حياكم الله زائرنا الكريم في شبكة الربانيون العلمية، إذا كنت قد اشتركت معنا سابقًا فيمكنك تسجيل الدخول بالضغط هنا، وإذا لم تسجل عضوية من قبل فيمكنك إنشاء حساب جديد بالضغط هنا، تقبل الله منا ومنكم.




26-09-2017 11:12 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [2]
أبو عبد الله أحمد بن نبيل
مشرف عام - أعانه الله تعالى
معلومات الكاتب â–¼
تاريخ الإنضمام : 02-03-2011
المشاركات : 9505
قوة السمعة : 140
البلد : مصر
 offline 
look/images/icons/i1.gif طوام الصوفي علي جمعة - هداه الله -الردود عليه

مفتي جازان العلامةأحمد بن يحي النجمي حفظه الله
ردٌّ على مفتي مصر ( علي جمعة )

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ؛ نبينا محمد ، وعلى آله ، وصحبه ، وبعد :

لقد بعث الله نبيه ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم على حين فترةٍ من الرسل ، وانطماسٍ من السبل ، فأنزل عليه القرآن ، وعلَّمه السنة ؛ التي هي بيانٌ لمجملات القرآن ، وتقييدٌ لمطلقاته ، وتوضيح لعموماته ، فكانت منهما الشريعة السمحة ؛ التي ترك النبي صلى الله عليه وسلم أمَّته عليها ، والتي أمر الله عزَّ وجل عباده باتباعها في آياتٍ كثيرة منها قوله تعالى : { وأنَّ هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولاتتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [ الأنعام : 153 ]
ومنها قوله تعالى : { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولاتتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون }[ الأعراف : 3 ]
ومنها قوله تعالى : { يا أيها الناس قد جاءتكم موعظةٌ من ربكم وشفاءٌ لما في
الصدور وهدىً ورحمةٌ للمؤمنين * قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خيرٌ مما يجمعونْ} [ يونس : 57 – 58 ]
ومنها قوله تعالى : { يا أيها الناس قد جاءكم برهانٌ من ربكم وأنزلنا إليكم
نوراً مبينا * فأمَّا الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمةٍ منه وفضلٍ ويهديهم إليه

صراطاً مستقيما } [ النساء : 174 – 175 ]
ومنها قوله تعالى : { ثمَّ جعلناك على شريعةٍ من
الأمر فاتبعها ولاتتبع أهواء الذين لايعلمون * إنَّهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإنَّ الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين )) [ الجاثية : 18 – 19 ]
ومنها قوله تعالى : {إنَّ الدين عند
الله الإسلام } [ آل عمران : 19 ]
وصحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال : (( تركت فيكم
ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله ، وسنتي )) أخرجه في الموطأ ، وأخرجه الحاكم ، وروى ابن ماجة في المقدمة عن يحيى بن أبي المطاع قال : سمعت العرباض بن سارية رضي الله عنه يقول : (( قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ فوعظنا موعظةً بليغة ، وجلت منها القلوب ، وذرفت منها العيون ؛ فقيل يا رسول الله ، وعظتنا موعظة مودع فاعهد إلينا بعهد ، فقال : عليكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة ، وإن عبداً حبشياً ، وسترون من بعدي اختلافاً شديدا ، فعليكم بسنتي ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ ، وإيَّاكم والأمور المحدثات ؛ فإنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالة )) قال الإمام الألباني انظر صحيح ابن ماجة برقم 40 والإرواء 2455 والمشكاة 165 والظلال 26 – 34
ورواه ابن ماجة برقم 41 من طريق عبد
الرحمن بن عمرو السلُّمي أنَّه سمع العرباض بن سارية يقول : (( وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظةً ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب ؛ فقلنا يا رسول الله : إنَّ هذه موعظة مودع ، فماذا تعهد إلينا ؟ فقال : قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لايزيغ عنها بعدي إلاَّ هالك ؛ من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيرا ، فعليكم بما عرفتم من سنتي ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضُّوا عليها بالنواجذ ، وعليكم بالطاعة ، وإن عبداً حبشياً ؛ فإنَّما المؤمن كالجمل

الأُنُف حيثما قيد انقاد )) قال الألباني صحيح انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 937
ومما
سبق من الأدلة يعرف أنَّ الحق الذي يجب المصير إليه ، والعمل به ، وأنَّ النجاة مرتبطةٌ باعتقاده ، والسير على ضوئه ، وأنَّ الهلاك والخسران في تركه ، واتباع أقوال من ليس قول ه بحجة ، والحجة هي في اتباع كتاب الله ، وصحيح سنة رسوله صلى الله عليه وسلم على فهم السلف ؛ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فمن بعدهم من أهل الحديث في كلِّ زمانٍ ، ومكان .

