى ولو قالها بعض أهل السنة فهم عندهم مرجئة رغم أنوفهم !!
فعلى عقيدتهم هذه يكون حوالي تسعة وتسعون بالمائة من أهل السنة وأئمتهم مرجئة
وإذا بين لهم خطورة تأصيلهم وفساده ازدادوا عناداً وحرباً على أهل السنة .
2- الذي لا يبدع من لا يكفر تارك جنس العمل فهو عندهم مرجئ غال رمزاً إلى تكفيره .
وحتى وإن كفر تارك جنس العمل فهو مرجئ عندهم لماذا ؟ .
لأنهم قد فصلوا ثوب الإرجاء ليقمصوا به أهل السنة شاءوا أم أبوْا !!
3 - أئمة الجرح والتعديل والحديث عندهم ليسوا أهلاً للحكم على أهل البدع وقواعدهم لا تنطبق على أهل البدع ؛ لأن هذه المرتبة إنما هي للعلماء ؛ أي علماء الحدادية الجهلة المجهولين ,فإن هؤلاء لهم الحق أن يبدعوا وأن يكفروا بالجهل والظلم .
4 -بعض أصولهم ضللت الأئمة وبعضها من صنع الشيطان.
5 - أحكام في التكفير تفوق أحكام الخوارج .
فمن لم يقلد فالحاً وأمثاله فقد نسف رسالات الرسل والكتب التي نزلت عليهم .
والذي يرضَى غيرَهُ من العلماء حَكَماً فقد كذًّب القرآن والسنة وكذَّب الإسلام .
6 - إلى افتراءات واتهامات بالكفر لمن ينصحهم أو يخالفهم في تلك الأمور التي انفردت بها هذه الطائفة ,وقد ناقشناهم فيها وبينا أكاذيبهم وأباطيلهم وجهالاتهم .
واليوم نحن مع أصل من أصولهم الهدامة ألا وهو أن من يقول إن الإيمان أصل والعمل كمال ( فرع ) فهو مرجئ !
وبهذا الأصل الهدام يهدمون أهل السنة وعلماءهم !
وسوف أسوق مقالات لعدد من فحول أئمة السنة وعظمائهم يقولون فيها : إن الإيمان أصل والعمل كمال أو تمام أو فرع أو فروع .
وننتظر من هؤلاء الحدادية إما إعلان ندمهم وتوبتهم من هذه المجازفات أو التمادي في أحكامهم وأباطيلهم فيعرف الناس مكانهم من السنة وأهلها .

لا يجوز أن يُرمى بالإرجاء من يقول :" إنَّ الإيمان أصل وفرع " لأنَّ هذا يقتضي تضليل علماء الأمة
ومنهم الأئمة الآتي ذكرهم وأقوالهم :
وقبل أن أورد كلام الأئمة أسوق بعض الأدلة في هذا الشأن:
قال الإمام أحمد-رحمه الله- في مسنده ( 6/47, 99):
"حدثنا إسماعيل ثنا خالد الحذاء عن أبي قلابة عن عائشة رضي الله عنه قالت :قال رسول صلى الله عليه وسلم :"إن من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وألطفهم بأهله" .
إسناد هذا الحديث صحيح إن سلم من إرسال أبي قلابة وأخرجه ابن أبي شيبة في الإيمان برقم ( 19 ) قال: حدثنا حفص عن خالد به .
و له شاهد من حديث أبي هريرة قال أبو داوود في سننه ( 5 /60 ): حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :" أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقاً ".
وأخرجه أحمد في مسنده ( 2/250 و472 )وابن أبي شيبة في الإيمان من طريقين برقم (18و20 ) والترمذي (2/454 رقم 1162 ) وقال : حديث أبي هريرة هذا حديث : حسن صحيح .
وله شاهد آخر من حديث أبي أمامة مرفوعاً ولفظه " من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان " أخرجه أبو داود(5/60 رقم 4681 )وشاهد آخر من حديث سهل بن معاذ عن أبيه ويروى من طريقين ضعيفين يقوي أحدهما الآخر .
وكتب عمر بن عبدالعزيز – رضي الله عنه – إلي عدي بن عدي :
" أن للإيمان فرائض وشرائع وحدوداً وسنناً فمن استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص " أخرجه ابن أبي شيبة في الإيمان ( 45رقم 135 ) بإسناد
"صحيح" وأورده البخاري في كتاب الإيمان معلقاً (1/19).
أقول:
وهذه الأحاديث تدل على أن للإيمان أصلاً وكمالاً إذ الكمال لا يقوم إلا على أصل.
كلام الأئمة:
1 - قال الإمام محمد بن إسحاق بن منده في كتابه الإيمان (1/331-332) بعد أن ذكر أقوال الطوائف في الإيمان :
" وقال أهل الجماعة: الإيمان هو الطاعات كلها بالقلب واللسان وسائر الجوارح غير أن له أصلا وفرعا .
فأصله المعرفة بالله والتصديق له وبه وبما جاء من عنده بالقلب واللسان مع الخضوع له والحب له والخوف منه والتعظيم له ,مع ترك التكبر والاستنكاف والمعاندة ,فإذا أتى بهذا الأصل فقد دخل في الإيمان ولزمه اسمه وأحكامه ,ولا يكون مستكملا له حتى يأتي بفرعه وفرعه المفترض عليه أو الفرائض واجتناب المحارم ,وقد جاء الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( الإيمان بضع وسبعون أو ستون شعبة أفضلها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان).
فجعل الإيمان شعبا بعضها باللسان والشفتين ,وبعضها بالقلب ,وبعضها بسائر الجوارح " .
وقال أيضا في كتاب الإيمان (1/350) : " قال الله عز وجل ( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها).
فضربها مثلاً لكلمة الإيمان وجعل لها أصلا وفرعا وثمرا تؤتيه كل حين " .
أقول:
بيَّن الإمام ابن منده عقيدة أهل السنة والجماعة في الإيمان وأنه أصل وفرع وبيَّن أن أصل الإيمان محله القلب وأنه يكون بأمور منها:
المعرفة بالله والتصديق لله و به وبما جاء من عنده بالقلب واللسان مع الخضوع والحب والخوف والتعظيم إلخ .
وذكر أنه لا يستكمله العبد إلا إذا أتى بفروعه المفروضة عليه مع اجتناب المحارم واستدل على ذلك بحديث شعب الإيمان .
وفي النص الثاني ساق الآية الكريمة : (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ) الآية .
ثم قال: فضربها مثلاً لكلمة الإيمان وجعل لها أصلا وفرعا وثمراً .
فما رأي أهل الشغب في أهل السنة والجماعة الذين حكى عقيدتهم ومذهبهم هذا الإمام وساق بعض أدلتهم أهم مرجئة ؟! أم هم أهل السنة حقاً ؟
نريد الإجابة الصادقة الصريحة .
2 - وقال الإمام محمد بن نصر المروزي – رحمه الله- خلال مناقشته للمرجئة : "فلما أقرت المرجئة بأن الإقرار باللسان هو إيمان يكمل به تصديق القلب , ولا يتم إلا به , ثم بيَّن الله تعالى لنا , والرسول صلى الله عليه وسلم : أنه أول الإسلام , ثبت أن جميع الإسلام من الإيمان , فإن يكن شيء من الإسلام ليس من الإيمان , فالإقرار الذي هو أول الإسلام ليس من الإيمان ، فبإيجابهم أن أول الإسلام بجارحة اللسان هو من الإيمان بالله , يلزمهم أن يجعلوا كلما بقى من الإسلام من الإيمان بعد ما سمى الله عز وجل , والرسول الإقرارَ باللسان إيماناً , ثم شهدت المرجئةُ أن الإقرار الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم إسلاماً هو إيمان , فما بال سائر الإسلام لا يكون من الإيمان , فهو في الأخبار من الإيمان , وفي اللغة , والمعقول كذلك , إذ هو خضوع بالإخلاص , إلا أن له أصلاً وفرعاً , فأصله الإقرار بالقلب عن المعرفة , وهو الخضوع لله بالعبودية , والخضوع له بالربوبية , وكذلك خضوع اللسان بالإقرار بالإلهية بالإخلاص له من القلب , واللسان , أنه واحد لا شريك له ثم فروع هذين الخضوع له بأداء الفرائض كلها , ألم تسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم : " الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله , وإقام الصلاة , وإيتاء الزكاة " وما عدا من الفرائض , فَلِمَ جَعَلَتِ المرجئةُ الشهادةَ إيماناً , ولم تجعل جميع ما جعله النبي صلى الله عليه وسلم من الإسلام إيماناً ؟! وكيف جعلتْ بعض ما سماه النبي صلى الله عليه وسلم إسلاماً إيماناً , ولم تجعل جميعه إيماناً وتبدأ بأصله , وتتبعه بفروعه , وتجعله كله إيماناً ؟! " تعظيم قدر الصلاة (2/701-702).
أ - انظر إلى قوله عن الإيمان : " إلا أن له أصلاً وفرعاً , فأصله الإقرار بالقلب عن المعرفة , وهو الخضوع لله بالعبودية , والخضوع له بالربوبية ... إلخ .
ب – وانظر إلى قوله : " ثم فروع هذين الخضوع له بأداء الفرائض كلها " أي أعمال الجوارح " .
جـ - وإلى قوله : " وكيف جعلت بعض ما سماه النبي صلى الله عليه وسلم إسلاماً إيماناً , ولم تجعل جميعه إيماناً وتبدأ بأصله , وتتبعه بفروعه , وتجعله كله إيماناً ؟! " .
–وقال أيضاً : " وقالت طائفة أخرى أيضاً من أصحاب الحديث بمثل مقالة هؤلاء([2]) إلا أنهم سموه مسلماً لخروجه من ملل الكفر، ولإقراره بالله، وبما قال، ولم يسموه مؤمناً، وزعموا أنه مع تسميتهم إياه بالإسلام كافرٌ، لا كافر بالله، ولكن كافر من طريق العمل، وقالوا: كفر لا ينقل من الملة، وقالوا: محال أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن))، والكفر ضد الإيمان، فلا يزول([3]) عنه اسم الإيمان إلا واسم الكفر لازم له، لأن الكفر ضد الإيمان إلا أن الكفر كفران: كفر هو جحد بالله، وبما قال، فذلك ضد الإقرار بالله، والتصديق به، وبما قال، وكفر هو عمل ضد الإيمان الذي هو عمل، ألا ترى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه))، قالوا : فإذا لم يؤمن فقد كفر، ولا يجوز غير ذلك إلا أنه كفر من جهة العمل [إذ لم يؤمن من جهة العمل] لأنه لا يضيع المفترض عليه , ويركب الكبائر إلا من خوفه([4]), وإن ما يقل خوفه من قلة تعظيمه لله, ووعيده, فقد ترك من الإيمان التعظيم الذي صدر عنه الخوف والورع عن الخوف, فأقسم النبي صلى الله عليه وسلم أنه (( لا يؤمن إذا لم يأمن جاره بوائقه((.
ثم قد روى جماعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قتال المسلم كفر ), وأنه قال: (إذا قال المسلم لأخيهيا كافر ولم يكن كذلك فقد باء بالكفر) فقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم بقتاله أخاه كافراً, وبقوله له: يا كافر؛ كافراً وهذه الكلمة دون الزنا, والسرقة, وشرب الخمر.
قالوا: وأما قول من احتج علينا, فزعم أنا إذا سميناه كافراً, لزمنا أن نحكم عليه بحكم الكافرين بالله, فنستتيبه, ونبطل الحدود عنه, لأنه إذا كفر, فقد زالت عنه أحكام المؤمنين, وحدودهم, وفي ذلك إسقاط الحدود, وأحكام المؤمنين عن كل من أتى كبيرة, فإنا لم نذهب في ذلك إلى حيث ذهبوا .
ولكنا نقول: للإيمان أصل وفرع, وضد الإيمان الكفر في كل معنى, فأصل الإيمان: الإقرار والتصديق, وفرعه إكمال العمل بالقلب, والبدن, فضد الإقرار والتصديق الذي هو أصل الإيمان : الكفر بالله, وبما قال, وترك التصديق به, وله.
وضد الإيمان الذي هو عمل، وليس هو إقرار، كفر، ليس بكفر بالله [ينقل عن الملة] ولكن كفر يضيع العمل كما كان العمل إيماناً، وليس هو الإيمان الذي هو إقرار بالله، فكما كان من ترك الإيمان الذي هو إقرار بالله كافراً يستتاب، ومن ترك الإيمان الذي هو عمل مثل الزكاة، والحج، والصوم، أو ترك الورع عن شرب الخمر، والزنا، فقد زال عنه بعض الإيمان، ولا يجب أن يستتاب عندنا، ولا عند من خالفنا من أهل السنة، وأهل البدع ..." [تعظيم قدر الصلاة (2/517-519)].
والشاهد في قول هذه الطائفة من أهل السنة ( ولكنا نقول: للإيمان أصل وفرع, وضد الإيمان الكفر في كل معنى, فأصل الإيمان: الإقرار والتصديق, وفرعه إكمال العمل بالقلب, والبدن).
3 - قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
أ-" ثم هو في الكتاب بمعنيين(2)‏ :‏ أصل ،وفرع واجب ،فالأصل الذي في القلب وراء العمل ؛ فلهذا يفرق بينهما بقوله‏:‏ ‏( آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ‏ )‏ ‏[‏البينة‏:‏7‏]‏ والذي يجمعهما كما في قوله‏:‏ ‏( ‏إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ‏ ) ‏[‏الأنفال‏:‏2‏]‏، و( ‏لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ&rlmwink_3 ‏ ‏[‏التوبة‏:‏44‏]‏‏.‏
وحديث الحياء، ووفد عبد القيس، وهو مركب من أصل لا يتم بدونه، ومن واجب ينقص بفواته نقصًا يستحق صاحبه العقوبة، ومن مستحب يفوت بفواته علو الدرجة، فالناس فيه ظالم لنفسه ومقتصد وسابق، كالحج وكالبدن والمسجد وغيرها من الأعيان، والأعمال والصفات، فمن سواء أجزائه ما إذا ذهب نقص عن الأكمل ومنه ما نقص عن الكمال، وهو ترك الواجبات أو فعل المحرمات، ومنه ما نقص ركنه وهو ترك الاعتقاد والقول، الذي يزعم المرجئة والجهمية أنه مسمى فقط، وبهذا تزول شبهات الفرق، وأصله القلب وكماله العمل الظاهر، بخلاف الإسلام فإن أصله الظاهر، وكماله القلب‏ ".‏ ([6]).
أقول :
ففي هذا النص جعل الشيخ الإسلام للإيمان معنيين أصلاً وفرعاً و أشار إلى كون العمل كمالاً للإيمان بقوله "فمن سواء أجزائه ما إذا ذهب نقص عن الأكمل ومنه ما نقص عن الكمال وهو ترك الواجبات أو فعل المحرمات إلخ وأكد هذا التقرير بقوله عن الإيمان :"وأصله القلب وكماله العمل الظاهر .
وقال عن الفرق بينه وبين الإسلام : ( بخلاف الإسلام ) فإن أصله الظاهر ,وكماله القلب " .
فماذا يقول المتطفلون على علوم الإسلام وعقائده في هذا الإمام الجهبذ وفي تقريره هذاعن الإيمان والعمل ؟!!.
ب- وقال -رحمه الله- : " والدين القائم بالقلب من الإيمان علمًا وحالًا هو الأصل، والأعمال الظاهرة هي الفروع، وهي كمال الإيمان‏ .‏
فالدين أول ما يبنى من أصوله ويكمل بفروعه، كما أنزل اللّه بمكة أصوله من التوحيد والأمثال التي هي المقاييس العقلية، والقصص، والوعد، والوعيد، ثم أنزل بالمدينة ـ لما صار له قوة ـ فروعه الظاهرة من الجمعة والجماعة، والأذان والإقامة، والجهاد، والصيام، وتحريم الخمر والزنا، والميسر وغير ذلك من واجباته ومحرماته‏.‏
فأصوله تمد فروعه وتثبتها، وفروعه تكمل أصوله وتحفظها، فإذا وقع فيه نقص ظاهر فإنما يقع ابتداء من جهة فروعه ؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏( ‏أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة‏ ) .([7]).
صرح شيخ الإسلام هنا بأن الإيمان هو الأصل والأعمال الظاهرة هي الفروع وهي كمال الإيمان وأن أصوله تمد فروعه وتثبتها وأن فروعه تكمل أصوله .
ج- وقال -رحمه الله- : " وأما قولهم :إن الله فرق بين الإيمان والعمل في مواضع ,فهذا صحيح . وقد بينا أن الإيمان إذا أطلق أدخل الله ورسوله فيه الأعمال المأمور بها .
وقد يقرن به الأعمال ,وذكرنا نظائر لذلك كثيرة ؛ وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب .والأعمال الظاهرة لازمة لذلك . لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح ,بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان الذي في القلب ؛فصار الإيمان متناولاً للملزوم واللازم وإن كان أصله ما في القلب ؛ وحيث عطفت عليه الأعمال ,فإنه أريد أنه لا يكتفي بإيمان القلب بل لا بد معه من الأعمال الصالحة " .([8]).
وهنا ذكر شيخ الإسلام أن أصل الإيمان هو ما في القلب وأن الأعمال الظاهرة لازمة له.
ولا يريد بهذا التلازم إلا التلازم بين الأصل وفروعه .
د- وقال -رحمه الله- : " وكذلك يذكر الإيمان أولاً لأنه الأصل الذي لا بد منه .
ثم يذكر العمل الصالح فإنه أيضاً من تمام الدين لا بد منه ,فلا يظن الظان اكتفاءه بمجرد إيمان ليس معه العمل الصالح " .([9]).
وهنا بين شيخ الإسلام عن الإيمان هو الأصل الذي لا بد منه وأن العمل الصالح من تمام الدين لا بد منه ".
فأنت ترى أنه أعتبر العمل من تمام الدين يعنى الإيمان ,وهذا أمر يبِّدع به أهل الفتن فهل من مدكر ".
هـ- وقال -رحمه الله- : " ثم أكثر المتأخرين الذين نصروا قول جهم يقولون بالاستثناء في الإيمان , ويقولونsadالإيمان في الشرع هو ما يوافي به العبد ربه ,وإن كان في اللغة أعم من ذلك), فجعلوا في ((مسألة الاستثناء )) مسمى الإيمان ما ادعوا أنه مسماه في الشرع ,وعدلوا عن اللغة ,فهلا فعلوا هذا في الأعمال . ودلالة الشرع على أن الأعمال الواجبة من تمام الإيمان لا تحصى كثرة ,بخلاف دلالته على أنه لا يسمى إيمانا ؛ إلا ما مات الرجل عليه فإنه ليس في الشرع ما يدل على هذا ,وهو قول محدث لم يقله أحد من السلف " .([10]).
انظر إلى شيخ الإسلام كيف صرح أن دلالة الشرع على أن الأعمال الواجبة من تمام الإيمان لا تحصى كثرة أي أنها من كمال الإيمان فقد جعل الأعمال الواجبة من تمام الإيمان.
وهذا أمر منكر وإرجاء خطير عند جهال أهل الفتن والشغب فماذا يقول فيهم من يهون من شأنهم و من خطر فتنتهم؟" ويرى أنه يجب السكوت عنهم .
و- وقال -رحمه الله- : " وإذا ذكر اسم الإيمان مجرداً، دخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة، كقوله في حديث الشعب‏ : ‏‏( ‏الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها‏:‏ قول لا إله إلا اللّه، وأدناها‏:‏ إماطة الأذى عن الطريق &rlmwink_3‏‏.‏ وكذلك سائر الأحاديث التي يجعل فيها أعمال البر من الإيمان‏.‏
ثم إن نفي ‏‏الإيمان‏ عند عدمها ،دل على أنها واجبة ،وإن ذكر فضل إيمان صاحبها -ولم ينف إيمانه- دلَّ على أنها مستحبة ؛فإن اللّه ورسوله لا ينفي اسم مسمى أمر - أمر اللّه به ورسوله -إلاَّ إذا ترك بعض واجباته ،كقوله ‏: ‏‏(لا صلاة إلا بأم القرآن&rlmwink_3، وقوله‏: ‏‏( ‏لا إيمان لمن لا أمانة له ،ولا دين لمن لا عهد له &rlmwink_3‏ ونحو ذلك‏.‏
فأما إذا كان الفعل مستحباً في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب ،فإن هذا لو جاز، لجاز أن ينفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان والصلاة والزكاة والحج ؛لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه‏ .‏ وليس أحد يفعل أفعال البر مثل ما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ؛بل ولا أبو بكر ولا عمر‏.‏ فلو كان من لم يأت بكمالها المستحب يجوز نفيها عنه، لجاز أن ينفي عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل‏.
فمن قال‏:‏ إن المنفي هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة ،فقد صدق‏.‏ وإن أراد أنه نفي الكمال المستحب ،فهذا لم يقع قط في كلام اللّه ورسوله ،ولا يجوز أن يقع ؛فإن من فعل الواجب كما وجب عليه ،ولم ينتقص من واجبه شيئاً ،لم يجز أن يقال ‏:‏ ما فعله لا حقيقة ولا مجازاً‏ .‏ فإذا قال للأعرابي المسيء في صلاته ‏:‏‏( ‏ارجع فَصَلِّ ،فإنك لم تُصَلِّ‏ ) ‏،وقال لمن صلى خلف الصف-وقد أمره بالإعادة - ‏: ‏‏( ‏لا صلاة لفَذٍّ خلف الصف‏ )‏ كان لترك واجب، وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) ‏[‏الحجرات‏:‏15‏]‏،يبين أن الجهاد واجب، وترك الارتياب واجب " ‏.(‏[11]).
ذكر شيخ الإسلام هنا حديث" الإيمان بضع وسبعون شعبة ,وذكر أن أعمال البر من الإيمان ,وذكر ما يفيد أن للإيمان كمالا واجبا وكمالا مستحبا ,وأنه إذا نفي الإيمان عن المسلم فإنما يراد بهذا النفي نفي الكمال الواجب لا الكمال المستحب .
مثل " لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن " ,فنفي الصلاة هنا عن من لم يقرأ بأم القرآن دليل على وجوب قراءة الفاتحة لا استحبابها وبعض العلماء يقول إن النفي هنا نفي للكمال الواجب لا نفي لحقيقة الصلاة .
ونفي الإيمان عن من لا أمانة له يدل على أن الأمانة من الواجبات وهي من كمال الإيمان ,وليس المراد بنفي الإيمان عنه أنه كافر خارج من ملة الإسلام .
وننبه القارئ هنا على أن هذا الحديث ضعيف ,وقد يكون عند شيخ الإسلام صالحاً للاحتجاج به ,وعلى كل حال فإن قصد شيخ الإسلام من التمثيل به في مثل هذا السياق بيان أن مثل هذا النفي إنما يراد به نفي الكمال الواجب لا نفي حقيقة الإيمان ولا نفي الكمال المستحب .
ويلتحق بهذا مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يزني الزاني حين يزنى وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن "متفق عليه .
ومثل قوله صلى الله عليه وسلم :" والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل: ومن يا رسول الله قال : الذي لا يأمن جاره بوائقه " متفق عليه واللفظ للبخاري .
فليس المراد هنا تكفير هؤلاء العصاة بالكبائر التي ارتكبوها ولا إخراجهم من الإسلام كما يعتقد الخوارج وليس المراد نفي كمال الإيمان المستحب عنهم وإنما المراد نفي الكمال الواجب .
فالذي لا يجيز أن يقال إن للإيمان كمالا وتماما ماذا يقول في نفي الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر والمنتهب ومؤذي جاره ؟ .
إن قال المراد نفي الكمال الواجب تبين بطلان مذهبه في رمي من يقول بأن الإيمان أصل والعمل كمال .
وإن قال إن المنفي عن العاصي : الزاني وغيره إنما هو الإيمان المقابل للكفر الأكبر المخرج من الإسلام ,فقد نادى على نفسه بأنه من الخوارج المكفرين بالذنوب .
ح- وقال رحمه الله تعالى في المجموع (13/157-159) : " وقال‏:‏‏( ‏ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء )‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏24-27‏]‏ .