ولقد أرسل إليَّ أخٌ في الله كتابة وأشرطة تنبئ عن حال شخصٍ يزعم أنَّه من أهل السنة ، وأتباع الحق والدليل ؛ وهو مع ذلك يزكي من يزعم : " أنَّ من يقولون أنَّ الأضرحة حرامٌ ، ومن الشرك عندهم هوس ؛ ويزعم أنَّ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوةٌ خارجية خرجت على الدولة العثمانية ، ويزعم أنَّ الصحابة كانوا أشاعرة ، ويقول عن نفسه هو صوفي ، وأنَّه يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليقظة ، ثمَّ يقول الذي يزعم أنَّه من أهل السنَّة لايجوز أن يطعن في الشيخ على جمعة مفتي الديار المصرية ؛ لكونه عنده شيءٌ من التصوف ، وعنده شيءٌ من التمشعر ؛ هذا خطأ ؛ هذا منصبٌ لابد أن يحترم ؛ هذا منصبٌ لابدَّ أن يعظم ؛ هذا المنصب يعتبر ولاية شرعية لابدَّ من تعظيمها ، وتفخيمها ، ولايجوز الطعن فيمن تولَّى هذا المنصب " .
وأقول : إنَّ من يعتقد أنَّ عبادة الأضرحة ، والتأليه لأصحاب القبور بدعوتهم من دون الله ، وسؤالهم ما لايطلب إلاَّ من الله من يعتقد أنَّ ذلك ليس بحرام فهو جائزٌ عنده ؛ بل يرى أنَّ من يقول ذلك حرام وشركٌ عنده هوس ؛ أي عنده جنون أقول من قال ذلك فهو مثل المشركين ؛ الذين بعثت إليهم الرسل ، فقالوا هذه المقالة ؛ قال الله عزَّ وجل وهو أصدق القائلين :{ ومن أصدق من الله حديثا}[ النساء : 87 ] {ومن أصدق من الله قيـلا }[ النساء : 122 ] وقـال تعالى : ففروا إلى الله إنِّي لكم منه نذيرٌ مبين * ولاتجعلوا مع الله إلهاً آخر إنِّي لكم منه نذيرٌ مبين* كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسولٍ إلاَّ قالوا ساحرٌ أو مجنون *أتواصوا به بل هم قومٌ طاغون } [ الذاريات : 50 – 53 ]
وممَّا سقناه في هذه الآيات يتبيَّن أنَّ ما قاله مفتي
مصر علي جمعة إنَّما هو ترديدٌ لمقالات المشركين أعداء الرسل ففي أيِّ ملة أحلت دعوة غير الله عزَّ وجل ، وفي أيِّ كتابٍ نزل إباحة ذلك ، وعلى لسان أيِّ رسول ، والله تعالى يقول : { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلاَّ نوحي إليه أنَّه لا إله إلاَّ أنا فاعبدون} [ الأنبياء : 25 ]ويقول تعالى : { ولقد بعثنا في كلِّ أمةٍ رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليـه الضلالة } [ النحل : 36 ]
وكيف لايكون
ذلك شركاً ، والله تعالى يقول : { قل يا أيها الناس إن كنتم في شكٍّ من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين * وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولاتكوننَّ من المشركين * ولاتدع من دون الله ما لاينفعك ولايضرك فإن فعلت فإنَّك إذاً من الظالمين * وإن يمسسك الله بضرٍ فلا كاشف له إلاَّ هـو وإن يردك بخيرٍ فلا رادَّ لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم } [ يونس 104 – 107 ]
وقال تعالى : { ومن يدع مع الله إلهاً آخر لابرهان له به فإنَّما حسابه عند ربه إنَّه لايفلح الكافرون } [ المؤمنون : 117 ] وقال تعالى في سورة الزمر من آية 64 – 66 : {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون * ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطنَّ عملك ولتكوننَّ من الخاسرين *بل الله فاعبد وكن من الشاكرين } .
وأقول : يا مفتي مصر هل ما يعمله الناس عند ضريح البدوي ، وضريح الحسين المكذوب ، وضريح السيدة زينب ، وغيرها من الأضرحة في مصر حلال أم حرام ، وهل هو من الشرك الذي نهى الله عنه في هذه الآيات التي سبرناها أم لا ؟ .
يا حضرة المفتي تذكَّر أنَّ الله عزَّ وجل قال : {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننَّه للناس ولاتكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلا فبئس ما يشترون } [ آل عمران : 187 ] وأنَّه قال : { إنَّ الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيَّناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعون* إلاَّ الذين تابوا وأصلحوا وبيَّنوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم } [ آل عمران : 159 – 160 ]
وقد روى مسلمٌ في
صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( بني الإسلام على خمسة على أن يوحدوا الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، والحج ، فقال رجلٌ : الحجُّ ، وصيام رمضان ؟ قال : لا صيام رمضان ، والحج ؛ هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم )) وفي الحديث الذي بعده عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( بني الإسلام على خمس على أن يعبد الله ، ويكفر بما دونه ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحجِّ البيت ، وصوم رمضان )) الحديث رواهما مسلم في بيان أركان الإسلام ، ودعائمه العظام من صحيحه .

وقد يقول قائلٌ : إنَّ الدكتور علي جمعة يحفظ الآيات التي سبرتموها ، ويعرف الأحاديث التي كتبتموها ، ولكن لعلَّه يرى " أنَّ ما يعمله الناس عند تلك الأضرحة ليس هو الشرك الذي عناه الله " وإذا كان الأمر كذلك فليأت من يقول " إنَّ ما يعمله الناس عند تلك الأضرحة ليس هو الشرك ؛ الذي عناه الله " فليأت بالشرك الذي عناه الله في هذه الآيات ليأت لنا ببيان ذلك من طريق الصحابة الذين عرفوا الشرك الذي عناه الله ، وحارب الرسول صلى الله عليه وسلم أهله ، فسفك دمائهم ، وأزهق أرواحهم ، وسبى نسائهم ، وغنم أموالهم ؛ أليس هو التعبد لغير الله عزَّ وجل بصرف العبادة له كائناً ما كان سواءً ملكاً مقرَّبا أو نبيا مرسلا ، أو جنِّياً أو حجراً أو ثناًً أو غير ذلك ، فكل من صرفت له العبادة دون الله عزَّ وجل من دعاءٍ ورجاءٍ ، وخوفٍ ، وخشيةٍ ، واستعاذةٍ ، واستغاثةٍ ، وتوكلٍ ، وغير ذلك ، فقد اتخذ من صرف العبادة له إلهاً معبوداً ، وهذه كلَّها تُصرَف من كثيرٍ من الناس إلى غير الله ، فاتخذوهم آلهةً يدعونهم لكشف الضر ، وجلب النفع ، فما هو الشرك إلاَّ هذا ، ولمَّا قال رجلٌ للنبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله وشئت قال له النبي صلى الله عليه وسلم : (( أجعلتني والله عِدلا ؛ بل ما شاء الله وحده )) رواه الإمام أحمد في المسند في ج 1 ص 214 برقم الحديث 1839 .
فمن اعتقد أنَّ الشرك الذي يصنع الآن عند القبور في مصر وغيرها من دماءٍ تسفك تقرباً إلى المقبورين ، ونذورٍ تقدَّم إلى سدنتها ، ودعاءٍ لأصحابها ، وتمرغٍ على ترابها واستغاثةٍ بأصحابها من اعتقد أنَّ ذلك ليس بشرك فهو إمَّا مغالطٌ أو جاهل يجب أن يرمي شهادة الدكتوراة التي معه في البحر ، ويتعلم من جديد .

وأمَّا قوله : " أنَّ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوةٌ خارجية خرجت على الدولة العثمانية 
فأولاً نقول للمفتي يجب أن تكون صادقاً ، فالله تعالى يقول : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } [ التوبة : 19 ]
إنَّ الدولة العثمانية لم تستول على نجد ، ولم تدخلها
إلاَّ عندحملة إبراهيم باشا بعد وفاة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بسنوات عدَّة .