والأصول مأخوذة من أصول الشجرة وأساس البناء ؛ولهذا يقال فيه ‏:‏ الأصل ما ابتنى عليه غيره ،أو ما تفرع عنه غيره‏ .‏
فالأصول الثابتة هي أصول الأنبياء ،كما قيل‏:‏
أيها المغتدي لتطلب علمــا ** كل علم عبد لعلم الرســول
تطلب الفرع كي تصحح حكما ** ثم أغفلت أصل أصل الأصـول
واللّه يهدينا وسائر إخواننا المؤمنين إلى صراطه المستقيم ،صراط الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا‏.‏
وهذه الأصول ينبني عليها ما في القلوب ،ويتفرع عليها‏.‏
وقد ضرب اللّه مثل الكلمة الطيبة التي في قلوب المؤمنين، ومثل الكلمة الخبيثة التي في قلوب الكافرين‏.‏ و‏‏الكلمة‏ هي قضية جازمة وعقيدة جامعة، ونبينا صلى الله عليه وسلم أوتي فواتح الكلام، وخواتمه وجوامعه، فبعث بالعلوم الكلية والعلوم الأولية والآخرية على أتم قضية، فالكلمة الطيبة في قلوب المؤمنين -وهي العقيدة الإيمانية التوحيدية- كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، فأصل أصول الإيمان ثابت في قلب المؤمن كثبات أصل الشجرة الطيبة وفرعها في السماء‏ ( ‏إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏ )‏ [‏ فاطر‏:‏10‏]‏ واللّه -سبحانه- مَثَّل الكلمة الطيبة، أي‏:‏ كلمة التوحيد ،بشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء‏ " .‏
وهنا استدل شيخ الإسلام بهذه الآية التى ضرب الله فيها المثل للكلمة الطيبة كلمة التوحيد والإيمان بالشجرة الطيبة لها أصل ثابت وفرعها في السماء فكما أن لهذه الشجرة الطيبة أصل يقوم عليها فروع ولها ثمار طيبة كذلك شجرة الإيمان لها أصل ثابت ولها فروع وثمار طيبة والأصل كما قال ما انبنى عليه غيره أو ما تفرع عنه غيره.
هكذا يفهم العلماء الراسخون القرآن وأمثاله المضروبه وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله-:
" قال عمر بن عبد العزيز : " من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح " فأما العمل الصالح بالباطن والظاهر : فلا يكون إلا عن علم ، ولهذا أمر الله ورسوله بعبادة الله والإنابة إليه ، وإخلاص الدين له ونحو ذلك ، فإن هذه الأسماء تنتظم العلم والعمل جميعاً : علم القلب وحاله ، وإن دخل في ذلك قول اللسان وعمل الجوارح أيضاً ، فإن وجود الفروع الصحيحة مستلزم لوجود الأصول ، وهذا ظاهر ، ليس الغرض هنا بسطه " مجموع الفتاوى (2/382).
وقال أيضاً : " والدين القائم بالقلب من الإيمان علماً وحالاً هو " الأصل " الأعمال الظاهرة هي " الفروع " وهي كمال الإيمان " مجموع الفتاوى (10/355).
4 - قال الإمام ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين (1/171-174):
" ومنها (أي: الأمثال) قوله تعالى : (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون) فشبه سبحانه وتعالى الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة ؛ لأن الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح ,والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع ,وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا الله فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنية ؛فكل عمل صالح مرضي لله ثمرة هذه الكلمة ,وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (كلمة طيبة) شهادة أن لا إله إلا الله (كشجرة طيبة) وهو المؤمن (أصلها ثابت) قول لا إله إلا الله في قلب المؤمن (وفرعها في السماء) يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء.
وقال الربيع بن أنس: ( كلمة طيبة) هذا مثل الإيمان ؛فالإيمان الشجرة الطيبة وأصلها الثابت الذي لا يزول الإخلاص فيه وفرعه في السماء خشية الله ,والتشبيه على هذا القول أصح وأظهر وأحسن ؛فإنه سبحانه شبه شجرة التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة الثابتة الأصل الباسقة الفرع في السماء علوا التي لا تزال تؤتي ثمرتها كل حين ,وإذا تأملت هذا التشبيه رأيته مطابقا لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب التي فروعها من الأعمال الصالحة صاعدة إلى السماء ,ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت بحسب ثباتها في القلب ومحبة القلب لها وإخلاصه فيها ومعرفته بحقيقتها وقيامه بحقوقها ومراعاتها حق رعايتها .
فمن رسخت هذه الكلمة في قلبه بحقيقتها التي هي حقيقتها واتصف قلبه بها وانصبغ بها بصبغة الله التي لا أحسن صبغة منها فعرف حقيقة الإلهية التي يثبتها قلبه لله ويشهد بها لسانه وتصدقها جوارحه ونفى تلك الحقيقة ولوازمها عن كل ما سوى الله وواطأ قلبه لسانه في هذا النفي والإثبات وانقادت جوارحه لمن شهد له بالوحدانية طائعة سالكة سبل ربه ذللا غير ناكبة عنها ولا باغية سواها بدلا كما لا يبتغي القلب سوى معبوده الحق بدلا فلا ريب أن هذه الكلمة من هذا القلب على هذا اللسان لا تزال تؤتي ثمرتها من العمل الصالح الصاعد إلى الله كل وقت ,فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل الصالح إلى الرب تعالى وهذه الكلمة الطيبة تثمر كلماً كثيراً طيباً يقارنه عمل صالح فيرفع العمل الصالح الكلم الطيب كما قال تعالى : (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه).
فأخبر سبحانه أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب ,وأخبر أن الكلمة الطيبة تثمر لقائلها عملا صالحا كل وقت .
والمقصود أن كلمة التوحيد إذا شهد بها المؤمن عارفا بمعناها وحقيقتها نفيا وإثباتا متصفا بموجبها قائما قلبه ولسانه وجوارحه بشهادته ,فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل من هذا الشاهد أصلها ثابت راسخ في قلبه وفروعها متصلة بالسماء وهي مخرجة لثمرتها كل وقت .
ومن السلف من قال : إن الشجرة الطيبة هي النخلة ويدل عليه حديث ابن عمر الصحيح ,ومنهم من قال : هي المؤمن نفسه كما قال محمد بن سعد حدثني أبي حدثني عمي حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله : ( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ) يعني بالشجرة الطيبة المؤمن ويعني بالأصل الثابت في الأرض والفرع في السماء يكون المؤمن يعمل في الأرض ويتكلم فيبلغ عمله وقوله السماء وهو في الأرض . وقال عطية العوفي في قوله: ( ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ) قال: ذلك مثل المؤمن لا يزال يخرج منه كلام طيب وعمل صالح يصعد إلى الله . وقال الربيع بن أنس : ( أصلها ثابت وفرعها في السماء ) قال ذلك المؤمن ضرب مثله في الإخلاص لله وحده وعبادته وحده لا شريك له ( أصلها ثابت) قال أصل عمله ثابت في الأرض ( وفرعها في السماء ) قال ذكره في السماء ,ولا اختلاف بين القولين ,والمقصود بالمثل المؤمن والنخلة مشبهة به وهو مشبه بها وإذا كانت النخلة شجرة طيبة فالمؤمن المشبه بها أولى أن يكون كذلك ومن قال من السلف إنها شجرة في الجنة فالنخلة من أشرف أشجار الجنة .
حكمة تشبيه المؤمن بالشجرة وفي هذا المثل من الأسرار والعلوم والمعارف ما يليق به ويقتضيه علم الذي تكلم به وحكمته .
فمن ذلك أن الشجرة لا بد لها من عروق وساق وفروع وورق وثمر فكذلك شجرة الإيمان والإسلام ليطابق المشبه المشبه به ,فعروقها العلم والمعرفة واليقين ,وساقها الإخلاص وفروعها الأعمال وثمرتها ما توجبه الأعمال الصالحة من الآثار الحميدة والصفات الممدوحة والأخلاق الزكية والسمت الصالح والهدى والدل المرضي فيستدل على غرس هذه الشجرة في القلب وثبوتها فيه بهذه الأمور " .
أقول:
1- انظر إلى قوله : لأن الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح والكلمة الطيبة عند الجمهور هي شهادة أن لا إله إلا الله تثمر الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة ، كل عمل صالح مرضي لله ثمرة هذه الكلمة .
2 - وانظر إلى قوله : والتشبيه على هذا القول أصح وأظهر وأحسن فإنه سبحانه شبه شجرة التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة الثابتة الأصل الباسقة الفرع في السماء علواً .... إلى قوله : وإذا تأملت هذا التشبيه رأيته مطابقاً لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب التي فروعها من الأعمال الصالحة صاعدة إلى السماء ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة .... إلخ .
3 - وإلى قوله : " وفي هذا المثل من الأسرار والعلوم والمعارف ما يليق به ويقتضيه علم الذي تكلم به وحكمته فمن ذلك أن الشجرة لا بد لها من عروق وساقٍ وفروع ووَرق وثمر ,فكذلك شجرة الإيمان والإسلام ؛ليطابق المشبه به فعروقها العلم والمعرفة واليقين ,وساقهاَ الإخلاص ,وفروعُها الأعمال وثمرتهُاَ ما توجبه الأعمال الصالحة من الآثار الحميدة والصفات الممدوحة والأخلاق الزكية والسَّمتِ الصالح والهدي والدل المرضي ,فيستدل على غَرْسِ هذه الشجرة في القلب وثبوتها فيه بهذه الأمور ".
فتراه هنا اعتبر الإخلاص والتوحيد شجرة في قلب المؤمن وفروعها الإعمال الخ .
والشرك والكذب والرياء شجرة في قلب الكافر وذكر أن ثمارها في الدنيا الخوف وثمارها في الآخرة الزقوم و العذاب الأليم وأحال بالمثليين إلى القرآن سورة إبراهيم.
فهل هذا الإمام مرجئ عند أجهل الفرق ؟!
بل أهل السنة كلهم مرجئة على أصلهم ومذهبهم ,ومنهم جمهور المفسرين ،لكن القرآن والسنة يبرآن أهل السنة وأئمتهم مما يقذفهم به الحدادية : خوارج ومرجئة العصر تبعاً للخوارج الأولين .
وقال -رحمه الله- في كتابه الفوائد (ص179-180) طـ دار مكتبة الصفا):
" والإخلاص والتوحيد شجرة في القلب ؛ فروعها الأعمال وثمرها طيب الحياة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة ,وكما أن ثمار الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة فثمرة التوحيد والإخلاص في الدنيا كذلك .
والشرك والكذب والرياء ؛ شجرة في القلب ثمرها في الدنيا الخوف والهم والغم وضيق الصدر وظلمة القلب ,وثمرها في الآخرة الزقوم والعذاب المقيم ,وقد ذكر الله هاتين الشجرتين في سورة إبراهيم " .
5 - وقال الحافظ ابن رجب -رحمه الله- في جامع العلوم والحكم (1/151):
" وقد ضرب العلماء مثل الإيمان بمثل شجرة لها أصل وفروع وشعب فاسم الشجرة يشمل ذلك كله ,ولو زال شيء من شعبها وفروعها لم يزل عنها اسم الشجرة ,وإنما يقال: هي شجرة ناقصة أو غيرها أتم منها.
وقد ضرب الله مثل الإيمان بذلك في قوله تعالى ( ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء توتي أُكلها كل حين بإذن ربها ) (إبراهيم :24).
والمراد بالكلمة كلمة التوحيد ,وبأصلها التوحيد الثابت في القلوب ,وأكلها : هو الأعمال الصالحة الناشئة منه.
وضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثل المؤمن والمسلم بالنخلة ولو زال شيء من فروع النخلة أومن ثمرها لم يزل بذلك عنها اسم النخلة بالكلية ,وإن كانت ناقصة الفروع أو الثمر.
-وقال أيضاً في فتح الباري شرح صحيح البخاري (1/27-28):
وقد ضرب الله ورسولُه مثل الإيمان والإسلام بالنخلة ,قال الله تعالى : ( ضرب الله مثلا كلمةً طيبة كشجرةٍ طيبة أصلها ثابت وفرعُهَا في السماء تؤتي أُكُلَهَا كل حيٍن بإذنِ ربها ) ( إبراهيم 23-24).
فالكلمة الطيبة هي كلمة التوحيد وهي أساس الإسلامِ ,وهي جاريةُ على لسانِ المؤمنِ وثبوتُ أصلها هو ثبوتُ التصديق بها في قلب المؤمن ,وارتفاعُ فرعها في السماء هو علو هذه الكلمةِ وبُسُوقها وأنها تخرق الحجب ولا تتناهى دونَ العرش ِ ,وإتيانُها أكلها كل حينٍ :
هو ما يرفع بسببها للمؤمن في كل حينٍ من القولِ الطيبِ والعملِ الصالح ِ ؛ فهو ثمرتها .
وجعل النبي صلى الله عليه وسلم مثل المؤمنِ أو المسلمِ كمثلِ النخلةِ .
وقال طاوس : مثل ( الإسلام ) كشجرة أصلها الشهادةُ ,وساقُهَا كذا وكذا ,وورقُهَا كذا وكذا ,وثمرُهَا :الورعُ ,ولا خيَر في شجرةٍ لا ثمرَ لها ,ولا خير في إنسانٍ لا ورَعَ فيه .
ومعلوم أن ما دخل في مسمَّى الشجرةِ والنخلةِ من فروعها وأغصانها وورقِهاَ وثمرها إذا ذهب شيء منه لم يذهب عن الشجرةِ اسمُهَا ؛ولكن يقال : هي شجرةُ ناقصةُ ,وغيرها أكمل منها ,فإن قطع أصلُها وسقطت لم تبق شجرةً ؛وإنما تصير حَطباً ,فكذلك الإيمان والإسلام إذا زالَ منه بعض ما يدخل في مسماه مع بقاء أركان بنيانه لا يزولُ به اسمُ الإسلامِ والإيمانِ بالكليةِ ,وإن كان قد سُلِبَ الاسم عنه لنقصه بخلافِ ما انهدمت أركانُهُ وبنيانُهُ فإنه يزول مسماه بالكليةِ ,واللهُ أعلمُ .
أقول :
وهذا المثل القرآني من أقوى وأوضح الأمثلة والأدلة على أن للإيمان أصلاً وفروعاً وهذا المثل وتفسيره من أقوى ما يرد به على الخوارج الذين يكفرون المؤمن بارتكاب الكبيرة ويخرجونه من الإسلام ,لأن عقيدتهم الفاسدة تقول : إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله .
وهو أيضاً رد على المرجئة الذين يعتقدون أن العمل ليس من الإيمان ,ويعتقدون أيضاً أنه إذا ذهب بعضه ذهب كله ,وينكرون أن يكون العمل من الإيمان .
6 - قال الإمام عبد الرحمن بن حسن -رحمه الله- في فتح المجيد (ص8-9):
" وأما كتابه ([12]) المذكور فموضوعه في بيان ما بعث به الله رسله من توحيد العبادة وبيانه بالأدلة من الكتاب والسنة ، وذكر ما ينافيه من الشرك الأكبر أو ينافي كماله الواجب ، من الشرك الأصغر ونحوه ، وما يقرب من ذلك أو يوصل إليه " .
أقول :
إن توحيد العبادة هو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله أصل الإيمان وأن الشرك الأكبر ينافي هذا التوحيد والشرك الأصغر ينافي كماله وإذن فللإيمان أصل وكمال عند هذا الإمام وهذا سير منه على طريق السلف .
ونقل عن الإمام ابن القيم -رحمه الله- قوله : " فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأقواله ،فهو التوحيد العلمي الخبري ،وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه ،فهو التوحيد الإرادي الطلبي ،وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته وأمره ونهيه ،فهو حقوق التوحيد ومكملاته ،وإما خبر عن إكرام أهل التوحيد وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة ،فهو جزاء توحيده ،وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب ،فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد ،فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه ،وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم " انتهى .([13]).
انظر كيف جعل للتوحيد بأنواعه حقوقاً ومكملات وهي الأوامر والنواهي والطاعات فما حكم ابن القيم والشيخ عبد الرحمن هل قالوا هنا بقول المرجئة .
فما أكثر سعي الحدادية لهدم أهل السنة وأصولهم العظيمة بجهالاتهم ووساوسهم.
قال الإمام محمد -رحمه الله- في كتاب التوحيد في باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما ... الخ ،ساق في الباب بعض الأدلة ,ثم قال : ولابن أبي حاتم عن حذيفةأنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون).
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد (ص104-105) : " قوله ( وتلا قوله " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " ) استدل حذيفة -رضي الله عنه- بالآية على أن هذا شرك ، ففيه صحة الاستدلال على الشرك الأصغر بما أنزله الله في الشرك الأكبر لشمول الآية ودخوله في مسمى الشرك ، وتقدم معنى هذه الآية عن ابن عباس وغيره في كلام شيخ الإسلام وغيره ، والله أعلم ، وفي هذه الآثار عن الصحابة ما يبين كمال علمهم بالتوحيد وما ينافيه أو ينافي كماله " .
فهنا يثني الإمام عبد الرحمن على الصحابة بكمال علمهم بالتوحيد وما ينافيه وينافي كماله وهذا حق فمن أعلم بالله وبدينه من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم .
7 - وقال الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله- في كتاب تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد (ص 114):
" فإن كمال الإسلام هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتمام ذلك بالجهاد في سبيل الله ,ومن نشأ في المعروف ,فلم يعرف غيره ,فقد لا يكون عنده من العلم بالمنكر وضرره ما عند من علمه ,ولا يكون عنده من الجهاد لأهله ما عند الخبير بهم" .
وهنا يثبت الشيخ سليمان بن عبد الله أن للإسلام كمالاً هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتمام ذلك بالجهاد في سبيل الله .
8 - وقال الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ – رحمه الله – في رده على افتراءات عثمان بن منصور على الإمام محمد بن عبد الوهاب : " فمحا الله بدعوته (أي الإمام محمداً) شعار الشرك ومشاهده ، وهدم بيوت الكفر والشرك ومعابده ، وكبت الطواغيت والملحدين ، وألزم من ظهر عليه من البوادي وسكان القرى بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من التوحيد والهدى ، وكفَّر من أنكر البعث واستراب فيه من أهل الجهالة والجفاء ، وأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وترك المنكرات والمسكرات ، ونهى عن الابتداع في الدين ، وأمر بمتابعة سيد المرسلين والسلف الماضين ، في الأصول والفروع من مسائل الدين ، حتى ظهر دين الله واستعلن . واستبان بدعوته منهاج الشريعة والسنن وقام قائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وحُدّت الحدود الشرعية ، وعزرت التعازير الدينية ، وانتصب علم الجهاد ، وقاتل لإعلاء كلمة الله أهل الشرك والعناد ، حتى سارت دعوته وثبت نصحه لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم وجمع الله به القلوب بعد شتاتها ، وتألفت بعد عداوتها ، وصاروا بنعمة الله إخوانا " مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام (ص17).
وقال الإمام عبد اللطيف أيضاً خلال مناقشته لعثمان بن منصور وبيان جهله وضلاله: "ولذلك رد على أهل التوحيد والإيمان بما رد به على المتكلمين من أهل منطق اليونان فظن أن البحث في التوحيد وتحقيقه . والنهي عن الشرك وسد ذرائعه ، وقطع وسائله وتبين حقيقته . والفرق بين أصغره وأكبره هو من جنس أبحاث المتكلمين المخالفين للسلف في خوضهم في مسألة الجوهر والعرض ، وبقية المقولات العشر . ولذلك رد على المسلمين بما رد به ابن عقيل على المتكلمين . وذكر أن تحقيق التوحيد وذكر أصوله وفروعه وثمراته وبيان الشرك وذكر أصوله وفروعه ووسائله وذرائعه من جنس بدعة المتكلمين وانفتح بها البثق .
فقف هنا واعتبر واعرف بعد هذا الضرب من الناس عن طريق العلم والهدى واعرف ما تضمنه قوله تعالى : ( إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) " مصباح الظلام (ص378).
وعندهم الآن وأمام أعينهم تشاد في الجامعات كليات باسم كليات أصول الدين , وكليات الشريعة أي الفروع .
فعلى أي أساس قامت هذه التسميات على أيدي علماء السنة والتوحيد ؟ على مذهب الإرجاء عند الحدادية وعلى مذهب أهل السنة عند أهل السنة .
وأقولها صريحة لو قال عالم أن في الأعمال أصولاً مثل الأركان الأربعة الصلاة والزكاة والصوم والحج لقلت وغيري نعم ولا حرج في ذلك .
ومع ذلك فهي مرتبطة بأعمال القلوب وقائمة على أساسها كما قرر ذلك علماء السنة وقد ذكرنا أقوالهم وأدلتهم في هذا المقال , فلا تخالف ولا تصادم بين هذا القول وذاك.
9 - قال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -رحمه الله- في ( تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان : ص 425):
يقول تعالى ( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة ) وهي شهادة أن لا إله إلا الله وفروعها ( كشجرة طيبة ) وهي النخلة ( أصلها ثابت ) في الأرض ( وفرعها ) منتشر (في السماء) وهي كثيرة النفع دائماً ,( تؤتي أكلها ) أي : ثمرتها ( كل حين بإذن ربها ) فكذلك شجرة الإيمان ,أصلها ثابت في قلب المؤمن ,علماً واعتقاداً .وفرعها من الكلم الطيب ,والعمل الصالح ,والأخلاق المرضية ,والآداب الحسنة ,في السماء دائماً ,يصعد إلى الله منه من الأعمال والأقوال التي تخرجها شجرة الإيمان ,ما ينتفع به المؤمن وينفع غيره ( ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ) ما أمرهم به ونهاهم عنه ,فإن في ضرب الأمثال تقريباً للمعاني المعقولة من الأمثال المحسوسة ,ويتبين المعنى الذي أراده الله غاية البيان ويتضح غاية الوضوح ,وهذا من رحمته وحسن تعليمه . فلله أتم الحمد وأكمله وأعمه ,فهذه صفة كلمة التوحيد وثباتها في قلب المؤمن .
- وقال رحمه الله في القول السديد ( المجموعة الكاملة 3/13-14) في شرح باب : من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب :
" وهذا الباب تكميل للباب الذي قبله وتابع له ,فإن تحقيق التوحيد تهذيبه وتصفيته من الشرك الأكبر والأصغر ,ومن البدع القولية الاعتقادية ,والبدع الفعلية العملية ,ومن المعاصي وذلك بكمال الإخلاص لله في الأقوال والأفعال والإرادات ,وبالسلامة من الشرك الأكبر المناقض لأصل التوحيد ,ومن الشرك الأصغر المنافي لكماله ,وبالسلامة من البدع والمعاصي التي تكدر التوحيد وتمنع كماله ,وتعوقه عن حصول آثاره " .
فهنا صرح الشيخ السعدي بأن للتوحيد أصلاً ينافيه الشرك الأكبر وله كمال ينافيه الشرك الأصغر وأن البدع والمعاصي تمنع من كمال الإيمان .
فماذا يريد من ينكر أن للإيمان أصلاً وكمالاً (فرعاً) وبأي حق يضلل من يثبت ما أثبته الله ورسوله وقال به علماء السنة وأئمتها .
- وقال رحمه الله في كتاب التوضيح والبيان لشجرة الإيمان (87/88):
" أما بعد: فهذا كتاب يحتوي على مباحث الإيمان التي هي أهم مباحث الدين ,وأعظم أصول الحق واليقين ؛مستمداً ذلك من كتاب الله الكريم - الكفيل بتحقيق هذه الأصول تحقيقاً لا مزيد عليه - ومن سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم :التي توافق الكتاب وتفسره وتعبر عن كثير من مجملاته ,وتفصل كثيراً من مطلقاته . مُبتدِئاً بتفسيره ,مُثْنِياً بذكر أصوله ومقوماته ,ومن أي شيء يستمد ؟ مُثلِّثاً بفوائده وثمراته ,وما يتبع هذه الأصول .
قال الله تعالى : ( ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ) ( 14/ 24-25).
فمثل الله كلمة الإيمان - التي هي أطيب الكلمات- بشجرة هي أطيب الأشجار ,موصوفة بهذه الأوصاف الحميدة : أصولها ثابتة مستقرة ,ونماؤها مستمر ,وثمراتها لا تزال ,كل وقت وكل حين ,تغل على أهلها وعلى غيرهم المنافع المتنوعة ,والثمرات النافعة .
وهذه الشجرة متفاوتة في قلوب المؤمنين تفاوتاً عظيماً ,بحسب تفاوت هذه الأوصاف التي وصفها الله بها .
فعلى العبد الموفق أن يسعى لمعرفتها ,ومعرفة أوصافها وأسبابها ,وأصولها وفروعها ؛ويجتهد في التحقق بها : علماً وعملاً . فإن نصيبه من الخير والفلاح ,والسعادة العاجلة والآجلة بحسب نصيبه من هذه الشجرة " .
انظر قوله عن شجرة الإيمان وتفاوتها : " فعلى العبد أن يسعى لمعرفتها ومعرفة أوصافها وأسبابها وأصولها وفروعها ... إلخ " .
وحاصل ما دل عليه الكتاب والسنة وكلام الأئمة أن للإيمان أصولاً وفروعاً وكمالاً وأن الإيمان كالشجرة الطيبة لها أصل وفروع وثمار وتلك الفروع والثمار من تلك الشجرة .
فأين هذا المذهب الأصيل القائم على الكتاب والسنة وآمن به أساطين الأمة من مذهب الإرجاء الذي لا يعتبر العمل من الإيمان وأنه لا يزيد ولا ينقص ,أي أنه ليس من شجرة الإيمان ،وأهل السنة يعتبرون العمل من الإيمان وفرع وكمال للإيمان ومن شجرة الإيمان.
وهذا ما تيسر نقله من كلام الأئمة العلماء والتعليقات الموجزة عليه وأسأل الله أن ينصر دينه ويعلي كلمته وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