ثانياً : هذه من المفتي مغالطة يبرر بها عمل الإرهابين ؛ وهذا كذب عامله الله فيه بما يستحق ؛ جارى فيه جماعة الإخوان المفسدين الذين زعموا أنَّ الخوارج الإرهابيين ؛ إنَّما تعلموا التكفير للمسلمين ، والخروج على الولاة من الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، ومن الدرر السنية ؛ وهذا كله غير صحيح ، فالشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يكفر إلاَّ من كفَّره الله من المشركين الشرك الأكبر ، وأيضاً أنَّه لم يكفر أحداً منهم إلاَّ بعد البيان ، وإقامة الحجة ، ولكن هؤلاء الظلمة الخونة الإخوان المفسدون يريدون أن يلصقوا هذه العقيدة الفاسدة ، وهذا المروق الجائر بالشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته الحقَّة مع أنَّ بصمات البنَّائين ، والسروريين ، والقطبيين عليها واضحة ، وقد أوضحت ذلك في كتابي الرد المحبر على افتراءات وتلبيسات صاحب المجهر فقد ألحقت في مؤخَّره دراسات عن جماعة الإخوان المسلمين وكيدهم للمسلمين في الجزيرة العربية ودول الخليج ، ودراسةٌ عنهم استخرجتها من كتاب قافلة الإخوان المسلمون للسيسي .
ولبيان افتراء الإخوان البنَّائين والسرورين ، والقطبيين أنقل كلاماً لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله من الدرر السنية في ج1 / 230 ذكر في كلام طويل ما افتراه عليه أعداء دعوة التوحيد حيث قال : " ومن شاهد حالنا ، وحضر مجالسنا ، وتحقق ما عندنا علم قطعاً أنَّ جميع ذلك وضعه ، وافتراه علينا أعداء الدين ، وإخوان الشياطين ؛ تنفيراً للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة ، وترك أنـواع الشرك الذي نصَّ الله عليـه بأنَّ الله لايغفره فقـال : {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فإنَّا نعتقد أنَّ من فعل أنواعاً من الكبائر كقتل المسلم بغير حق والزنا ، والربا ، وشرب الخمر ، وتكرر ذلك منه أنَّه لايخرج بفعله ذلك عن دائرة الإسلام ، ولايخلد به في دار الإنتقام إذا مات موحداً بجميع أنواع العبادة " اهـ ما أردت نقله .
وقال في ج1 / 202 سطر 9 : " ولايخرجه من مرتبة الإسلام إلاَّ الكفر ، والشرك المخرج من الملة ؛ وأمَّا المعاصي ، والكبائر كالزنى ، والسرقة ، وشرب الخمر ، وأشباه ذلك فلايخرجه عن دائرة الإسلام عند أهل السنة والجماعة خلافاً للخوارج ، والمعتزلة ؛ الذين يكفِّرون بالذنوب ، ويحكمون بتخليده في النار " اهـ .
وقال في ص 307 من رسالة للملك سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود : " نحن بحمد الله لانكفِّر أحداً من أهل القبلة بذنبٍ ، وإنَّما نكفرهم بما نصَّ الله ورسوله ، وأجمع عليه علماء الأمة المحمدية ؛ الذين لهم لسان صدقٍ في الأمة أنَّه كفر كالشرك في عبادة الله غيره من دعاءٍ ، ونذرٍ ، وذبحٍ ، وكبغضٍ للدين وأهله ، والإستهزاء به .
أمَّا الذنوب كالزنى ، والسرقة ، وقتل النَّفس ، وشرب الخمر ، والظلم ، ونحو ذلك ، فلانكفِّر من فعله إذا كان مؤمناً بالله ورسوله إلاَّ من فعله مستحلاً له " اهـ .
ولو تتبع أحدٌ أقوال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأنجاله وتلامذته ، ومن تخرَّج من مدرسته في نفي عقيدة الخوارج ، وذمِّهم لها ، وردهم على أصحابها لجمع شيئاً كثيراًَ من الدرر السنية ، وغيرها .
وإنَّه لأمر غريب وحدثٌ عجيب أن يتعمد مفتي دولة إسلامية يتعمَّد فريةً كهذه ليطعن بها في داعية حقٍّ ، ومجدد دين ، أحيا الله بدعوته أمماً لايحصون ، فدخلوا بدعوته في الدين الصحيح ، وتحرَّروا من الخرافة التي كان يعيشها أقوامهم ، وتركوا البدع ، فوحَّدوا الله عزَّ وجل بالعبادة ، وتابعوا السنن ، وعرفوا الله معرفة حقٍّ ، فأفردوه بالعبادة دون سواه ؛ ثمَّ يأتي أقوامٌ ممن ابتلوا بترويج الخرافات ، والبدع ، فيقولون : " إنَّ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوة خارجية خرجت على الدولة العثمانية " وممن راج عندهم هذا البهت ، فرموا به هذا الإمام العظيم ؛ مفتي مصر حالياً ؛ المدعو بعلي جمعة ؛ حيث قال :
" إنَّ دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب دعوة خارجية خرجت على الدولة العثمانية باسم إقامة التوحيد "
وأقول : إنَّ دعوة الشيخ محمد بن الوهاب دعوة حقٍّ ، فهي تجديدٌ لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وتصفيةٌ لها من الشوائب التي أدخلت فيها ؛ من قبل الذين تعمَّدوا إفسادها ؛ وخلطها بالباطل ؛ والناس الذين عايشوها إبَّان نشأتها ينقسمون إلى ثلاثة أقسام :
(1) علماء سنة ، وهم قليل .
(2 ) أصحاب خرافة ؛ داعين إليها أو محبِّذين لها ؛ أو مخدوعين بأصحابها ؛ أو منتفعين من وراءهـا ؛ ويدخل فيهم علماء السوء ؛ الذين يخافون على زعامتهم أن تبور .
(3 ) العامَّة الذين يكونون أتباع من قادهم .
وعلى هذا فإن أصحاب الخرافة ومن والاهم من علماء السوء ؛ الذين يحرصون على النَّفع الدنيوي ،
فإنَّهم لابدَّ أن يطعنوا في دعوته ، بغضاً لها ، واسترضاءً لعوام النَّاس ؛ المعادين لما لم يألفوا ؛ وهؤلاء أثر عنهم الذمُّ لها .
أمَّا علماء السنَّة ؛ أهل الحق ، فقد أثنوا عليها ، ونسجوا الأشعار
البليغة في الثناء عليها ؛ وعلى من قام بها ؛ فاسمع إلى الشيخ محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني صاحب سبل السلام شرح بلوغ المرام حيث يقول :