وكـتـبه ربيع بن هادي بن عمير المدخلي
10 / شوال/ 1427هـ/

صدر هذا المقال في التاريخ المذكور، أي: قبل تسع سنوات، فلم يردعهم ما فيه من حق ومن أقوال أئمة الإسلام؛ لتمكن الهوى والضلال من قلوبهم.

الحواشي:

([1])
الجواب : لا . لماذا ؟ لأنه يقتضي تضليل أئمة الإسلام .
[2]) الطائفة الأولى هي من أهل السنة والحديث الذين يقولون القول المشهور في مرتكب الكبيرة إنه مؤمن فاسق أو مؤمن ناقص الإيمان.
[3] - في الأصل فيزيل والتصحيح من كتاب الإيمان لابن تيمية (307) .
[4] -
والظاهر أنه حصل هنا سقط ولعل أصل الكلام إلا من قلة خوفه والسياق يرشد إلى هذا .
( [5] ) يعني الإيمان .
([6] ) مجموع الفتاوى (7/637).
([7]) مجموع الفتاوى (10/355-356).
(8) مجموع الفتاوى (7/198).
(9) مجموع الفتاوى (7/199).
([10] ) مجموع الفتاوى (7/143).
( [11] ) مجموع الفتاوى (7/14-15).
([12]) يعني كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدا لوهاب رحمه الله.

([13]) فتح المجيد (ص15-16) وانظر مدارج السالكين ( 3/449).
down تحميل المقال
02-06-2017 11:01 صباحا
icon ردود العلماء وطلبة العلم على الحدادي عبد الحميد بن خليوي الجهني هداه الله | الكاتب :أبو تراب عبد المصور بن العلمي |المنتدى: منبر التحذير من أعيان
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
دحض أباطيل عبد الحميد الجهني التي أوردها في كتابه
المسمَّى زورًا بالرد العلمي
الحلقة الأولى
 
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.
أما بعد:
فقد صدر في هذا العام (1437هـ) كتاب لعبد الحميد الجهني سماه زورًا [الرد العلمي الرفيع على مقالات الشيخ ربيع].
قال الجهني في مقدمة هذا الكتاب -البعيد عن العلم والقائم على المكابرات والقائم على الأصول الباطلة، والأساليب السفسطائية الواضحة، والمغالطات، ورد النصوص النبوية، ورد أقوال العلماء الجلية- (ص3- 5):
"بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد ه ورسوله، صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فهذا رد علمي على بعض مقالات الشيخ ربيع المدخلي، سوف يكون البحث فيها([1]) بمشيئة الله تعالى حول المسائل التالية:
أولاً: دعوى الشيخ ربيع أن العمل كمال في الإيمان.
ثانيًا: رده للإجماع الذي حكاه الشافعي رحمه الله في هذه المسألة.
ثالثًا: احتجاجه بأحاديث الشفاعة في هذه المسألة.
رابعًا: دعواه أن أئمة السلف لا يقولون: إن الإيمان ينقص حتى لا يبقى منه شيء.
خامسًا: تضعيفه لأثر عبد الله بن شقيق رحمه الله في إجماع الصحابة رضي الله عنهم على كفر تارك الصلاة تهاونًا وكسلًا.
سادسًا: دعواه أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله لا يُكفِّر تارك العمل؛ لأنه سلَّم بزعمه لأحاديث الشفاعة!
سابعًا: دعواه أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لا يُكفِّر تارك العمل، وكذا ينسب هذا القول إلى أئمة الدعوة! كما نسبه قبل ذلك إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله!
ثامنًا: دعواه أن الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله لم يقل عمن لا يكفر تارك العمل بأنه مرجئ.
تاسعًا: عدم تفريقه بين مذهب السلف وبين قول المرجئة في منزلة العمل من الإيمان.
عاشرًا: دعواه أن العذر بالجهل يشمل عُبَّاد القبور والأضرحة.
الحادي عشر: تفريقه لطلاب العلم إلى حداديّ وسلفي، فمن وافقه في أقواله جعله سلفيًّا، ومن خالفه وأنكر عليه جعله حداديًّا خارجيًّا!
فهذه (إحدى عشرة مسألة)، سوف أناقش فيها الشيخ ربيع بن هادي المدخلي نقاشًا علميًّا هادئًا، بغية الوصول إلى الحق إن شاء الله تعالى.
علمًا بأن الشيخ ربيعًا قد أكثر من الكتابة في هذه المسائل، وبثَّ كثيرًا من الشُّبه والأقوال الضعيفة، ما يحتاج في ردِّها وتفنيدها إلى مجلدٍ أو مجلدين. ولعل ما في هذه الرسالة ما يكفي طالب الحق إن شاء الله تعالى، وقد سميتها: (الرد العلمي الرفيع على مقالات الشيخ ربيع).
وأُذكِّر كلَّ أخٍ مُنتسبٍ إلى السنة بالأصل الذي اتفق عليه أهل السُّنة والجماعة وما زالوا يعلمونه الناس في كل مناسبة، وهو قولهم: الحق لا يُعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله.
فمن عرف هذا الأصل الأصيل وعمل به وجعله منهجًا له في حياته؛ وقاه الله شرَّ التعصُّب الذميم الذي يُعمي صاحبه عن الحقِّ، ويحمله على معاداة أهله. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم".اهـ
أقول:
نعوذ بالله من الفجور في الخصومة التي هي من علامات النفاق، وإن أقوال هذا الرجل في هذه المقدمة وفي كتابه هذا لقائمة على الفجور، وإذا رجع القارئ المنصف إلى مقالاتي التي يرجف عليها هذا الرجل في كتابه هذا وفي مقدمته يتبين له ظلمه ورده للحق والحقائق الواضحة كالشمس.
خذ أيها القارئ الكريم هذه الإضاءة على أقواله في هذه المقدمة:
1- قوله: "أولا دعوى الشيخ ربيع أن العمل كمال في الإيمان".
أقول:
نعم، أنا أقول بقول السلف: إن الإيمان أصل والعمل كمال، وأحيانًا يقولون: فرع، وقولهم هذا مستمد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وأنت وحزبك التكفيري لا تستسلمون لنصوص الكتاب والسنة، وتخالفون أقوال السلف المستمدة من الكتاب والسنة؛ فأنتم من أشبه الناس بالروافض.
قال هذا السُّفْسطائي في كتابه هذا (ص7):
"المسألة الأولى: دعوى الشيخ ربيع أن العمل كمال في الإيمان ..." إلخ.
أقول:
هذا الجهني يَرُد عليَّ بكلام باطل قائم على المغالطات والتمويهات على طريقة عتاة السفسطائية؛ فهو يغالط ويكابر في حقائق جلية واضحة وضوح الشمس.
ثم قال:
"المسألة الأولى: دعوى الشيخ ربيع أن العمل كمال في الإيمان
ذهب الشيخ ربيع إلى أن العمل كمال في الإيمان، وعليه فإن الإيمان عنده يصح من غير عمل الجوارح، وهذه المسألة قرَّرها الشيخ ربيع في عدة مقالات له، كما في مقاله: (هل يجوز أن يُرمَى بالإرجاء من يقول: إنَّ الإيمان أصل والعملَ كمال (فرعٌ)؟)، وكما في مقاله: (متعالم مغرور)، ومقاله: (أحاديث الشفاعة الصحيحة تدمغ الخوارج والحدادية القطبية) وغير ذلك. ويحتجُّ على تقرير هذا القول الذي وافق فيه المرجئة بأدلة عامة ومشتبهة وبأقوال لأئمة الإسلام لها معنى صحيح موافق لاعتقادهم، فيفسرها هو على معنى يفهم منه الإرجاء، ثم ينسب إلى هؤلاء الأئمة القول بالإرجاء! ثم يبني على ذلك أمرين فيهما تلبيس شديد على القُراء:
أحدهما: أنه مسنود فيما يقرره بهؤلاء الأئمة الذين حرَّف أقوالهم على المعنى الذي يريده هو.
والثاني: أن من يخالفه ويرد عليه فقد خالف هؤلاء الأئمة، ثم يكثر من التشنيع عليه بهذه المخالفة، ويستعمل معه أشد العبارات حتى يخيل إلى القارئ وطالب العلم الذي لا يحسن معرفة هذه المسائل أن خصوم الشيخ ربيع المدخلي في هذه المسائل هم جماعة من المارقين الذين خالفوا أئمة الإسلام.
وهذا الأسلوب يستعمله في أكثر من مسألة من مسائل الإيمان، كمسألة أن الإيمان أصل وفرع، هذه الجملة التي قالها بعض العلماء وقصدوا بها أن العمل ثمرة للإيمان الذي يكون في القلب فهي تعني التلازم بين الظاهر والباطن، فهي رد على مذهب المرجئة، ولكن –مع الأسف- فسرها الشيخ ربيع المدخلي بتفسير موافق لقول المرجئة حيث جعل معناها أن العمل فرع أي كمال في الإيمان وهذا ظاهر من عنوان مقالته السابقة، ثم نسب هذا التفسير إلى هؤلاء الأئمة القائلين بهذه الكلمة فارتكب بذلك خطأين جسيمين:
أحدهما: تفسير الكلمة بتفسير يؤيد مذهب المرجئة.
الثاني: نسبة هذا التفسير إلى هؤلاء العلماء، وبنى عليه أنهم موافقون له في قوله الذي وافق فيه المرجئة، والله المستعان.".انتهى.
قوله:
"المسألة الأولى دعوى الشيخ ربيع أن العمل كمال في الإيمان
ذهب الشيخ ربيع إلى أن العمل كمال في الإيمان".
أقول:
1- إن القول بأن الإيمان أصل والعمل كمال هو قول أهل السنة، وعلى رأسهم العلماء الذين نقلت تصريحاتهم بذلك، ومستندهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن أقوال شيخ الإسلام في هذا الأمر: "ودلالة الشرع على أن الأعمال الواجبة من تمام الإيمان لا تحصى كثرة".
فهذا الحدادي المسفسط لا يعترف بأقوال أهل السنة وعلمائهم ولا بما استندوا عليه من الكتاب والسنة، وهذا أمرٌ خطير جدًّا يدل على ضلال بعيد.
ومن مكره أنه لا يذكر نصوص العلماء الواضحة التي نقلتها عنهم بكل دقة، ولم أخالفها قيد شعرة.
2- قولك: "وعليه فإن الإيمان عنده يصح من غير عمل الجوارح".
هذا الإلزام موجه إلى أهل السنة وعلمائهم الذين صرحوا وصرحوا بأن الإيمان أصل والعمل فرع، وأحيانًا يقولون: كمال.
يقولون ذلك مستندين إلى ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
3- وقولك: "ويحتجُّ على تقرير هذا القول الذي وافق فيه المرجئة بأدلة عامة ومشتبهة".
أقول:
إن أقوالي لبعيدة كل البعد عن موافقة قول المرجئة، بل هي ضده؛ لأنها صريحة في إثبات أن العمل من الإيمان؛ لأن كمال الشيء منه عند من يعقل، أما الحدادية الخوارج فلهم منهج آخر.
المرجئة يا هذا يقررون أن العمل ليس من الإيمان ولا يزيد ولا ينقص، مخالفين في قولهم هذا نصوصًا كثيرة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومخالفين ما عليه أهل السنة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
وهم لا يقولون: إن الإيمان أصل والعمل كمال أو فرع؛ لأن هذا ينقض قولهم المشهور عنهم.
فكيف تجعل قولين متضادين أحدهما حق دل عليه الكتاب والسنة، ويعتقده أهل السنة والجماعة.
والآخر قول باطل مخالف لكتاب الله وسنة رسوله وما عليه أهل السنة والجماعة.
كيف يقول عاقل في هذين القولين المتضادين: إن معناهما واحد؟! لا يقول هذا إلا فاجر مسفسط.
4- وقولك عن أدلة أهل السنة التي بنوا عليها: إن الإيمان أصل والعمل كمال. بأنها عامة ومشتبهة قولٌ باطل، لا بل هي أدلة جلية واضحة صريحة رغم أنف الخوارج الجدد.
وما هي أدلتك الواضحة التي تدل أن العمل ليس كمالًا للإيمان؟!
إنك لتسلك مسالك غلاة أهل البدع في رد الحق الواضح الجلي بدعاوى باطلة، ومنها: دعواك على النصوص الواضحة بأنها مشتبهة.
5- وقولك عن أقوال الأئمة: "لها معنى صحيح موافق لاعتقادهم".
يعتبر اعترافًا ماكرًا تضحك به على الأغبياء، ولو كنت صادقًا في هذا الاعتراف لما أقمت الدنيا وأقعدتها على هذه الأقوال السديدة موهمًا الجهال أن ربيعًا قد حرفها لتوافق قول المرجئة، مع أن ربيعًا موافق للعلماء في أقوالهم ومقاصدهم المضادة لعقيدة المرجئة الباطلة.
أيها المسكين، لقد عرف أهل السنة حقًّا أنكم ضد أهل السنة السابقين واللاحقين، وأنكم ترمونهم بالإرجاء؛ فالذين لا يكفرون تارك الصلاة منهم عندكم مرجئة، وإن فسَّقوا تارك الصلاة، وحكموا عليه بالنكال والقتل.([2])
والذين يعذرون الجهال بالجهل حتى تقام عليهم الحجة عندكم مرجئة، وعند بعضكم كفار.
والذين يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وينقص حتى لا يبقى منه إلا مثقال ذرة مرجئة، وهذا حكم خبيث جائر على كل أهل السنة.
إنكم أيها الحداديون لتخالفون أهل السنة المكفرين لتاركي الصلاة في عدهم لإخوانهم الذين لا يكفرون تاركي الصلاة من إخوانهم ومن أهل السنة والجماعة؛ فأنتم ضد الجميع، بل تخالفونهم في عدد من الأصول.
6- وقولك عن ربيع: "إنه يفسرها([3]) هو على معنى يفهم منه الإرجاء، ثم ينسب إلى هؤلاء الأئمة القول بالإرجاء!".
أقول:
إن هذا الكلام منك أيها الخارجي الحدادي لينطوي على البهت الشديد؛ فأنا لم أفسر أقوال الأئمة على معنى يفهم منه الإرجاء، وأبرأ إلى الله من هذا التفسير الذي يفتريه علي هذا الخارجي الذي يخيل له منهجه الباطل كل قول حق من أقوال أهل السنة أنه في هذا الباب يوافق قول المرجئة وأنه إرجاء؛ فهو لمذهبه الخارجي وغبائه يتخيل أنَّ قول أهل السنة: (إن الإيمان أصل والعمل كمال) أنه إرجاء.
وأن ربيعًا الذي أخذ بهذا القول مرجئ ومحرِّف لأقوال الأئمة؛ فهذا هو الكذب القائم على الجهل والهوى والحقد على أهل السنة.
7- وقوله: "ثم يبني على ذلك أمرين فيهما تلبيس شديد على القُراء:
أحدهما: أنه مسنود فيما يقرره بهؤلاء الأئمة الذين حرَّف أقوالهم على المعنى الذي يريده هو.
والثاني: أن من يخالفه ويرد عليه فقد خالف هؤلاء الأئمة، ثم يكثر من التشنيع عليه بهذه المخالفة، ويستعمل معه أشد العبارات حتى يخيل إلى القارئ وطالب العلم الذي لا يحسن معرفة هذه المسائل أن خصوم الشيخ ربيع المدخلي في هذه المسائل هم جماعة من المارقين الذين خالفوا أئمة الإسلام".
أقول:
نعوذ بالله من هذا البهت الذي يرتكبه هذا الخارجي الحاقد على الحق وأهله؛ فأنا لم أنسب -والعياذ بالله- إلى الأئمة شيئًا لم يصرحوا بهِ، بل أنقل أقوالهم الصريحة الواضحة المنطلقة من الكتاب والسنة، أنقلها بكل دقة وأمانة، وأنقل النصوص التي استندوا إليها من الكتاب والسنة.
وهذا الخارجي المسفسط المحرِّف يسير على طريقة السفسطائية في رد الحق وجعله باطلًا، ثم يزيد على ذلك: الطعن والاتهام الباطل لمن يقول الحق انطلاقًا من الكتاب والسنة ومن منهج السلف الصالح وأخذًا بأقوالهم السديدة المنطلقة من الكتاب والسنة.
8- وقوله: "أن من يخالفه ويرد عليه فقد خالف هؤلاء الأئمة".
أقول:
أنا أُبين حالَ من يخالف الحق القائم على الأدلة والبراهين ويخالف العلماء الآخذين بهذا الحق، وهذا من النصيحة.
وأقول:
إن منكَر هذا الخارجي وحزبه في نظره من المعروف، وإن المعروف الواضح القائم على البراهين من الكتاب والسنة والذي أخذ به وسار عليه السلف، وصدعوا به هو من المنكرات، ويجب أن يحارب من يرفع رأسه بهذا الحق والمعروف الذي قرره الله في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ورسوله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى.
9- قوله: "وهذا الأسلوب يستعمله في أكثر من مسألة من مسائل الإيمان كمسألة الإيمان أصل وفرع".
أقول:
ما قال ربيع ولا العلماء إن الإيمان أصل وفرع.
بل إنما قال ربيع بقول العلماء: الإيمان أصل والعمل كمال.
ويقول بعضهم: الإيمان أصل والعمل فرع.
ويزيد شيخ الإسلام قوله: الإيمان أصل والعمل تمام.
10- وقوله: "وهذه الجملة التي قالها بعض العلماء قصدوا بها أن العمل ثمرة للإيمان الذي يكون في القلب، فهي تعني التلازم بين الظاهر والباطن".
أقول:
1- إن القول بأن الإيمان أصل والعمل كمال هو قول أهل السنة جميعًا لا خلاف بينهم؛ لأنه قول مأخوذ من الكتاب والسنة.
وكلمة (كمال) أقوى من كلمة (ثمرة)، وسواء قالوا: إن العمل كمال للإيمان. أو قالوا: إنه فرع للإيمان. أو: ثمرة للإيمان. فإن في ذلك ردًّا على المرجئة الذين يقولون: الإيمان هو المعرفة بالقلب أو الذين يقولون: هو النطق باللسان. أو الذين يقولون: هو تصديق بالقلب ونطق باللسان.
فإن هذه الأقوال الثلاثة باطلة ومخالفة لنصوص كثيرة من الكتاب والسنة؛ لأن قائليها كلهم لا يدخلون العمل في الإيمان، ويصرحون بأن العمل ليس من الإيمان.
فمن أظلم وأكذب ممن يسوي بين أقوال ربيع الصريحة الصادعة بالحق والمنطلقة من الكتاب والسنة ومنهج السلف وبين هذه الأقوال الباطلة؟!
وقول أهل السنة: (الإيمان أصل والعمل كمال أو فرع) مثل قولهم: (الإيمان قول وعمل) لا يشغب بهما أو بأحدهما إلا صاحب فتن وهوى.
2- أعجب لهذا المسكين؛ حيث يفسر الفرع بالثمرة، وأنهم قصدوا بها الرد على المرجئة، فهل قولهم: (إن العمل كمال للإيمان)، وقولهم: (العمل فرع للإيمان) إرجاء، وتفسيره بالثمرة ليس بإرجاء؟!
أليس هذا التصرف ناشئ عن السفسطة؟
3- وأعجب لقوله:
"ولكن –مع الأسف- فسرها الشيخ ربيع المدخلي بتفسير موافق لقول المرجئة حيث جعل معناها أن العمل فرع أي كمال في الإيمان وهذا ظاهر من عنوان مقالته السابقة".
أقول:
تأمل هذا الكلام المتهافت الدال على أن قائله لا يدري ما يقول.
ثم إن المؤسف كل الأسف أن يسلك هذه المسالك الظالمة؛ حيث يرى أن كلامي مخالف لكلام العلماء الذين صرحوا بأن الإيمان أصل والعمل كمال. وأحيانًا يقولون: فرع.
وأنا أنقل هذا الكلام بنصه وفَصِّه لم أغير منها حرفًا، ولا أخالفه معنى، ومع هذا فكلام العلماء عندك فيه رد على المرجئة، وكلامي الذي هو عين كلامهم في نظرك يوافق المرجئة!.
ألا يرى العقلاء المنصفون أن هذا الحكم من أشد الأحكام ظلمًا وفجورًا وسفسطة؟
ثم أكد هذا الظلم والكذب بقوله:
"ثم نسب هذا التفسير إلى هؤلاء الأئمة القائلين بهذه الكلمة فارتكب بذلك خطأين جسيمين:
أحدهما: تفسير الكلمة بتفسير يؤيد مذهب المرجئة.
الثاني: نسبة هذا التفسير إلى هؤلاء العلماء، وبنى عليه أنهم موافقون له في قوله الذي وافق فيه المرجئة، والله المستعان".
أقول:
يدعي هذا المفلس أنني ارتكبت خطأين جسيمين، وذكر هذين التفسيرين اللذين يدعي أنهما جسيمين.
فأين هو تفسيري لهذه الكلمة الذي يؤيد مذهب المرجئة ويخالف أقوال العلماء؟
وأين نسبت هذا التفسير إلى هؤلاء العلماء؟
وأين دعواي أن العلماء يوافقون قولي الموافق لقول المرجئة؟
أنا نقلت أقوال العلماء بحروفها لم أغير منها شيئًا؛ فأنا متابع للعلماء في أقوالهم الصحيحة القائمة على نصوص الكتاب والسنة، ولم أقل إنهم موافقون لي، بل أنا موافق لهم، وهم سلفي ولست أنا سلفًا لهم.
11- قال الجهني في (ص8-9):
"ثم إذا خلص من هذا دبَّج المقالات في التشنيع على خصومه بمقتضى الفهم الخاطئ الذي فهمه هو من هذه العبارة، وهكذا فعل في أحاديث الشفاعة، وفي أحاديث فضل التوحيد، ونحوها من النصوص العامة، حيث فهم منها فهما خاصًّا به موافقًا لفهم المرجئة، فصار يلزم المخالفين له بهذا الفهم وإلَّا لم يؤمنوا بهذه النصوص وبأحاديث الشفاعة، ولم يستسلموا لها على حد قوله! كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
وهكذا فإن الإشكال عند الشيخ ربيع المدخلي في فهمه للنصوص وأقوال العلماء، فهو دائمًا يفسرها على مقتضى القول الذي يقول به، فيجرُّه هذا إلى تحريف معانيها.
ولو أنه قال بقول السلف الصالح في باب الإيمان: الإيمان قول وعمل، لا يصح القول من غير عمل، كما أنه لا يصح العمل من غير قول، لذهبت كل هذه التفسيرات والتأويلات التي يقول بها الشيخ ربيع أدراج الرياح، وأراح نفسه وغيره من هذه الخصومة التي كلَّفتنا الكثير من الوقت والجهد، والله المستعان".
أقول:
قولك: "ثم إذا خلص من هذا دبَّج المقالات في التشنيع على خصومه بمقتضى الفهم الخاطئ الذي فهمه هو من هذه العبارة".
أقول: هل تريد أن أمدحكم وأمدح ضلالاتكم ومخالفاتكم البدعية الشنيعة لنصوص الكتاب والسنة ولمنهج السلف الصالح ولأقوالهم السديدة المنطلقة من الكتاب والسنة؟
أنا على طريقة السلف، أشنع عليكم بعد البيان الواضح لضلالاتكم.
وأنتم تشنعون علينا بالباطل والكذب؛ لصد الناس عن الحق ولجذبهم إلى باطلكم.
وقولك: "وهكذا فعل في أحاديث الشفاعة، وفي أحاديث فضل التوحيد، ونحوها من النصوص العامة، حيث فهم منها فهما خاصًّا به موافقًا لفهم المرجئة".
أقول:
إن وصفه لأحاديث الشفاعة وأحاديث فضل التوحيد ونحوها بأنها عامة إنما يريد بذلك وصفها بأنها من المتشابه، وهو يكثر من وصفها بالمتشابه، وهذا العمل من الفجور في الخصومة، ووالله إنها لنصوص واضحة غاية الوضوح، مفصلة تفصيلاً رائعاً.
انظر إلى حديث أبي سعيد حيث يبدأ بالشفاعة:
1- للمصلين المزكين.
2-ثم الشفاعة لمن في قلبه مثقال دينار من خير.
3-ثم من في قلبه مثقال نصف دينار من خير.
4-ثم الشفاعة فيمن في قلبه مثقال ذرة من خير.
5-ثم بعد هذه المراحل الواضحة:
" يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاةِ، فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ...إلخ.
انظر "صحيح مسلم" حديث (183)، وانظر "صحيح البخاري" حديث (7439).
وفيه هذه المراحل إلى قوله: "أخرجوا من في قلبه مثقال ذرة من إيمان".
ثم ذكر شفاعة الملائكة وشفاعة النبيين والمؤمنين.
ثم يقول الله: "بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار، فيخرج أقواماً قد امتحشوا، فيلقون في نهر بأفواه الجنة، يقال له: ماء الحياة، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل ...إلى آخر الحديث.
فهل يوجد في الكلام أوضح من هذا الكلام؟
وهل يوجد تفصيل أروع وأوضح من هذا التفصيل؟
فإذا كان هذا النص الواضح المفصل هذا التفصيل الرائع وأمثاله عند الحدادية من المتشابه فيكون عندهم جميع نصوص الكتاب والسنة من المتشابه، وكلام العلماء الواضح عندهم من المتشابه من باب أولى، وعلى مذهبهم هذا لا يقال: إن لله ثم لرسوله حجة على أحد من الجن والإنس. ونعوذ بالله من الأقوال الباطلة المخزية.
12- قال الجهني الحدادي:
"وهكذا فإن الإشكال عند الشيخ ربيع المدخلي في فهمه للنصوص وأقوال العلماء، فهو دائمًا يفسرها على مقتضى القول الذي يقول به، فيجرُّه هذا إلى تحريف معانيها".
أقول:
إن الأدواء القاتلة والإشكالات المزيفة لفي تصوراتكم الباطلة وأحكامكم الجائرة على النصوص القرآنية والنبوية بأنها من المتشابه.
تلكم التصورات التي لم يسبقكم إليها إلا غلاة أهل البدع والضلال من الخوارج وغيرهم، فمن هنا نشأ تحريفكم لهذه النصوص الجلية الواضحة والبريئة مما تلصقونه بها من أنها من المتشابه، وترمون من يحترم هذه النصوص ويؤمن بدلالاتها الواضحة ويقررها على أحسن الوجوه على طريقة تقريرات السلف الصالح بيانًا وتوضيحًا، ترمونه بالإرجاء.
فلا ترموا الأبرياء النزهاء بأدوائكم المهلكة ومنها التشويه للنصوص القرآنية والنبوية الواضحة التي ترمونها وتصمونها بأنها من المتشابه.
وقال الجهني: "ولو أنه قال بقول السلف الصالح في باب الإيمان: الإيمان قول وعمل، لا يصح القول من غير عمل، كما أنه لا يصح العمل من غير قول، لذهبت كل هذه التفسيرات والتأويلات التي يقول بها الشيخ ربيع أدراج الرياح، وأراح نفسه وغيره من هذه الخصومة التي كلَّفتنا الكثير من الوقت والجهد، والله المستعان".
أقول:
إن قولك "ولو أنه قال بقول السلف الصالح في باب الإيمان: الإيمان قول وعمل ، لا يصح القول من غير عمل، كما أنه لا يصح العمل من غير قول".
إن قولك هذا ليوهم الجهلاء أن السلف الصالح مجمعون على هذا القول، وهذا من الباطل.
والواقع أن الذي يقول بهذا القول أو ما في معناه هم قلة، أما جماهير السلف فيقولون: إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص كما نقل ذلك الإمامان: أبو حاتم، وأبو زرعة عن علماء البلدان الإسلامية: الحجاز، والعراق، والشام، ومصر، واليمن.
ونقل الإمام البخاري عن ألف عالم من شتى البلدان أن الإيمان قول وعمل.
وسيأتي كلام أبي عبيد الذي نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الموضوع في الحلقة الثانية.
كتبه
ربيع بن هادي عمير
(13 ربيع الثاني/1437هـ)


([1]) كذا.

([2]) مع اعتقادهم أنهم يستحقون العذاب الشديد بالنار.

([3]) أي: أقوال العلماء.

down تحميل المقال
02-06-2017 10:59 صباحا
icon ردود العلماء وطلبة العلم على الحدادي عبد الحميد بن خليوي الجهني هداه الله | الكاتب :أبو تراب عبد المصور بن العلمي |المنتدى: منبر التحذير من أعيان
 