قفي واسألي عن عالَمٍ حلَّ سَوْحَها به يهتدي من ضلَّ عن منهج الرشد

محمـدٌ الهـادي لسنَّـة أحمـدٍ فيا حبذا الهـادي ويا حبذا المهدي

لقـد أنكرت كلُّ الطوائف قولَه بلا صدَرٍ في الحقِّ منهـم ولا وِرد

ومـا كلُّ قولٍ بالقَبـول مقابَلٍ ولا كلُّ قولٍ واجب الرَّد والطرد

سوى ما أتى عن ربنـا ورسوله فذلك قولٌ جلَّ يا ذا عن الـردِّ

وأمَّا أقاويـل الرِّجـال فإنَّهـا تدور على قَدْر الأدلة في النقـد

وقد جاءت الأخبار عنـه بأنَّـه يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي

وينشر جهراً ما طوى كلَّ جاهلٍ ومبتـدعٍ منـه فوافق ما عندي

ويعمـر أركان الشريعـة هادماً مشاهد ضلَّ الناس فيها عن الرشد

أعـادوا بهـا معنى سُواع ومثله يغـوثَ وُودٍّ بئس ذلك مـن وُدِّ

وقد هتفوا عند الشدائد باسمهـا كما يهتف المضطر بالصمد الفرد

وكم عقروا في سَوْحِها من عقيرةٍ أُهلَّت لغير الله جهـراً على عمد

وكم طائفٍ حول القبـور مقبِّلٍ ومستلـم الأركان منهـنَّ بالأيد

وقال الشيخ الإمام عالم الأحساء أبو بكرٍ حسين بن غنَّام رحمه الله في أبياتٍ له :