الحلقة الثانية
وقفات مع تلبيسات وجهالات عبد الحميد الجهني في مقاله [كشف الخفاء عن مسألة محدثة استقوى بها الإرجاء]
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الجهني:
قال الإمام الحافظ الحجة محمد بن نصر المروزي (ت 294):
"قَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِنَا هَذَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ كِتَابُ الله تَعَالَى وَسُنَّةُ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَعْظِيمِ قَدْرِ الصَّلَاةِ وَإِيجَابِ الْوَعْدِ بِالثَّوَابِ لِمَنْ قَامَ بِهَا وَالتَّغْلِيظِ بِالْوَعِيدِ عَلَى مَنْ ضَيَّعَهَا، وَالْفَرَقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَعْمَالِ فِي الْفَضْلِ وَعِظَمِ الْقَدْرِ، ثُمَّ ذَكَرْنَا الْأَخْبَارَ الْمَرْوِيَّةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِكْفَارِ تَارِكِهَا وَإِخْرَاجِهِ إِيَّاهُ مِنَ الْمِلَّةِ وَإِبَاحَةِ قِتَالِ مَنِ امْتَنَعَ مِنْ إِقَامَتِهَا، ثُمَّ جَاءَنَا عَنِ الصَّحَابَةٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجِئْنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِلَافَ([1]) ذَلِكَ، ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَأْوِيلِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ عَنِ الصَّحَابَةٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ فِي إِكْفَارِ تَارِكِهَا وَإِيجَابِ الْقَتْلِ عَلَى مَنِ امْتَنَعَ مِنَ إِقَامَتِهَا".
أقول:
وأهل السنة السابقون واللاحقون المكفرون لتارك الصلاة وغير المكفرين يعظمون قدر الصلاة ويؤمنون بمكانتها، ويشيدون لها المساجد؛ إعظامًا لقدرها، ويحكمون على تاركها بالفسق، والقتل، وشدة الإثم، ولا يقبلون له شهادة ولا رواية.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتاب الصلاة (ص13):
"لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمدا من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر وأن إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النفس وأخذ الأموال ومن إثم الزنا والسرقة وشرب الخمر، وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا والآخرة ثم اختلفوا في قتله وفي كيفية قتله وفي كفره".
ثم تأمل قول الإمام محمد بن نصر رحمه الله:
"ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَأْوِيلِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ عَنِ الصَّحَابَةٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ فِي إِكْفَارِ تَارِكِهَا وَإِيجَابِ الْقَتْلِ عَلَى مَنِ امْتَنَعَ مِنَ إِقَامَتِهَا".
انظر إلى هذا الإمام كيف يصف المختلفين في تارك الصلاة بأنهم من أهل العلم، ولم يقل أهل السنة والمرجئة كما يقول الحداديون القطبيون.
ثم إنه يرى أن الاختلاف بين أهل العلم بعد النبي والصحابة.
وهذا يدل أن هذا الاختلاف وقع بين أهل العلم من عهد التابعين([2])، وممن ذكر الزهري وهو من التابعين فيمن لا يكفر تارك الصلاة وعدم ذكره لغير الزهري([3]) من التابعين لا ينفي وجود من يشارك الزهري من التابعين ممن لا يكفر تارك الصلاة.
ثم انظر إلى عدل وإنصاف أهل السنة جميعًا، واحترام بعضهم لبعض حيث يحكي الطرفان هذا الاختلاف ويسوق كل طرف أدلته.
ولا يطعن بعضهم في بعض؛ لأن كل طرف يدرك أن الطرف الذي يخالفه مجتهد يريد الحق، وأنه ليس عنده هوى وإنما يعتمد على نصوص من الكتاب والسنة.
قارن بين منهج علماء السنة ومنهج الخوارج الحدادية تجدهم أشد على أهل السنة وأفجر في خصومتهم لأهل السنة من الخوارج السابقين.
وانظر إلى هذا الحدادي يعترف هنا أن الخلاف حدث بعد عصر الصحابة.
وانظر إلى قوله (ص1) من مقاله هذا: "فإن من غربة السنة في هذا الزمن المتأخر أن بعض المسائل التي أجمع عليها السلف الصالح من الصحابة والتابعين, صار الخلاف فيها خلافا معتبرا".
فهل يدرك هذا الجاهل أنه يتكلم بغير علم وأنه يخالف محمد بن نصر وغيره من العلماء، وأنه يطعن في أهل السنة حقًّا بغيًا منه وعدوانًا؟!
وليس له سلف في هذا الطعن إلا الخوارج وأهل البدع من المنصورية الذين يقولون في أهل السنة الذين لا يكفرون تارك الصلاة تكاسلًا بأنهم مرجئة، ويقولون: هذا يؤدي إلى أن الإيمان قول بلا عمل.
انظر [البرهان في عقائد أهل الإيمان] لأبي الفضل السكسكي اليمني (ص94-96).
فهؤلاء هم سلف الحدادية ولاسيما أهل البدع من المنصورية.
وأهل السنة السابقون واللاحقون بريئون من هذه الفرقة الحدادية ومن أقوالها الباطلة وأصولها الفاسدة القائمة على البغي والجهل والهوى القاتل.
قال الجهني الحدادي (ص5):
"فهذا الذي أريد أن يعرفه طالب العلم المتبع للسنة أن هذه المسألة محدثة, لم يعرفها السلف الأولون, أي الحكم على تارك الصلاة بأنه مسلم, شهد بهذا الحافظ محمد بن نصر وهو منقطع النظير في اطلاعه على الأقوال والمذاهب, حتى قال ابن حزم الظاهري في بعض تواليفه: أعلم الناس من كان أجمعهم للسنن, وأضبطهم لها, وأذكرهم لمعانيها, وأدراهم بصحتها, وبما أجمع الناس عليه مما اختلفوا فيه".
أقول:
1)إن الحدادية ليسوا من أهل السنة، بل هم من أعداء أهل السنة السابقين واللاحقين، ومن أشد المحاربين لهم ولمنهجهم وأصولهم.
2)هذه المسألة لا يجوز أن يطلق عليها أنها محدثة؛ لأن هذا وصف لها ولأهلها بأنهم مبتدعة، وأن القول بعدم تكفير تارك الصلاة بدعة ضلالة، فهذا الوصف لها إنما هو من أقوال الخوارج والمنصورية من أهل البدع، وهم سلف الحدادية.
3)لا ندري ما هو مراد هذا الحدادي بقوله: "لم يعرفها السلف الأولون"، أهم الصحابة فقط، أم معهم التابعون ومن بعدهم من أهل القرون المفضلة الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ
وهل أهل القرن الثالث والطائفة المنصورة التي لا تزال على الحق إلى أن يأتي وعد الله يعدون من السلف، أو هم من الفرق الضالة عند الحدادية؟
4)نقل هذا الحدادي إشادةَ ابن حزم بالإمام محمد بن نصر لغرض باطل ليثبت تبديع من قال من أهل السنة بعدم تكفير تارك الصلاة وهم جمهور أهل السنة من فقهاء ومحدثين.
وقال الحدادي المسفسط في (ص12):
"ولله در السلف! ما أعظم فقههم وعلمهم, حيث أجمعوا على أن الإيمان قول وعمل, فكان لابد أن يجمعوا على أن تارك الصلاة كافر, وهو الإجماع الصحيح الثابت عنهم, وإلا تناقضوا بين قولهم في الإيمان, وقولهم في الصلاة. وهذا الذي تسعى إليه المرجئة المعاصرة: إثبات أن السلف اختلفوا في حكم تارك الصلاة لتضرب من خلاله إجماعهم على أن الإيمان قول وعمل لا يصح الإيمان إلا بهما".
أقول:
1-إن دعوى هذا الإجماع لا تثبت على محك النقد، ولقد بينا بطلان دعوى الإجماع بما يقنع ذوي الدين والعقل والمروءة بالأدلة الواضحة الجلية، وعلى منهج السلف في نقد الأحاديث والآثار وبيان صحيحها من ضعيفها من موضوعها.
أما أهل الجدال بالباطل فلا تنفعهم الأدلة والبراهين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يريد هذا الجهول أن يرمي جمهور أهل السنة بمخالفة الإجماع الثابت ومخالفة الإجماع الثابت كفر، فجمهور أهل السنة كفار على تقرير هذا الجهول الظالم.
2-إذا كان يلزم من عدم تكفير تارك الصلاة نقض القول بأن الإيمان قول وعمل عند هذا المبطل، فيلزم أيضًا منه أن القول بعدم تكفير تارك الزكاة والصيام والحج وما بعدها من الأعمال مناقضة لهذا القول.
3-وقوله: "وهذا الذي تسعى إليه المرجئة المعاصرة: إثبات أن السلف اختلفوا في حكم تارك الصلاة لتضرب من خلاله إجماعهم على أن الإيمان قول وعمل لا يصح الإيمان إلا بهما".
أقول:
كذبت وقوَّلتَ أهل السنة بما لم يخطر ببالهم، وطعنك هذا يتناول جماهير أهل السنة ويخرجهم من دائرة السنة وأهلها، فأنت وحزبك لا ترقبون في أهل السنة إلًّا ولا ذمة، فترمونهم بالفواقر.
وقال هذا الحدادي الجهول (ص13):
"فنصيحتي لك أيها السني, إذا قال لك المرجئ المعاصر: ما تقول في تارك الصلاة تهاونا وكسلا؟
فاعلم أن له قصدا من ذلك, فاقطع عليه طريق التشغيب وقل له:
هو كافر بالكتاب والسنة والإجماع والقياس. والخلاف في هذه المسألة خلاف محدث لا قيمة لها([4]) عندي, وإن ذهب إليه من ذهب من المتأخرين.
فإنك إن سلمت له بصحة هذا الخلاف واعتباره, ردك إلى مذهبه الإرجائي, أو انتزع منك اقرارا بصحة ما هو عليه من الإرجاء. أو أوقعك في التهافت".
أقول:
1)هل الحدادية الخوارج الغلاة من أهل السنة حتى تقدم لهم هذه النصيحة السوفسطائية؟
وهل أهل السنة بحاجة إلى أن يسألوا أحدًا من الحدادية الجهلاء والخوارج؟
2)وقولك: "قل هو كافر بالكتاب والسنة والإجماع".
أقول:
تردادك لدعوى الإجماع يصدق عليه تكذيب الإمام أحمد لأمثال المريسي والأصم وأمثالهما في دعاواهم الإجماع.
"ومما يدفع دعوى الإجماع قول شيخ الإسلام رحمه الله: وتكفير تارك الصلاة هو المشهور المأثور عن جمهور السلف من الصحابة والتابعين". مجموع الفتاوى (20/ 97)، فهذا القول من هذا الإمام يبطل دعاوى الإجماع التي يرددها الحدادية الخوارج.
وفي الكتاب (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) في آيتين، فهذا من الأدلة على أن تارك الصلاة ليس بكافر؛ لأنه ليس بمشرك يعبد الأنداد مع الله.
وأما السنة ففيها إطلاق الكفر على تارك الصلاة، وإطلاق الكفر على أعمال أخرى مثل قوله صلى الله عليه وسلم:
1-(من قال لأخيه: يا كافر. فقد باء بها أحدهما).
2-وقوله صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر).
3-و(من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم).
4-وقوله صلى الله عليه وسلم: (ومن قال: مطرنا بنوء كذا. فهو كافر بالله مؤمن بالكوكب).
5-وقوله صلى الله عليه وسلم: (شارب الخمر كعابد الوثن).
والخوارج يكفرون هذه الأصناف وهم أسلافك فاصدع بقولهم وإلا تكون على منهجك الباطل مخالفا للكتاب والسنة وإجماع الخوارج.
أما أهل السنة جميعا فيطلقون الكفر على هذه الأصناف، ويقولون إنه كفر دون كفر. ([5])
ويمنعهم من إطلاق الكفر الأكبر الكتاب والسنة.
أما القرآن فمنه الآيتان السابق ذكرهما.
وأما السنة فأحاديث الشفاعة، ومنها:
1-حديث أبي سعيد الخدري المتفق عليه وفيه الشفاعة لأصناف من أهل النار من هذه الأمة:
الصنف الأول: المصلون الصائمون القائمون بالحج.
فهؤلاء مع قيامهم بهذه الأركان دخلوا النار بذنوبٍ أوبقتهم فمن لا يقوم بهذه الأركان أشد منهم عذابًا وأشد.
والصنف الثاني: من في قلبه مثقال دينار من خير.
الثالث: من في قلبه مثقال ذرة من خير.
والصنف الرابع: من لم يعملوا خيرًا قط، يخرجهم الله أرحم الراحمين من النار بمحض رحمته، ثم بما في قلوبهم وألسنتهم من التوحيد مهما ضعف.
2-وحديث أنس المتفق عليه، وفيه الشفاعة لعدد من الأصناف ومنهم:
(من في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان).
هؤلاء يخرجون من النار بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما في قلوبهم وألسنتهم من الإيمان.
وصنف رابع يشفع فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم من قال قال: لا إله إلا الله. مخلصًا فيها، فيقول الله له: ليس ذلك لك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال: لا إله إلا الله.
3-وحديث أبي هريرة رضي الله عنه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا).
أخرجه الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، والبغوي في شرح السنة.
4-حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه، أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وابن خزيمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (شفاعتي لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا).
5-وحديث ابن عباس رضي الله عنهما، أخرجه الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، والطبراني وفيه: (وأُعطيت الشفاعة فأخرتها لأمتي فهي لمن لا يشرك بالله شيئًا).
6-وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وفيه: (فإن كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم ولمن يشهد أن لا إله إلا الله) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وعنه المنذري في [الترغيب والترهيب]، والهيثمي في [مجمع الزوائد].
7-حديث أبي ذر رضي الله عنه، وفيه: (واختبأت دعوتي شفاعة لأمتي في القيامة وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئا) أخرجه ابن حبان في صحيحه، والبزار في مسنده.
8-وحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وفيه: (وأعطيت الشفاعة وليس من نبي إلا وقد سأل الشفاعة، وإني اختبأت شفاعتي ثم جعلتها لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والرُّوياني في مسنده، وصححه ابن كثير.
9-وحديث آخر لأبي ذر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتاني آت من ربي فأخبرني أو قال: بشرني أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة) قلت: وإن زنى وإن سرق. قال: (وإن زنى وإن سرق). متفق عليه.
10-وحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وفيه: (من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، حرم الله عليه النار).
أخرجه الترمذي في [باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله] وقال: "حسن صحيح غريب من هذا الوجه".
فهذه الأحاديث منعت جمهور أهل السنة من تكفير تارك الصلاة، وقولهم هو الراجح؛ لأنه يجمع بين الأدلة كلها ولا يأخذ بعضها ويدع البعض الآخر.
وقال الترمذي: "وقد روي عن الزهري أنه سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) فقال: إنما كان هذا في أول الإسلام قبل نزول الفرائض".
فتعقبه بقوله: "ووجه هذا الحديث عند أهل العلم أن أهل التوحيد سيدخلون الجنة وإن عذبوا بالنار بذنوبهم فإنهم لا يخلدون في النار".
أقول:
الظاهر أن إجابة الزهري إنما بناها على السؤال بنص هذا الحديث الذي ظاهره أن من قال لا إله إلا الله. دخل الجنة، ولو ارتكب قائلها الكبائر، ولا يدخل النار بذنوبه.
ولو أراد رحمه الله غير هذا، فكلٌّ يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله رحمه الله: "إنما كان هذا في أول الإسلام قبل نزول الفرائض".
يرده أن هذه الأحاديث غالبها أو كلها بعد نزول الفرائض ولاسيما أحاديث أبي هريرة، وأبي ذر، وأبي موسى، وعبد الله بن عمرو.
11-حديث أبي هريرة في غزوة تبوك، ومنه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة) أخرجه مسلم.
12-وحديث عبد الله بن عمرو عن صاحب البطاقة والسجلات، انظر (ص15) من أحاديث الشفاعة.
ثم نقول لمن يتعلق بهذا القول كالخوارج: ما تقولون في أحاديث فضل التوحيد، وأحاديث الشفاعة التي ذكرنا بعضها؟
فإن قالوا: هي صحيحة ونقول بمضامينها ودلالاتها.
فنقول: يجب أن تنضموا إلى أهل السنة الذين لا يكفرون تارك الصلاة؛ فإن هذه الأحاديث واضحة في أنه يخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط، وأنه يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال خردلة من إيمان.
وهي واضحة في أنهم يخرجون من النار بما عندهم من الإيمان الضعيف إلى نهاية الضعف، ثم بما عندهم من التوحيد.
ودعوا دعاوى الإجماع التي مؤداها التنكر لهذه الأحاديث والطعن في جمهور أهل السنة بما فيهم الشافعي.
ومالك، وأحمد، بل على قول شيخ الإسلام يتناول هذا الطعن الصحابة والتابعين الذين لا يكفرون تارك الصلاة.
ثم إن الذي يأخذ بهذه الأحاديث هو آخذ بأحاديث تكفير تارك الصلاة؛ لأنه يقول بأن تارك الصلاة يستحق القتل في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة.
ويقول: يوصف بالكفر الذي لا يخرجه من الإسلام.
وهذا ليس بقول غريب، فكثير من أصناف العصاة أطلق عليهم الكفر، فحمل هذا على الكفر الأصغر الذي لا يخرج من دائرة الإسلام، فكذا يقال في تارك الصلاة، وهذا هو المنهج الصحيح الذي يجمع بين أحاديث فضل التوحيد وأحاديث الشفاعة وبين الأحاديث التي يطلق فيها الكفر على أهل الكبائر.
فالراجح أن تحمل النصوص في تكفير تارك الصلاة على الكفر الأصغر الذي لا يخرج من ملة الإسلام كما حملت النصوص في تكفير الأصناف الأخرى على الكفر الأصغر.
هذا مع احترام أهل السنة بعضهم لبعض، فالذين يكفرون تارك الصلاة لا يطعنون في إخوانهم أهل السنة الذين لا يكفرونه؛ لأنهم يرون أن لهم الأدلة الكثيرة التي تمنعهم من تكفير تارك الصلاة، وكلهم مجتهدون، فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد.
وهذا المنهج الصحيح لا يؤمن به الخوارج ولا الروافض، والحدادية تسير على منهج هؤلاء الضالين.
هذه حجج وبراهين أهل السنة الذين لا يكفرون تارك الصلاة، وهذا منهجهم في هذا الباب وغيره من أبواب الدين.
وليسوا مقلدين للأشاعرة أهل الكلام كما يقوله أهل الإفك الحاقدون على أهل السنة.
وقال الحدادي في (ص13):
"فإن قال لك: قد ذهب إلى عدم تكفير تارك الصلاة مالك والشافعي وأحمد في رواية.
فقل له: بيني وبينك الأسانيد, فأين الإسناد عن مالك أو عن الشافعي, وهذه كتب مالك والشافعي ليس فيها شيء من ذلك, وأما الإمام أحمد رحمه الله فهو أبعد الثلاثة عن هذا القول لكثرة الروايات عنه في كفر تارك الصلاة".
أقول:
1)في هذا الكلام تكذيب لأئمة السنة الذين ينقلون عن هؤلاء الأئمة أنهم لا يكفرون تارك الصلاة، ينقلون هذا عن جمهور أهل السنة وعن أهل الحديث، وعن هؤلاء الأئمة الثلاثة، وهذا التكذيب لا يصدر إلا عن جهول لا يقيم وزنًا لأهل السنة ولا لأدلتهم ولا لعلمائهم إذا خالفوا جهله وهواه.
2)هات إسنادك إلى الإمام مالك أنه يكفر تارك الصلاة، وهات المصادر التي تنقل عن مالك تكفير تارك الصلاة، وما هي كتب مالك التي تنص على تكفير تارك الصلاة؟
وها هو الإمام مالك يورد حديثًا يدل على عدم تكفير تارك الصلاة.
ألا وهو حديث عبادة بن الصامت الذي أورده في [الموطأ] (1/123) في كتاب صلاة الليل – باب الأمر بالوتر.
قال رحمه الله: وعن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن ابن محيريز أن رجلا من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلا بالشام يكنى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب. فقال المخدجي: فرحت إلى عبادة بن الصامت فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد فأخبرته بالذي قال أبو محمد، فقال عبادة: كذب أبو محمد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خمس صلوات كتبهن الله عز و جل على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة).
فلو كان مالك يرى كفر تارك الصلاة لبين مذهبه هنا.
وإذن فإيراده وعدم الاعتراض عليه من الأدلة على أنه لا يرى كفر تارك الصلاة.
1-وقال ابن عبد البر في كتاب [التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد] (23/290) في شرح هذا الحديث بعد كلامه على رجال الإسناد وتبيين صحة هذا الحديث، قال:
"وَفِيهِ أَنَّ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ المُفْتَرَضَاتِ خَمْسٌ لَا غَيْرَ وَهَذَا مَحْفُوظٌ فِي غَيْرِ مَا حَدِيثٍ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ مِنَ المُسْلِمِينَ فِي مَشِيئَةِ الله إِذَا كَانَ مُوَحِّدًا مُؤْمِنًا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَدِّقًا مُقِرًّا وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ، وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ بِأَسْرِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ المُقِرَّ بِالْإِسْلَامِ فِي حِينِ دُخُولِهِ فِيهِ يَكُونُ مُسْلِمًا قَبْلَ الدُّخُولِ فِي عَمَلِ الصَّلَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ بِإِقْرَارِهِ وَاعْتِقَادِهِ وَعُقْدَةِ نِيَّتِهِ فَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا إِلَّا بِرَفْعِ مَا كَانَ بِهِ مُسْلِمًا وَهُوَ الْجُحُودُ لِمَا كَانَ قَدْ أَقَرَّ بِهِ وَاعْتَقَدَهُ وَاللهُ أَعْلَمُ".
ولو كان ابن عبد البر الإمام الفحل يعلم أن مالكًا يكفر تارك الصلاة لبين ذلك وصرح به.
2-وقال الإمام ابن عبد البر رحمه الله في [التمهيد] (4/230-231) بعد أن ذكر قول الذين يكفرون تارك الصلاة وأدلتهم على كفره وقتله، قال:
"وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَانٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ الْإِمَامُ لِتَارِكِ الصَّلَاةِ صَلِّ فَإِنْ قَالَ لَا أُصَلِّي سُئِلَ فَإِنْ ذَكَرَ عِلَّةً تَحْبِسُهُ أُمِرَ بِالصَّلَاةِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ فَإِنْ أَبَى مِنَ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا قَتَلَهُ الْإِمَامُ وَإِنَّمَا يُسْتَتَابُ مَا دَامَ وَقْتُ الصَّلَاةِ قَائِمًا يُسْتَتَابُ فِي أَدَائِهَا وَإِقَامَتِهَا فَإِنْ أَبَى قُتِلَ وَوَرِثَهُ ورثته وهذا قَوْلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَمَذْهَبُهُمْ وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ عَنْ مَالِكٍ".
ثم قال:
"وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَجَلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ وَهْبٍ يَقُولُ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَصَدَّقَ المُرْسَلِينَ وَأَبَى أَنْ يُصَلِّيَ قُتِلَ. وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَجَمِيعُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ مَكْحُولٍ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَوَكِيعٍ.
وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ هَذَا المَذْهَبَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ اسْتَحَلَّ دِمَاءَ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَقَالَ: وَالله لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ. فَقَاتَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ فِي جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَأَرَاقَ دِمَاءَهُمْ لِمَنْعِهِمُ الزَّكَاةَ وَإِبَايِتِهِمْ مِنْ أَدَائِهَا، فَمَنِ امْتَنَعَ مِنَ الصَّلَاةِ وَأَبَى مِنْ إِقَامَتِهَا كَانَ أَحْرَى بِذَلِكَ".
فهو هنا ينص على مذهب الشافعي ومالك رحمهما الله وغيرهما، وساق أدلتهم على عدم تكفيره.
فهل جهال الحدادية أعلم من هذا الإمام وأمثاله الذين ينصون على مذهب الإمامين مالك والشافعي وغيرهما بأنهم لا يكفرون تارك الصلاة، ومع ذلك يرون وجوب قتله وأنهم يرون أن ورثته المسلمين يرثونه.
3-وقال ابن عبد البر رحمه الله في (4/238):
"وَقَدْ رَأَى مَالِكٌ اسْتِتَابَةَ الْإِبَاضِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ فَإِنْ تَابُوا والا قتلوا ذكر ذلك إسماعيل الْقَاضِي عَنْ أَبِي ثَابِتٍ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ: قُلْتُ لِأَبِي ثَابِتٍ هَذَا رَأْيُ مَالِكٍ فِي هَؤُلَاءِ حَسْبُ؟ قَالَ: بَلْ فِي كُلِّ أَهْلِ الْبِدَعِ. قَالَ الْقَاضِي: وَإِنَّمَا رَأَى مَالِكٌ ذَلِكَ فِيهِمْ لِإِفْسَادِهِمْ فِي الْأَرْضِ وَهُمْ أَعْظَمُ إِفْسَادًا مِنَ الْمُحَارِبِينَ؛ لِأَنَّ إِفْسَادَ الدِّينِ أَعْظَمُ مِنْ إِفْسَادِ الْمَالِ لَا أَنَّهُمْ كُفَّارٌ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: فَهَذَا مَالِكٌ يُرِيقُ دِمَاءَ هَؤُلَاءِ وَلَيْسُوا عِنْدَهُ كُفَّارًا فَكَذَلِكَ تَارِكُ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ قَتْلُهُ لَا مِنْ جِهَةِ الكفر".
وفي هذا المقطع ينص على أن مالكًا لا يكفر الإباضية والقدرية ولا تارك الصلاة، وأنه يرى قتلهم، فهل ينطلق ابن عبد البر من منهج الأشاعرة والمتكلمين؟!
ومن أئمة السنة المالكية: الإمام ابن سحنون، والإمام ابن أبي زيد القيرواني، يقولان وينقلان عن العلماء القول بعدم كفر تارك الصلاة مع إقراره بوجوبها:
سئل الإمام ابن أبي زيد القيرواني (310-386) عن تارك الصلاة عمدا، وهو مُقرٌّ بها، هل يُزوج مسلمة، وتؤكل ذبيحته؟
فأجاب: «أتى عظيما من الكبائر، ولايُخرجه ذلك من الإسلام، وتؤكل ذبيحته، ويُصلى عليه، ويورث ويُناكح، وهو قول مالك وشعبة خلافا لابن حبيب، فإنه يُكفِّره, وقد أفرط في القول, وإن كان روى عنه عليه أفضل وأشرف السلام: (ليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة), فلم يحمله العلماء على كفر الحجة, واحتجوا بحديث عبادة بن الصامت وفيه: (أنه ليس له عند الله عمل؛ إن شاء عذَّبه وإن شاء أدخله الجنة) الحديث, فلو كان كافرا لحرَّم الجنة عليه لأنها محرمة عليهم».
المصدر: فتاوى ابن أبي زيد القيرواني (ص:104) ط. دار الغرب الإسلامي.
وله فتاوى أخرى بهذا المعنى.
وسئل الإمام أبو عبد الله محمد بن سحنون (202هـ-256هـ) كما في «فتاوى ابن سحنون» (ص438–439) عن تارك الصلاة من غير عذر وما حكمه؟
قال -رحمه الله-: "ذلك على وجهين:
إذا جحد وجوبها وقال: ليست بواجبة عليّ ولا على أحد، أو أنكر وجوب الوضوء أو الصوم أو الزكاة، أو جحد فرضاً من فرائض الإسلام أي فرض كان، فحكمه حكم المرتد يستتاب ثلاثة أيام، فإن لم يتب وتمادى على جحده قُتل كفراً.
واختلف في ماله، فقيل: يكون في بيت مال المسلمين إن كان بيت المال صالحاً, وإن كان ظلوماً غشوماً فيفرق بين الفقراء والمساكين.
وقيل: ماله لورثته من المسلمين.
وإن ترك الصلاة تهاوناً بها وعجزاً وتفريطاً، وهو مقر بوجوبها، فإنه يؤدب ويعاقب عقوبة شديدة ؛ لأن ترك الصلاة من أكبر الكبائر وأعظم الذنوب عند الله تعالى، وهذا إذا أقر بوجوبها ووعد بفعلها.
وإذا أقر بوجوبها وامتنع من أدائها، وقال: لا أصلي، فإنه يُنظر إلى خروج الوقت الذي أمر فيه بالصلاة، فإن لم يصلها قُتل، واختلف في قتله:
فقيل: يقتل حدّاً ويدفن في مقابر المسلمين ويرثه ورثته المسلمون، لأنه مؤمن عاص، وعليه جمهور العلماء من الصحابة والتابعين. ([6])
وقيل: يقتل كفراً ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرثه ورثته من المسلمين، ويكون ماله لبيت مال المسلمين، وهو قول ابن حبيب وجماعة من التابعين، وسندهم في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (بين العبد المؤمن والكافر ترك الصلاة)، ظاهر الحديث على أي وجه تركها، وقال جمهور العلماء: معنى الحديث: إذا تركها جاحداً لوجوبها».
المصدر: فتاوى ابن سحنون، محمد بن عبد السلام بن سعيد التنوخي القيرواني المالكي، دار النشر:دار ابن القيم-الرياض، دار ابن عفان- مصر، ط1، 1432هـ/2011م.
وقد وصف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ابن سحنون [202هـ-256هـ] بالإمامة وعده قريباً من طبقة الائمة الشافعي وأحمد وابن راهويه كما في كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص/512-513).
وقال الجهني الحدادي المكابر (ص13-14):
"وأما الشافعي رحمه الله فقد نقل عنه تلميذه المزني – وهو أعلم الناس به – القول بكفر تارك الصلاة.
قال المزني في "المختصر" ص53: قال الشافعي: "يقال لمن ترك الصلاة حتى يخرج وقتها بلا عذر: لا يصليها غيرك, فإن صليت وإلا استتبناك, فإن تبت وإلا قتلناك كما يكفر فنقول: إن آمنت وإلا قتلناك. وقد قيل يستتاب ثلاثا فإن صلى فيها، وإلا قتل وذلك حسن إن شاء الله".
أقول:
1-إن كلام الشافعي هنا يدل على عدم تكفيره لتارك الصلاة؛ لأنه لم ينص على كفره وإنما على استتابته؛ فإن تاب وإلا قتل.
2-وقوله: "كما يكفر فنقول: إن آمنت وإلا قتلناك".
يريد بهذا القول قياس قتل تارك الصلاة على قتل المرتد، ولا يريد بهذا كفر تارك الصلاة؛ فقد غاير بينهما، فذاك يقتل لأنه تارك للصلاة وهذا يقتل لأنه مرتد كافر بالإسلام.([7])
3-يوضحه أن الإمام الشافعي رحمه الله قاس قتل تارك الصلاة على قتال مانعي الزكاة محتجًّا بقتال أبي بكر لمانعي الزكاة.
ففي [الأم] (1/255):
"[الْحُكْمُ فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ]
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ مِمَّنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ قِيلَ لَهُ لِمَ لَا تُصَلِّي؟ فَإِنْ ذَكَرَ نِسْيَانًا قُلْنَا فَصَلِّ إذَا ذَكَرْت، وَإِنْ ذَكَرَ مَرَضًا قُلْنَا: فَصَلِّ كَيْفَ أَطَقْت قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ مُومِيًا. فَإِنْ قَالَ: أَنَا أُطِيقُ الصَّلَاةَ، وَأُحْسِنُهَا، وَلَكِنْ لَا أُصَلِّي وَإِنْ كَانَتْ عَلَيَّ فَرْضًا. قِيلَ لَهُ: الصَّلَاةُ عَلَيْك شَيْءٌ لَا يَعْمَلُهُ عَنْك غَيْرُك، وَلَا تَكُونُ إلَّا بِعَمَلِك فَإِنْ صَلَّيْت، وَإِلَّا اسْتَتَبْنَاك فَإِنْ تُبْت، وَإِلَّا قَتَلْنَاك فَإِنَّ الصَّلَاةَ أَعْظَمُ مِنْ الزَّكَاةِ، وَالْحُجَّةُ فِيهَا مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: "لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا مِمَّا أَعْطَوْا رَسُولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَقَاتَلْتهمْ عَلَيْهِ، لَا تُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا جَمَعَ اللهُ".
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يَذْهَبُ فِيمَا أَرَى، وَاَلله تَعَالَى أَعْلَمُ إلَى قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] وَأَخْبَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ إنَّمَا يُقَاتِلُهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَاتَلُوا مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ إذْ كَانَتْ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَنَصَبَ دُونَهَا أَهْلُهَا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُمْ طَائِعِينَ، وَلَمْ يَكُونُوا مَقْهُورِينَ عَلَيْهَا فَتُؤْخَذُ مِنْهُمْ كَمَا تُقَامُ عَلَيْهِمْ الْحُدُودُ كَارِهِينَ وَتُؤْخَذُ أَمْوَالُهُمْ لِمَنْ وَجَبَتْ لَهُ بِزَكَاةٍ أَوْ دَيْنٍ كَارِهِينَ أَوْ غَيْرَ كَارِهِينَ فَاسْتَحَلُّوا قِتَالَهُمْ وَالْقِتَالُ سَبَبُ الْقَتْلِ فَلَمَّا كَانَتْ الصَّلَاةُ، وَإِنْ كَانَ تَارِكُهَا فِي أَيْدِينَا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنَّا فَإِنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى أَخْذِ الصَّلَاةِ مِنْهُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَيْءٍ يُؤْخَذُ مِنْ يَدَيْهِ مِثْلُ اللُّقَطَةِ، وَالْخَرَاجِ، وَالْمَالِ.
قُلْنَا: إنْ صَلَّيْت، وَإِلَّا قَتَلْنَاك، كَمَا يَكْفرُ، فَنَقُولُ: إنْ قَبِلْت الْإِيمَانَ، وَإِلَّا قَتَلْنَاك إذْ كَانَ الْإِيمَانُ لَا يَكُونُ إلَّا بِقَوْلِك، وَكَانَتْ الصَّلَاةُ، وَالْإِيمَانُ مُخَالِفَيْنِ مَعًا مَا فِي يَدَيْك، وَمَا نَأْخُذُ مِنْ مَالِك لِأَنَّا نَقْدِرُ عَلَى أَخْذِ الْحَقِّ مِنْك فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَرِهْت.([8]) فَإِنْ شَهِدَ عَلَيْهِ شُهُودٌ أَنَّهُ تَرَكَ الصَّلَاةَ سُئِلَ عَمَّا قَالُوا فَإِنْ قَالَ: كَذَبُوا، وَقَدْ يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ صُدِّقَ، وَإِنْ قَالَ: نَسِيت صُدِّقَ وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ صَلَّى جَالِسًا، وَهُوَ صَحِيحٌ فَإِنْ قَالَ: أَنَا مَرِيضٌ أَوْ تَطَوَّعْت صُدِّقَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ قِيلَ يُسْتَتَابُ تَارِكُ الصَّلَاةِ ثَلَاثًا، وَذَلِكَ إنْ شَاءَ الله تَعَالَى حَسَنٌ؛ فَإِنْ صَلَّى فِي الثَّلَاثِ، وَإِلَّا قُتِلَ، وَقَدْ خَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِيمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ إذَا أُمِرَ بِهَا، وَقَالَ: لَا أُصَلِّيهَا فَقَالَ: لَا يُقْتَلُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَضْرِبُهُ وَأَحْبِسُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَحْبِسُهُ، وَلَا أَضْرِبُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَضْرِبُهُ، وَلَا أَحْبِسُهُ، وَهُوَ أَمِينٌ عَلَى صَلَاتِهِ".
انظر إلى قوله: [الْحُكْمُ فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ] ولم يقل: الحكم في المرتد.
ثم انظر كيف استدل الإمام الشافعي هنا على قتل تارك الصلاة بقول أبي بكر رضي الله عنه في مانعي الزكاة: "لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا مِمَّا أَعْطَوْا رَسُولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَقَاتَلْتهمْ عَلَيْهِ، لَا تُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا جَمَعَ اللهُ".
ثم ساق دليل أبي بكر وهو قول الله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}.
وانظر قوله: "وَأَخْبَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ إنَّمَا يُقَاتِلُهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ".
ثانيًا: قاس الإمام الشافعي مرة أخرى قتل تارك الصلاة على قتل المرتد، فقال: "كَما يَكْفرُ، فَنَقُولُ: إنْ قَبِلْت الْإِيمَانَ، وَإِلَّا قَتَلْنَاك إذْ كَانَ الْإِيمَانُ لَا يَكُونُ إلَّا بِقَوْلِك".
ولم يقل لتارك الصلاة: إن قبلت الإيمان وإلا قتلناك. إذ لا يكون الإيمان إلا بقولك؛ لأنه عنده مسلم غير كافر، وهذا كلام واضح جلي في تفريقه بين المرتد عن الإسلام وبين تارك الصلاة.
وانظر إلى قول هذا الإمام: "وَقَدْ قِيلَ يُسْتَتَابُ تَارِكُ الصَّلَاةِ ثَلَاثًا، وَذَلِكَ إنْ شَاءَ الله تَعَالَى حَسَنٌ؛ فَإِنْ صَلَّى فِي الثَّلَاثِ، وَإِلَّا قُتِلَ".
وهؤلاء الذين حكى كلامهم لا يبعد أنهم من السابقين له.
فحكم عليه بعد الاستتابة ثلاثًا بالقتل ولم يحكم عليه هو وغيره بالكفر والردة، وهذا واضح جلي عند من يعقل ويدرك معنى هذا الكلام.
ثم حكى الإمام الشافعي خلاف من خالفه في قتل تارك الصلاة، فقال:
"وَقَدْ خَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِيمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ إذَا أُمِرَ بِهَا، وَقَالَ: لَا أُصَلِّيهَا فَقَالَ: لَا يُقْتَلُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَضْرِبُهُ وَأَحْبِسُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَحْبِسُهُ، وَلَا أَضْرِبُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَضْرِبُهُ، وَلَا أَحْبِسُهُ، وَهُوَ أَمِينٌ عَلَى صَلَاتِهِ".
فلم يقل: كيف تقولون هذه الأقوال فيمن هو كافر كافر بالله، ولم يحكم على أهل هذه الأقوال بالإرجاء، كيف وفي القائلين بعدم قتله الإمام الزهري!.
ثم استمر الإمام الشافعي في نقاش من لا يرى قتل تارك الصلاة نقاشًا علميًّا ولو كان الشافعي يرى كفره لقال: كيف تجادلون في قتل كافر مرتد.
وأقول:
لقد تجلى للقارئ النبيل أن الشافعي من أبعد الناس عن تكفير تارك الصلاة وأنه مع عدم تكفيره له يرى استتابته فإن تاب وصلى وإلا وجب قتله.
ومما يؤكد أن الإمام الشافعي لا يرى كفر تارك الصلاة وبعده عن ذلك قوله في [الأم] (1/69):
"ذَكَرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الِاسْتِئْذَانَ فَقَالَ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ {وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا} [النور: 59] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6] وَلَمْ يَذْكُرْ الرُّشْدَ الَّذِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ أَنْ تُدْفَعَ إلَيْهِمْ أَمْوَالُهُمْ إلَّا بَعْدَ بُلُوغِ النِّكَاحِ وَفَرَضَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الْجِهَادَ فَأَبَانَ رَسُولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِهِ عَلَى مَنْ اسْتَكْمَلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً بِأَنْ «أَجَازَ ابْنَ عُمَرَ عَامَ الْخَنْدَقِ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَرَدَّهُ عَامَ أُحُدٍ ابْنَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً» فَإِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ الْحُلُمَ وَالْجَارِيَةُ الْمَحِيضَ غَيْرَ مَغْلُوبِينَ عَلَى عُقُولِهِمَا، أَوْجَبْتُ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةَ وَالْفَرَائِضَ كُلَّهَا، وَإِنْ كَانَا ابْنَيْ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَآمُرُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالصَّلَاةِ إذَا عَقَلَهَا فَإِذَا لَمْ يَعْقِلَا لَمْ يَكُونَا كَمَنْ تَرَكَهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَأُؤَدِّبُهُمَا عَلَى تَرْكِهَا أَدَبًا خَفِيفًا وَمَنْ غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ بِعَارِضِ مَرَضٍ أَيِّ مَرَضٍ كَانَ ارْتَفَعَ عَنْهُ الْفَرْضُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ} [البقرة: 197] وَقَوْلِهِ {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ} [الرعد: 19] وَإِنْ كَانَ مَعْقُولًا لَا يُخَاطَبُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إلَّا مَنْ عَقَلَهُمَا".
انظر إلى قول هذا الإمام: "فَإِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ الْحُلُمَ وَالْجَارِيَةُ الْمَحِيضَ غَيْرَ مَغْلُوبِينَ عَلَى عُقُولِهِمَا، أَوْجَبْت عَلَيْهِمَا الصَّلَاةَ وَالْفَرَائِضَ كُلَّهَا".
ثم انظر إلى قوله: "وَأُؤَدِّبُهُمَا عَلَى تَرْكِهَا أَدَبًا خَفِيفًا".
فمن هذا واقعه وموقفه من تارك الصلاة هنا وهناك، فكيف تصح دعوى من يقول: إنه يكفر تارك الصلاة.
وبعد ظهور واتضاح مذهب هذا الإمام من نص كلامه في عدم تكفيره لتارك الصلاة فمن ينسب إليه أنه يكفره فهو مكابر معاند كمن ينكر ظهور الشمس في كبد السماء.
أضف إلى هذا نقول العلماء الكبار عنه رحمه الله أنه ممن لا يكفر تارك الصلاة.
وقال الجهني الحدادي:
"فإن قيل: إن محمد بن نصر قد نسب إلى الشافعي القول بعدم التكفير.
فالجواب: أن محمد بن نصر لم يذكر إسناده إلى الشافعي. فإسناده إلى الشافعي مجهول, ولا يترك الشيء المعلوم للشيء المجهول. بل قال الفقهاء "المجهول كالمعدوم".
أقول:
مسكين هذا الحدادي، يبالغ في الإشادة بالإمام محمد بن نصر وبمكانته العظيمة، فإذا قال قولًا حقًّا وثابتًا نسي وتجاهل تلك المكانة.
فانظر إليه كيف يطعن في نقله الحق لمذهب الإمام الشافعي في تارك الصلاة والذي ما قاله إلا عن علم، فيحكم هذا الجهول بأنه ليس للإمام محمد بن نصر إسناد إلى الشافعي، بل إسناده مجهول، والمجهول عند الفقهاء كالمعدوم.
وهنا يعتد بكلام الفقهاء الذين يطعن فيهم وأنهم إنما تلقوا الحكم بعدم تكفير تارك الصلاة من المبتدعة الأشاعرة المرجئة.
فغلب هواه الآن حكمه السابق عليهم في عدم قبول كلامهم إلى قبول كلامهم في مثل إسناد محمد بن نصر إلى الإمام الشافعي.
وهاك ما يدحض هذا الهراء والخرص تجاه محمد بن نصر رحمه الله ونقله لمذهب الإمام الشافعي في عدم تكفيره لتارك الصلاة:
قال الحافظ الذهبي في ترجمته في [سير أعلام النبلاء] (14/33-34):
مُحَمَّدُ بنُ نَصْر بنِ الحَجَّاجِ المَرْوَزِيُّ الإِمَامُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، أَبُو عَبْدِ اللهِ الحَافِظُ.
مَوْلِدُهُ بِبَغْدَادَ، فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَمائَتَيْنِ، وَمَنْشَؤُهُ بِنَيْسَابُوْرَ، وَمَسْكَنُهُ سَمَرْقَنْدُ. كَانَ أَبُوْهُ مَرْوَزِيّاً، وَلَمْ يُرْفَعْ لَنَا فِي نَسَبِهِ.
ذَكَرَهُ الحَاكِمُ، فَقَالَ: إِمَامُ عَصْرِهِ بِلاَ مُدَافعَةٍ فِي الحَدِيْثِ.
سَمِعَ بِخُرَاسَانَ مِنْ: يَحْيَى بنِ يَحْيَى التَّمِيْمِيِّ، وَأَبِي خَالِدِ يَزِيْدَ بنِ صَالِحٍ، وَعُمَرَ بنِ زُرَارَةَ، وَصَدَقَةَ بنِ الفَضْلِ المَرْوَزِيّ، وَإِسْحَاقَ بنِ رَاهْوَيْه، وعلي ابن حجر. وبالري: محمد بن مهران الحمال، ومحمد بن مقاتل وَمُحَمَّدَ بنَ حُمَيْدٍ، وَطَائِفَةٍ. وَبِبَغْدَادَ: مُحَمَّدَ بنَ بكار بن الرَّيَّانِ، وَعُبَيْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ القَوَارِيْرِيّ، وَالطَّبَقَة. وَبِالبَصْرَة: شَيْبَانَ بنَ فَرُّوخٍ، وَهُدْبَةَ بنَ خَالِدٍ، وَعبدَالواحدِ بنَ غِيَاثٍ، وَعِدَّةً. وَبَالكُوْفَةِ: مُحَمَّدَ بنَ عَبْدِ اللهِ بنِ نُمَيْرٍ، وَهَنَّاد، وَابنَ أَبِي شَيْبَةَ، وَطَائِفَةً. وَبَالمَدِيْنَةِ: أَبَا مُصْعَبٍ، وَإِبْرَاهِيْمَ بنَ المُنْذِرِ الحِزَامِيّ، وَطَائِفَةً. وَبَالشَّامِ: هِشَامَ بنَ عَمَّارٍ، وَدُحَيْماً.
قُلْتُ: وَبِمِصْرَ مِنْ: يُوْنُسَ الصَّدَفيِّ، وَالرَّبِيْعِ المُرَادِيِّ، وَأَبِي إِسْمَاعِيْلَ المُزَنِيّ، وَأَخَذَ عَنْهُ كُتُبَ الشَّافِعِيّ ضَبْطاً وَتفَقُّهًا. وَكَتَبَ الكَثِيْرَ، وَبَرَعَ فِي عُلُومِ الإِسْلاَمِ، وَكَانَ إِمَاماً مُجْتَهِداً عَلاَّمَةً، مِنْ أَعْلَمِ أَهْلِ زَمَانِهِ بِاخْتِلاَفِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيْنَ، قلَّ أَنْ تَرَى العُيُونَ مِثْلَهُ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الخَطِيْبُ: حَدَّثَ عَنْ: عَبْدَانَ بنِ عُثْمَانَ. ثُمَّ سمَّى جَمَاعَةً، وَقَالَ: كَانَ مِنْ أَعْلَمِ الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم في الأحكام.
قُلْتُ: يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ أَعْلَم الأَئِمَّةِ بِاخْتِلاَفِ العُلَمَاءِ عَلَى الإِطلاَقِ" حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو العَبَّاسِ السَّرَّاجِ، وَمُحَمَّدُ بنُ المُنْذِرِ شَكَّر، وَأَبُو حَامِدٍ بنُ الشَّرْقِيِّ، وَأَبُو عَبْدِ الله مُحَمَّدُ بنُ يَعْقُوْبَ بنِ الأَخْرَمِ، وَأَبُو النَّضْرِ مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدٍ الفَقِيْه، وَوَلَدُهُ إِسْمَاعِيْل بن مُحَمَّدِ بنِ نصرٍ، وَمُحَمَّدُ بنُ إِسْحَاقَ السَّمَرْقَنْدِيّ، وَخَلْقٌ سِوَاهُم".
وترجم له الأسنوي في [طبقات الشافعية] (2/372) فقال في ترجمته: "وتفقه بمصر على أصحاب الشافعي".
أقول:
وعلى رأسهم المزني.
وذكره الحافظ ابن الصلاح في [طبقات الفقهاء الشافعية] (1/277/282) فقال:
"مُحَمَّد بن نصر أَبُو عبد الله الإِمَام الْمروزِي، صَاحب التصانيف الجَمَّة، أحد من استبحر فِي علمي الْفِقْه والْحَدِيث، وَجمع بَين فضيلتي الْإِمَامَة والديانة.
وَهُوَ صَاحب اخْتِيَار، وَرُبمَا تذرع متذرع بِكَثْرَة اختياراته المُخَالفَة لمَذْهَب الشَّافِعِي إِلَى الْإِنْكَار على الْجَمَاعَة العادين لَهُ فِي أَصْحَابنَا، وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، لِأَنَّهُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَة ابْن خُزَيْمَة، والمزني، وَأبي ثَوْر قبله، وَغَيرهم، فَلَقَد كثرت اختياراتهم المُخَالفَة لمَذْهَب الشَّافِعِي، ثمَّ لم يخرجهم ذَلِك عَن أَن يَكُونُوا فِي قبيل أَصْحَاب الشَّافِعِي معدودين، وبوصف الاعتزاء إِلَيْهِ موصوفين".
فهذا ابن الصلاح يعد محمد بن نصر في أصحاب الشافعي الذين لهم اختيارات، أليس من هذا حاله أعلم بمذهب الشافعي ممن يخالفه كالطحاوي؟!
وقال في (ص280): "سمع بخراسان يحيى بن يحيى".
وقال النووي في [تهذيب الأسماء واللغات] (1/92-93) في طليعة ترجمة
محمد بن نصر:
"من أصحابنا أصحاب الوجوه، مذكور في الروضة في الوصية في ركن الصيغة، وفى كتاب الصداق في باب تشطره في مسألة من أصدقها حليًا فكسرته. هو الإمام البارع العلامة في فنون العلم، أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي الفقيه الشافعي.
روينا في تاريخ بغداد عن الخطيب، قال: محمد بن نصر المروزي، أبو عبدالله الفقيه، صاحب التصانيف الكثيرة، والكتب الجمة، ولد ببغداد، ونشأ بنيسابور، ورحل إلى سائر الأمصار في طلب العلم، واستوطن سمرقند.
وكان من أعلم الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم في الأحكام".
ثم ذكر في ترجمته ثناء العلماء عليه كالخطيب وغيره.
فهل يؤخذ بكلام هؤلاء العلماء الصادقين العالمين بمحمد بن نصر وبصلته القوية بمذهب الإمام الشافعي وأخذه عن أصحاب الشافعي ومنهم المزني الذي أخذ عنه كتب الشافعي ضبطً وتفقهًا؟
فلا يقارن محمد بن نصر بالطحاوي؛ إذ معرفته بالشافعي ومذهبه أكثر وأكثر بمراحل.
وقال الجهني الحدادي المكابر:
"فإن أبت المرجئة المعاصرة إلا الاعتماد على كلام محمد بن نصر, فيما نسبه إلى الإمام الشافعي, فيقال لهم : هذا الحافظ الطحاوي, معاصر لمحمد بن نصر, وأقرب منه إلى الشافعي, حيث أخذ فقه الشافعي عن خاله المزني تلميذ الشافعي, ينقل في كتابه "شرح مشكل الآثار 205/8" عن الشافعي القول بكفر تارك الصلاة . وليس ما عزاه ابن نصر بأولى مما عزاه الطحاوي, بل هذا أولى وأقرب, فإن الطحاوي كان شافعيا أول أمره, ثم تحول حنفيا . وهو ينقل قول الشافعي عن المزني صاحب الشافعي.
أقول:
1)لم ينقل الطحاوي مذهب الشافعي في هذه المسألة عن المزني، فهذا من كيس هذا الحدادي.
2)الظاهر أن الطحاوي أخذ شيئًا من العلم لا كتب الشافعي ثم ترك المزني وانحاز إلى الأحناف.
3)لقد أخطأ الطحاوي في نسبة تكفير تارك الصلاة إلى الإمام الشافعي؛ لأن قوله هذا يخالف نص الشافعي نفسه في عدم كفر تارك الصلاة في موضعين من كتاب [الأم] كما أسلفنا، ويخالف أقوال العلماء الذين هم أعرف بمذهب الشافعي منه.
4)ومحمد بن نصر أعلم منه بمذهب الشافعي؛ فإنه أخذ فقه الشافعي عن أصحابه ولاسيما المزني، وقد سلف عن الذهبي أن محمد بن نصر أخذ العلم بمصر من يونس الصدفي والربيع المرادي وأبي إسماعيل المزني، وأخذ عنه كتب الشافعي ضبطًا وتفقهًا، وهؤلاء أصحاب الشافعي ولاسيما المزني الذي أخذ عنه ابن نصر على وجه العموم أولا وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بمذهب الشافعي، فسقطت أراجيف هذا الحدادي.
فتبين واتضح للقارئ مذهب الشافعي في عدم تكفيره لتارك الصلاة، فهل يلتفت عاقل منصف إلى تخرصات الجهلاء ومكابراتهم ويترك كلام العلماء الثقات؟!
وقال الجهني المتهور في (ص15):
"هذا, ولم يزل أصحاب الشافعي من علماء الحديث على مذهب السلف في هذه المسألة, فهذا الحافظ الكبير أبو عوانة الاسفراييني, صاحب المستخرج على صحيح مسلم, قال عنه الذهبي في " سير أعلام النبلاء " : وكان رحمه الله, أول من أدخل إسفرايين مذهب الشافعي وكتبه, حملها عن الربيع المرادي والمزني . انتهى.
عقد أبو عوانة بابا في كتابه " المستخرج على صحيح مسلم 63/1 " في كتاب الإيمان قال فيه : باب : أفضل الأعمال, والدليل على أن الإيمان قول وعمل, وأن من ترك الصلاة فقد كفر, والدليل على أنها أعلى الأعمال إذ تاركها يصير بتركها كافرا . اهـ
فهذا هو مذهب الشافعي وأصحابه, لخصها([9]) أبو عوانة في هذا التبويب الفريد, وهو حتما لا يروق للمرجئة, لأنه ربط بين الإيمان والصلاة . وجعل مسألة ترك الصلاة في كتاب الإيمان".
أقول:
1-إن من المجازفة قول هذا الحدادي: "هذا, ولم يزل أصحاب الشافعي من علماء الحديث على مذهب السلف في هذه المسألة".
فَسَمِّ لنا أصحاب الشافعي هؤلاء، واذكر لنا أقوالهم من مصادرها وأثبت نسبتهم إلى الإمام الشافعي؛ فإن عجزت فلأهل السنة أن يكذبوك، والظاهر أنه اخترع هذا الكلام لما وجد أبا عوانة يكفر تارك الصلاة.
2-إن أصحاب الشافعي لهم اجتهادات واختيارات كثيرة يخالفون فيها الإمام الشافعي وتسمى بالوجوه عند فقهاء الشافعية ومنهم أبو عوانة، فهو وإن درس كتب الشافعي فإنه ليس من أهل التقليد الأعمى، بل هو كفحول علماء الحديث لا يجيزون التقليد، ويوجبون على القادر على الاجتهاد أن يجتهد، فانطلاق أبي عوانة في هذه المسألة من باب الاجتهاد، ومن هنا خالف الإمام الشافعي في مسألة تارك الصلاة.
3-وقول الحدادي: "فهذا هو مذهب الشافعي وأصحابه, لخصها أبو عوانة في هذا التبويب".
أقول:
وهذه كذبةٌ صلعاء تدل على جرأة هذا الرجل على التفوه بالباطل، فهل قال أبو عوانة هذا قول الشافعي وأصحابه؟ حاشا أبا عوانة أن يقول هذا القول على الشافعي وهو ممن يعلم أن الشافعي ومعظم أصحابه لا يكفرون تارك الصلاة.
يا هذا، أرحنا أنت وأصحابك من كثرة الكذب والعناد والمكابرة، فالشافعي نفسه نص على عدم تكفير تارك الصلاة، فماذا تريدون بعد هذا؟!
وهاك عددًا من علماء المذاهب الشافعية والمالكية والحنابلة ينقلون عن الشافعي أنه من العلماء الذين لا يكفرون تارك الصلاة.
وقد تقدم نقل ابن عبد البر لذلك.
وهذا الإمام ابن قدامة ينقل أقوال العلماء في تارك الصلاة في كتابه [المغني] (2/329-232)، ونقل الإجماع على تكفير الجاحد لوجوبها، ثم نقل كلام العلماء في تارك الصلاة كسلًا وتهاونًا وأنه يدعى إلى فعلها ويخوف بالقتل؛ فإن صلى وإلا قتل بالسيف، ونقل قول من يكفرونه وأدلتهم ومن لا يكفرونه وأدلتهم.
ثم قال:
"وبهذا قال مالك وحماد بن زيد والشافعي، وقال الزهري: يضرب ويسجن. وبه قال أبو حنيفة".
ثم قال الإمام ابن قدامة رحمه الله في المغني:
"وإن تركها تهاونًا أو كسلًا دُعي إلى فعلها، وقيل له: إن صليت وإلا قتلناك. فإن صلى، وإلا وجب قتله، ولا يُقتل حتى يحبس ثلاثًا، ويُضيّق عليه فيها، ويُدعى في وقت كل صلاة إلى فعلها، ويُخوف بالقتل؛ فإن صلى وإلا قتل بالسيف.
وبهذا قال مالك، وحماد بن زيد، ووكيع، والشافعي.
وقال الزهري: يُضرب ويُسجن، وبه قال أبو حنيفة قال: ولا يقتل؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق» متفق عليه.
وهذا لم يصدر منه أحد الثلاثة، فلا يحل دمه، وقال النبي ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» متفق عليه.
ولأنه فرع من فروع الدين، فلا يقتل بتركه، كالحج، ولأن القتل لو شرع لشرع زجرًا عن ترك الصلاة، ولا يجوز شرع زاجر يمنع تحقق المزجور عنه، والقتل يمنع فعل الصلاة دائمًا، فلا يشرع؛ ولأن الأصل تحريم الدم، فلا تثبت الإباحة إلا بنص، أو معنى نص، والأصل عدمه".
ثم ساق أقوال وأدلة من يكفره ومنهم الإمام أحمد.
ثم قال رحمه الله:
"والرواية الثانية([10]): يُقتل حدًّا مع الحكم بإسلامه، كالزاني المُحصَن، وهذا اختيار أبي عبد الله بن بطة، وأنكر قول من قال: إنه يكفر. وذكر أن المذهب على هذا، لم يجد في المذهب خلافًا فيه".
وقال النووي رحمه الله في المجموع (3/15-20):
(فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ تكا سلا مَعَ اعْتِقَادِهِ وُجُوبَهَا: فَمَذْهَبُنَا الْمَشْهُورُ مَا سَبَقَ أَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا وَلَا يُكَفَّرُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَكْثَرُونَ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يُكَفَّرُ وَيُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ فِي كُلِّ شيء وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَبِهِ قَالَ مَنْصُورٌ الْفَقِيهُ مِنْ أَصْحَابِنَا كَمَا سَبَقَ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالمُزَنِيُّ([11]): لَا يُكَفَّرُ وَلَا يُقْتَلُ بَلْ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ وَاحْتُجَّ لِمَنْ قَالَ بِكُفْرِهِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ وَهَكَذَا الرواية "الشرك والكفر بالواو"... .
وذكر أدلة من يكفره وأدلة من لا يكفره.
وأما الإمام أحمد رحمه الله فله أقوال في تارك الصلاة، تارة يكفره وتارة لا يكفره، وفحول أصحابه يرجحون عدم التكفير ولاسيما ابن بطة؛ فإنه يذكر أنه لا يصح عنه إلا عدم التكفير، هذا معنى كلامه.
ومنهم الإمام ابن قدامة كما في المغني، وشمس الدين أبو الفرح بن قدامة صاحب الشرح الكبير.
فمن أقوال الإمام أحمد رحمه الله ما رواه عنه مسدد في رسالته:
"والإيمان قول وعمل يزيد وينقص: زيادته إذا أحسنت، ونقصانه: إذا أسأت. ويخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام شيء إلا الشرك بالله العظيم، أو يرد فريضة من فرائض الله عز وجلّ جاحدًا بها؛ فإن تركها كسلا أو تهاونا كان في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه". [طبقات الحنابلة] (1/343)، نشر دار المعرفة.
وكتبه
ربيع بن هادي عمير
11/شوال/1435هـ


([1]) وهذا الكلام ليس فيه دعوى إجماع الصحابة ولا يبعد أن الصحابة رضي الله عنهم الذين رووا أحاديث فضل التوحيد وأحاديث الشفاعة أن يكونوا ممن لا يكفر تارك الصلاة.

([2]) بل بعض الأقوال تدل على أن الاختلاف في تارك الصلاة من عهد الصحابة رضي الله عنهم وسيأتي بعض هذه الأقوال.

([3]) قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتاب الصلاة (ص14) خلال كلامه عن تارك الصلاة وقتله:
"وقال ابن شهاب الزهري، وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وأبو حنيفة وداود بن علي والمزني: يحبس حتى يموت أو يتوب ولا يقتل".
وساق أدلتهم على عدم قتله.
وهذا يفيد أن سعيد بن المسيب وهو من كبار التابعين لا يكفر تارك الصلاة وكذلك من ذكر بعده.


([4]) كذا.

([5]) ويختلفون في تارك الصلاة ولا يطعن بعضهم في بعض.

([6]) تأمل قوله هذا مع قول شيخ الإسلام: وتكفير تارك الصلاة؛ فإن فيهما ردًّا لدعاوى الإجماع، وسواء رجحنا قول الإمام سحنون أو كلام شيخ الإسلام فإنهما مع ذلك يشتركان في إثبات الخلاف في تارك الصلاة من عهد الصحابة والتابعين.
وهذا يبطل أراجيف الحدادية بالإجماع، وأراجيفهم بالطعن والإرجاء.
فإن أصروا على هذين الأمرين تبين طعنهم جليًّا في الصحابة الذين لا يكفرون تارك الصلاة، والتابعين ومن بعدهم من أهل السنة.

([7]) وبهذا القول يقول المزني رحمه الله عند من يعقل ويفهم كلام العلماء على وجهه الصحيح.

([8]) انتهى كلام هذا الإمام عن المرتد ثم عاد إلى الكلام عن تارك الصلاة.

([9]) كذا.

([10]) أي: الرواية الثانية عن الإمام أحمد، وهي قوله بعدم تكفير تارك الصلاة.

([11]) انظر إلى عد الثوري الإمام المزني من العلماء الذين لا يكفرون تارك الصلاة.


down تحميل المقال
19-05-2017 05:55 مساء
icon ردود العلماء وطلبة العلم على بكر أبو زيد رحمه الله | الكاتب :أبو تراب عبد المصور بن العلمي |المنتدى: منبر التحذير من أعيان
 
حال الشيخ بكر رحمه الله وذكر ما حدث بينه وبين الشيخ ربيع حفظه الله 

قال الشيخ
أبو عبد الأعلى
خالد بن محمد بن عثمان الـمصري
في كتابه دفع بغي الجائر الصائل

باب تغير حال الشيخ بكر أبي زيد ورد سهام الجائر إلى نحره
[ قصد بالجائر صاحب كتاب " انصر أخاك ظالِمًا أو مظلومًا" ]

"إنه مما لا شك فيه أن حال الشيخ بكر بن عبد الله يختلف عن حال سيد قطب، ومحمد قطب، وسلمان، وعبد الرحمن عبد الخالق، ممن نافح عنهم الكاتب فإن الشيخ بكر قد ثبتت له مرتبة العلم والاجتهاد، وكان له مؤلفات سابقة ومواقف حميدة في نصرة منهج السلف وذم الحزبية والتحذير من أهل البدع، فقد كان كتابه: "حكم الانتماء للأحزاب والجماعات الإسلامية" من طليعة المؤلفات التي أبانت عن الوجه القبيح للحزبية، وكان هذا الكتاب سببًا في نبذ كثير من الشباب هذا الطريق -خاصة عندنا في مصر- إلا أن القلوب بين يدي الرحمن يقلبها كيف يشاء، ولا يأمن أحد على نفسه الفتنة مهما بلغ من مرتبة في العلم والاجتهاد، وقد انتقل الشيخ بكر إلى طور آخر يضاد مواقفه الحميدة السابقة، وبعد أن كان ممن يحذر من خطورة الحزبية ومنافاتِها للمنهج السلفي، صار ينافح بطريقة عجيبة عن رمز من رموز الحزبيين ألا وهو سيد قطب، وقد كفينا الكلام عليه في الفصل السابق.
وصدق الشاعر حين قال:
ولَم أر مثل الخير يتركه الفتى ولا الشر يأتيه وهو طـائـع

[ أما بالنسبة لما حدث بين الشيخ ربيع والشيخ بكر أبو زيد فقد فقال في نفس الباب السابق:]

"أخبرني الشيخ ربيع -حفظه الله- أنه قد اتصل بالشيخ بكر وسأله عن هذه الأوراق[ المسماة بالخطاب الذهبي ]، فصرح الشيخ بكر أن هذه الأوراق نشرت بغير علمه، وأنه غير راضٍ عنها وأخذ يذم من قام على نشرها، فقال له الشيخ ربيع: إذًا إذا كانت لك يلزمك الاعتذار المعلن على الملأ عمَّا فيها من إساءة، وإن كانت مكذوبة عليك يلزمك البراءة منها وإعلان ذلك حتى يُحذر منها.
وانتظر الشيخ ربيع -حفظه الله- حوالي عامًا أو يزيد فلم يفعل الشيخ بكر شيئًا فوسَّط الشيخ الفوزان ثم الشيخ اللحيدان، ثم الشيخ السدلان خلال سنوات؛ لنصح الشيخ بكر في هذا الشأن، فلم يتغير الأمر،

ولما تكاثرت الأسئلة من شتى الأنحاء حول ما في هذه الأوراق من تلبيسات وأثارت فتنة، وكذا ما رآه الشيخ ربيع من إصرار الشيخ بكر على نصرة سيد قطب رغم ما في كتبه من شر واضح، وعدم اعتداد الشيخ بكر بمناقشة ما قرره الشيخ ربيع في انتقاداته لسيد قطب مناقشة علمية، لا مناقشة عاطفية مبنية على الإيهام والإجمال والإطلاق التي قررها في الخطاب الذهبي وتصنيف الناس؛ كان لابد من النصح والتحذير على الملأ خاصة وقد فُتِن كثير من الشباب بِهذا التصنيف والخطاب، كما قرره الشيخ -حفظه الله- في الحد الفاصل (ص8).
وكان دأب الشيخ ربيع -حفظه الله- مع السلفيين الذين وقع منهم زلة أو هفوة فيها طعن في المنهج السلفي، أن يقوم بنصحهم في السر ومراسلتهم والتلطف بِهم والصبر عليهم شهورًا بل أحيانًا سنوات، لعلهم ينتبهون ويرجعون إلى الحق، لكن لما يجد صلفًا واستكبارًا عن قبول الحق المؤيد بالأدلة، وإصرارًا على نصرة صاحب بدعة أو هوى، لَم يكن هناك بد من الإنكار المعلن حماية للمنهج، ونصحًا للمسلمين. ........
ثالثًا: سوف أدع الشيخ بكر -حفظه الله- نفسه -الذي يدفع عنه هذا الكاتب بالباطل- يرد عليه وذلك من خلال كتابه: "الرد على المخالف أصل من أصول الإسلام"، والذي قد نقض كثيرًا منه في "تصنيف الناس"

بل الشيخ بكر يرد على نفسه وينقض خطابه الذهبي بكلامه التالي في "الرد على المخالف ص 72":
"ولكن من مواطن الأذى والأسى اعتمال أقوام بذل طاقاتَهم وجهودهم لتحطيم الرادين على أهل الأهواء والشغب عليهم، ففي الوقت الذي نرى فيه نَزرًا يَنْزَوي عن النَّذارة بغير وجه، نرى فريقًا آخر يضيف إليه المجادلة عن المبطلين بتخذيل القائم بالحراسة، لتغطية مرض التقصير بداء التخذيل، وانظر كيف تدفع آفة بآفة، وتُعوَّق مسيرة الحياة الإسلامية الصافية.
و(التخذيل) لا يسري في أمة إلا وتعمل على إسقاط نفسها بنفسها، وتُوجِد من تقصيرها، وتخذيل الناصحين فيها معاول لهدمها، وإذا نظرت في تاريخ "داء التخذيل" الطويل منذ فجر الرسالة رأيته من سمات المسلمين ظاهرًا لا باطنًا -المنافقين- فانظر كيف يسري على حين غفلة إلى صالح المسلمين".
ثم قال: "والمخذِّل: عاصٍ بمعصيته الجهرية، فلابد له في الشرع من أدب زاجر يردعه. وهذا كلام في غاية النفاسة والدقة لشيخ الإسلام بن تيمية إذ يقول عن موالاة المبتدعة وعقوبة الساكت والمخذل: "ويجب عقوبة كل من انتسب إليهم أو ذبَّ عنهم أو أثنى عليهم أو عظَّم كتبهم أو عرف بمساعدتِهم ومعاونتهم، أو كره الكلام فيهم، أو أخذ يعتذر لهم، بأن هذا الكلام لا يدري ما هو؟ أو من قال: إنه صنف هذا الكتاب؟ وأمثال هذه المعاذير التي لا يقولها إلا جاهل أو منافق بل تجب عقوبة كل من عرف حالهم، ولَم يعاون على القيام عليهم، فإن القيام على هؤلاء من أعظم الواجبات لأنَّهم أفسدوا العقول والأديان على خلق من المشايخ والعلماء والملوك والأمراء وهم يسعون في الأرض فسادًا ويصدون عن سبيل الله..." انتهى النقل من الفتاوى (2/132)" انتهى النقل من الرد على المخالف( ).
وهكذا حكم الشيخ بكر -سدده الله- على من يخذل الناصحين عن القيام بالتحذير من أهل البدع، أنه يجب أن يؤدب ويزجر، ومثله حَكَم شيخ الإسلام، فما هو قولك أيها الكاتب -هداك الله- وقد قام كتابك كله على هذا التخذيل للشيخ العلامة ربيع -حفظه الله- ومن قبلك الشيخ بكر في الخطاب الذهبي؟"
من كتاب دفع بغي الجائرالصائل.
17-05-2017 08:50 صباحا
icon ردود العلماء وطلبة العلم على بكر أبو زيد رحمه الله | الكاتب :أبو تراب عبد المصور بن العلمي |المنتدى: منبر التحذير من أعيان
 
بكر أبو زيد لا يستحق الثناء قطبي مستميت - الشيخ عبيد بن عبد الله بن سليمان الجابري حفظه الله تعالى 
التفريغ

السائل :السلام عليكم .
الشيخ الوالد عبيد الجابري :وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.
السائل: معذرةً عن انقطاع الخط يا شيخ ــ بالله .
الشيخ الوالد:لا بأس ، أقول بكر ابن عبد الله أبي زيد لا يستحق الثناء بل هو رجلٌ قطبيٌّ محترق، ويدافع عن سيد قطب ، دفاعًا قويًا مستميتًا .
السائل : الله المستعان الله المستعان .
الشيخ الوالد:هذا وجه وأمرٌ آخر لما كتب أخونا الشيخ عبد السلام بن برجس قال :عبد الكريم " كتابه معاملة الحكام على ضوء الكتاب والسنة " كتب أبو بكر هذا ــ عفا الله عنا وعنه ـــ تقريرًا إلى وزارة الداخلية بأنَّ هذا الكتاب لا يصلح في هذا الوقت .
السائل : نعم
الشيخ الوالد: ولكنْ تقريرهُ قُوبِلَ بالرفض .
السائل : الله أكبر
الشيخ الوالد : نعم
السائل : وحني(* نحن) عندنا يا شيخ رمضان المقلفطة بالأمس أثنى عليه ثناءً طيبًا .
الشيخ الوالد : كما قلت لك بكر أبو زيد لا يستحق الثناء .
الشيخ الوالد: نعم ، الرجل إنْ كان يُعطيكم كتابًا وسنة يعني لا يدخلُ شيئًا ــ البلد في حاجة ــ خذوها عنه ، لكن بكر أبو زيد لا لا تقبلوا كلامه فيه ، الشيخ ربيع ردَّ عليه ردًا جيدًا في كتابه سماه العواصم مما عند سيد قطب من القواصم .
السائل : أحسنت نعم
الشيخ الوالد :نعم
السائل : هو يا شيخ ما واجبنا نحن يا شيخ هل نقوم بمناصحته أخانا هذا يقول ؟
الشيخ الوالد: جميل ، ناصحوه .
السائل : ماذا؟
الشيخ الوالد: بلغوه سلامي وناصحوه .
السائل :قصدي .
الشيخ الوالد:قولوا له يقول لك عبيد الجابري :بكر أبو زيد لا يستحق الثناء، قطبيّ مستميت .
السائل : هو عنده شروح علمية.
الشيخ الوالد:إن انتصح الرجل ، وصار يقررُ لكم السُنة ــ نعم ــ فخذوها عنه وإنْ صار يُقررُ لكم أمورًا ــ مع إنَّ كتابه الحلية أقول :كتاب الحلية لبكر أبي زيد، كتاب الحلية طيب ــ نعم ــ لكنْ إذا أصبح الرجل يُقررُ لكم أفكار أخرى لسيد قطب ولـ كذا ولـ كذا .
السائل : نعم ، صحيح .
الشيخ الوالد: أنتم تفطنوا ، نعم.
السائل : إذًا يا شيخ نذهب إليه و نقول أنَّه أنت أثنيت بالأمس على بكر أبي زيد فالواجب عليه أقل شيء عليه يعني ــ لأنَّ يا شيخ المجلس ،المجلس يا شيخ ممكن فيه ألف لأنه ممكن فيه ناس ما تعرفش (* لا تعرف)، تعرف أن بكر أبا زيد الأخ رمضان أثنى عليه فنأخذ كل كتباته (*كتبه) صح ولا لا يا شيخ ( *أليس كذلك).
الشيخ الوالد:أنتم كلموا الرجل ، قولوا : بكر أبو زيد لا يستحق الثناء ، بلغوه سلامي وهذه النصيحة .
السائل :ويجب أنْ نُبينَ الخطأ إللي داره (* الذي فعله) هذا الثناء عليش؟ (* لماذا؟).
الشيخ الوالد: نعم يجب ، لكن نقول ذاك الرجل لا يستحق ، ذاك الرجل مريـض ــ عفا الله عنا وعنه ـ مريــــــــــــض .
السائل : الله المستعان .
الشيخ الوالد: نعم
السائل : بارك الله فيك، وجزاكَ الله خيرًا يا شيخ .
الشيخ الوالد: وإياك .
السائل : ربي يحفظك يا شيخ .
الشيخ الوالد: وإياك، وإياك .
الشيخ الوالد: سلم على الوالد والأولاد والإخوان عندك.
السائل : السلام عليكم.
الشيخ الوالد: وبلغ الأخ رمضان هذا سلامي ونصيحتي.
السائل: إنْ شاء الله خيرًا، السلام عليكم .
منقول

من شبكة الورقات السلفية
هنا رابط مباشر

http://archive.org/download/BEKR2321...24321/BEKR.mp3

المصدر
12-05-2017 08:43 مساء
icon مجموع ردود العلماء وطلبة العلم على محمد بن عبد الله الريمي الملقب بالإمام هداه الله | الكاتب :أبو تراب عبد المصور بن العلمي |المنتدى: منبر التحذير من أعيان
 

  العلامة صالح بن محمد اللحيدان -حفظه الله-

نقد للوثيقة الكفرية التي أقرها محمد الإمام

وقد أفتى بوجوب جهاد الرافضة الحوثيين مع ولي الأمر

أضغط هنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا.mp3

أو
  من هنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا


الـتـفــريــغ :-

السائـل :-
شيخنا ممكن سؤال جئناك من المدينة من طلاب الجامعة الإسلامية؟
معالـي الشيـخ :-

ســــل ؟
السائـل :-
اي قلنا خاف لعلنا لانؤذيك عندنا فتنة الحوثيين في اليمن ، ويعني احد القادة العسكريين هناك اعلنوا القتال والجهاد ضدهم في الجنوب الآن قال قبل يعني لايدخلوا وكذا ، فما واجبنا نحن طلبة علم؟
معالـي الشيـخ :-
 لاشك واجبكم انكم تتعلمون تستطيعون من نصرة أهل الحق على أهل الباطل
السائــل :-
إي لكن عندنا احد المشايخ هو ادعى مع الحوثيين وانهم اخواننا وكذا وثيقة وكذا بعض الناس عارضوا؟
معالـي الشيـخ :-
 هـذا توقيـعٌ فـاســـد يعني الذي يكذب القران بخلاف الذي يؤمن بالقران الذي يكفر الصحابة مايترك منهم إلا علي وابنيه سلمان وباقة الصحابة ابو بكر وعمر وعثمان وعموم الصحابة كفار هذا مؤمن هل هذا اخوان
الذي يقول ياحسين ياحسين أليس هذا هو الشرك الأكبــر هل هذا اخو المؤمـن لايمكن هالشيخ هذا هـذا ◀ عــامـــي ▶
السائــل :-
هم يقولون وافقه علمـاء ، والآن يكذبون أنه وافقه الشيخ صالح الفوزان وهكذا وينشرون هكذا؟
معالـي الشيـخ :-
كــــذبــــــوا ابداً كذبوا لايمكن أن يوافقه أهل العلم والإيمان .
السائــل :-
شيخنا ممكن نقرأ عليك نص الوثيقة حتى تسمع؟
معالـي الشيـخ :-
لا لا هذه ليست بوثيقة
السائــل :-
البنود التي كتبوها يعني معاهم ، مكتوب عليها بأنهم اخواننا وان ديننا واحد والتوقف عن التحريض الخطابي وهكذا؟
معالـي الشيـخ :-
يقول الشيخ الشنقيطي لما جاءه رافضي مثلهم .....( ليست واضحة ) قال وبالتالي لنا دين ولكم دين تعرفون هذا؟! تعرفون الشنقيطي؟!
السائــل :-
نعم شيخنا الإمام.
معالـي الشيـخ :-
جاء رافضي من لبنان قال : نتناظر قال على ما نتناظر نرجع إلى ماذا؟! نرجع إلى القران وانتم تكذبونه! هذا مسكين هذا شيخ القبيلة إما أنه مُغرم بالمال
السائــل :-
مو شيخ قبيلة عندنا يعني يدعي العلم ويتكلم ...
معالـي الشيـخ :-
لا ليس كل من ادعى العلم يقال العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة
السائــل :-
جزاكم الله خيراً شيخنا ممكن نقرأ عليك بعض بنودها هي ثلاثة بنود فيها؟
معالـي الشيـخ :-
طـيـب إقــرأ

السائــل :-
قال البند الأول هي مقدمة قال ( وثيقة تعايش وإخاء ) الحمد لله

معالـي الشيـخ :-
لا لا من قال أن الكافر أخٌ لمؤمن هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون من قال ذا كمل كمل

السائــل :-
قال : بسم الله الرحمن الرحيم (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولاتفرقوا)

معالـي الشيـخ :-
هذا صادق من هم الذين يعتصمون بحبل الله؟ الذين ءامنوا بالله ورسوله فهمت؟ ويطيعون الله ورسوله فهمت؟ ويتبعون النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه الذين قال : ( من كان على مثل ماانا عليه واصحابي ) نعم تـفـضــل؟

السائــل :-
قال ( وثيقة تعايش وإخاء ) الحمد لله القائل إنما المؤمنون إخوة

معالـي الشيـخ :-
بلاشك
هل هؤلاء مؤمنـــون هل ممن يقول الله ( اولئك مبرءون ) كالذي يقول لا لا صحة لذلك

السائــل :-
صدق الله العظيم, والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين ورضي الله عن صحابته الأخيار من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان

معالـي الشيـخ :-
لحظة قال :- من المهاجرين والأنصار لايقصد ان كل المهاجرين هم أنصار يقصد ( علي وبنيه ) يقصد ( سلمان الفارسي ) ونعم كل هذولا فهمت يقصد واحداً آخر معهم والبقية كلهم كفروا بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -

السائــل :-
قال : نحن مسلمون جميعاً ربنا واحد ، وكتابنا واحد ، ونبينا واحد ، وعدونا واحد ، وإن اختلفنا في التفاصيل الفرعية ، والإسلام يحرم دماءنا واعراضنا واموالنا جميعاً على بعضنا

معالـي الشيـخ :-
هذه الترهات الكلام صحيح لكن مع أهـل الإيمان فهمت هؤلاء الذين خرجوا هم كانوا نكرة في السابق في اليمن ليس لهم وجود يذكر ولاهيبة ولا شئ لكن لما ضعف المسلمون وضيعوا أموراً كثيرة من دينهم وكانوا أول لما ثارت ثورة رافضية { إيران } وصاروا يمدونهم بالمال ويأخذون منهم أناسٌ يلقونهم .... < غير واضح الصوت >

السائــل :-
مكتوب عليها آخر شئ وقع عليها السيد عبدالملك الحوثي والشيخ محمد بن عبدالله الإمام

معالـي الشيـخ :-
مـاشـاء اللـه مـاشـاء اللـه

السائــل :-
توقيعات وكذا وأنه رئيس أهل السنة

معالـي الشيـخ :-
مـن هـو الـرئـيـس

السائــل :-
مـحـمـد الإمـام

معالـي الشيـخ :-
كـذب ماهـو رئيـس

السائــل :-
محمد الإمام يمثل أهل السنة وذاك يمثل الحوثيين

معالـي الشيـخ :-
إذاً هم متفقين هؤلاء أهل السنة وهؤلاء ليسوا أهل حوثيون هذا اعتراف منهم بأنهــم عـلـى البـاطـل

معالـي الشيـخ :-
< الصوت غير واضح >

السائــل :-
جزاكم الله خيرا ً، البنود هي ثلاثة قصيرة؟

معالـي الشيـخ :-
طـيـب عـجـل يأخـي

السائــل :-
قال : واستناداً إلى هذا تم الإتفاق بين أنصار الله ويمثلهم السيد عبدالملك الحوثي

معالـي الشيـخ :-
من قال أن هؤلاء أنصار الله


السائــل :-
لـقـب لقبـوا أنفسهـم

معالـي الشيـخ :-
هم مثل حزب الله في لبنان < الصوت غير واضح >

السائــل :-
ويمثلهم السيد عبدالملك الحوثي والسلفيين في مركز النور بمعبر والمراكز التابعة له ويمثلهم الشيخ محمد بن عبدالله الإمام على الآتي:

1- التعايش السلمي بين الجانبين وعدم الإنجرار والتصادم

معالـي الشيـخ :-
أول شئ هذا اعتراف بأنهم جانبان وليسوا واحداً والله يقول : ( إنما المؤمنون إخوة ) اعتراف منهم هم الي وقعوا مع بعض أنهم جانبان وليس بجانب واحد

السائــل :-
قال : وعدم الإنجرار والتصادم والإقتتال أو الفتنة مهما كانت الظروف والدواعي وحرية الفكر والثقافة مكفولة للجميع

معالـي الشيـخ :-
☝لحظة حريـة الفكر يقولون ( من بدل دينه فاقتلوه ) هذه حرية الفكر
نعم

السائــل :-
2- التوقف عن الخطاب التحريضي والعدائي من الجانبين تجاه بعضهم بعضاً بشتى

معالـي الشيـخ :-
أول شئ الرافضة لايوثق بهم بشئ وخونة مهما خانوا وتعهدوا يرون أنه مباحٌ لهم أن يفعلوا ما يقعون بأهل السنة
نعم

السائــل :-
التوقف عن الخطاب التحريضي والعدائي بين الجانبين تجاه بعضهم بعضاً بشتى

معالـي الشيـخ :-
يأخـي هذا تكرار اعترافهم منهم بأنهم جانبان وليسوا اهل إيمان مجتمعين
نـعم

السائــل :-
وفي كل المجالات والعمل على زرعي روح الإيخاء والتعاون بين الجميع

3-  أن تستمر عملية التواصل المباشر بين الجانبين لمواجهة أي طارئ أو حدث أو مشكلة أو تصرف فردي أو محاولة من جهةٍ أخرى مندسة لهدف تفجير الوضع بين

معالـي الشيـخ :-
من الذي قام يحتل القرى والمدن

السائــل :-
هم الحوثة

معالـي الشيـخ :-
هل هذا يتفق مع هذا الوثيقة

السائــل :-
ابداً يناقضها تماماً

معالـي الشيـخ :-
خلاص مايحتاج

السائــل :-
بس هم يقولون : أنه مضطر وأنه وأنه؟!

معالـي الشيـخ :-
من الذي أقامهم من صفاتهم هم كانوا مقتنعين من سابق أنهم تحت ظل الزيدية لكن لما قامت { إيران } < غير واضح > وجاء { خميني خامئيني } وهذه العمائم الفاسدة قاموا يقولون هذا الشيءعلى كلٍ استعينوا بالله☝

السائــل :-
جزاكم الله خيراً ياشيخنا ، ماموقفنا تجاه؟

معالـي الشيـخ :-
لا أنت اسأل مثل ماتقول هل ننصر هؤلاء أو هؤلاء؟! تريد أن تنصر أهل الباطل على أهل الحق

السائــل :-
لا بالنسبة للجهاد وهكذا الآن ، قام احد القادة الكبـار ودعى إليه من العسكر؟

معالـي الشيـخ :-
◀ مافي شك
◀ وش دعى
◀يقول جاهـدوا

السائــل :-
الآن في الجنوبي رئيس القوات

معالـي الشيـخ :-
◀هـذا رجـل موفـق

السائــل :-
ويقول : أنا أكون في مقدمة الجيش

معالـي الشيـخ :-
أقــــول : هـذا رجـل موفـق
ولولا أهل الجنوب مثل مسكون كان بسطوا على هذا الشئ واحتلوا عدن يريدون أن يحتلوا والمكلا وكل مدن الجنوبي

السائــل :-
شيخنا الان طلبة العلم هناك انقسموا بهذا الرجل الشيخ الذي وقع هذه الوثيقة

معالـي الشيـخ :-
يأخي هذا هل هو أول واحدٍ يضل الـلـــه يـقـــول :- ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمومنين )

السائــل :-
هم يعتذرون بــ

معالـي الشيـخ :-
لاتسبونه وقولوا أنه هو نرجوا أنه اجتهد واخطأ وليس من أهل العلم

السائــل :-
في بعض العُلمـاء ردوا عليه ننشر كلامهم مثل الشيخ ربيع وغيره الشيخ عبيد

معالـي الشيـخ :-
انـشـر كـلامهــم عمل من ينصر هؤلاء الرافضة هذا لاشك في ضلاله ( لاتجدوا قوماً يؤمنون بالله واليوم
الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله ) الله يقول عن أم المؤمنين ( أولئك مبرءون مما يقولون ) هؤلاء يقولون إذا قام الخائم
أوحيت له حتى يرجمها وأوحي له أبو بكر وعمر حتى يصلبهم

السائــل :-
أيضاً من مقالات هذا الشيخ يقول نحن لانقاتل أحد من المسلمين إلا إذا بعث نبي ، إذا بعث ننبي وقال لنا قاتلوا هؤلاء المسلمين

معالـي الشيـخ :-
هذا هذا مذهب الرافضة يقولون كانوا بالأول مايقاتلون لما يخرج القائم

السائــل :-
الله المستعان

معالـي الشيـخ :-
اخترعوا ولاية الفقيه حتى تنوط عن القائم في سردابه في شمال العراق.

السائــل :-
إي يعني كلامكم هذا انشره لطلاب العلم؟

معالـي الشيـخ :-
انشــره هذه الوثيقة ليست بوثيقة إنما هي إملاءات شيطانية

السائــل :-
جزاكم الله خيراً شيخنا بارك الله فيكم شيخنا أحسن الله إليكم .

 


< بقية الكلام مدته30ثانية لايفهم >


...





الساعة الآن 11:13 مساء