لقد رفـع المـولى به رتبة الهدى بوقتٍ به يعلـو الضلال ويُرْفَـع

سقاه نمير الفهـم مولاه فارتوى وعـاد بتيـار المعـارف يقطـع

فأحيـا به التوحيد بعد اندراسه وأوهى به من مطلـع الشرك مهيع

سما ذروة المجـد التي ما ارتقـى لها سـواه ولا حـاذا فِناهـا سُميدع

وشمَّر في منهــاج سنَّـة أحمـدٍ يشيـد ويحيـي مـا تعفَّا ويرفع

يناظر بالآيـات والسنـة الـتي أُمرنا إليهـا في التنـازع نرجـع

فأضحت به السمحاء يَبْسُم ثَغْرُها وأمسى محيَّـاها يضـيء ويَلمـع

وعـاد به نهجُ الغـوايةِ طامسـاً وقد كان مسلـوكاً به الناس ترْبع

وجرَّت به نجـدٌ ذيـول افتخارها وحـقَّ لهــا بالألمعــي تَرَفُّـع

فآثـاره فيـهـا سَـوامٍ سـوافرٌ وأنـواره فيهـا تضـيء وتلمـع

قال الشيخ سليمان بن سحمان : " وبهذا يظهر لكلِّ ذي عقلٍ سليمٍ ، ودينٍ مستقيم أنَّه لم يكن يدعو إلى دينٍ جديد كما يزعم هؤلاء المارقون عن دين الإسلام " انظر الضياء الشارق في الرد على شبهات الماذق المارق لفضيلة الشيخ سليمان بن سحمان من ص83 – 86 .
قلت : ولم تكن دعوته خارجية كما افترى ذلك عليه أقوامٌ ، وكان ممَّن روَّج لهذا البهت المأفون الدكتور علي جمعة مفتي مصر ، ولقد أشيعت في زمن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله
إشاعاتٌ ضده ، وهي كثيرة :

وقد أجاب عن هذه الأكاذيب والمفتريات الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ، فقال رحمه الله : " وأمَّا ما يكذب علينا ستراً للحق ، وتلبيساً على الخلق بأنَّا نفسِّر القرآن برأينا ، ونأخذ من الحديث ما وافق فهمنا من دون مراجعة شرحٍ ، ولانعوِّل على شيخٍ ، وأنَّا نضع من رتبة نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم بقولنا : النبيُّ رِمَّةٌ في قبره ، وعصى أحدنا أنفع منه ، وأنَّه ليس له شفاعةٌ ، وأنَّ زيارته غير مندوبة ، وأنَّه كان لايعرف معنى لا إله إلاَّ الله حتى نزل عليه : { فاعلم أنَّه لا إله إلاَّ الله } مع كون الآية مدنية ، وأنَّا لانعتمد أقواله ، ونتلف مؤلفات أهل المذاهب ؛ لكون فيها الحقَّ والباطل ، وأنَّا مجسمة ، وأنَّا نكفِّر الناس على الإطلاق من بعد الستمائة إلاَّ من هو على ما نحن عليه ، ومن فروع ذلك : أنَّا لانقبل بيعة أحدٍ حتى نقرِّر عليه أنَّه كان مشركاً ، وأنَّ أبويه ماتا على الإشراك بالله ، وأنَّا ننهى عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ونحرِّم زيارة القبور المشروعة مطلقاً ، وأنَّا لانرى حقَّاً لأهل البيت إلى غير ذلك ؛ فجميع هذه الخرافات ، وأشباهها لمَّا استفهمنا عنها من ذكرها لنا كان جوابنا عليه في كلِّ مسألة : سبحانك هذا بهتانٌ عظيم ، فمن روى عنَّا شيئاً من ذلك ، ونسبه إلينا فقد كذب علينا ، وافترى ، ومن شاهد حالنا ، وحضر مجلسنا ، وتحقَّق ما عندنا ؛ علم قطعاً أنَّ جميع ذلك ، وضعه علينا ، وافتراه أعداء الدِّين ، وإخوان الشَّياطين ؛ تنفيراً للناس عن الإذعان لإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة ، وترك أنواع الشرك ؛ الذي نصَّ الله عليه على أنَّه لايغفره ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " انتهى من الضياء الشارق ص 87 و 88 .
وقال الدكتور صالح بن عبدالله العبود في كتابه عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي قال تحت عنوان منهج الشيخ رحمه الله قال : " ومنهج الشيخ رحمه الله هو منهج السلف الصالح رحمهم الله يرى أنَّ الله سبحانه وتعالى نصب الأدلة ، وبيَّن الآيات الدالة عليه ، وأعطى الفطر ، ثمَّ العقول ، ثمَّ بعث الرسل ، وأنزل الكتب ؛ كلَّها دالةٌ عليه ، ومعرِّفةٌ به سبحانه وتعالى ، ومن آياته القرآن الكريم ؛ الذي تحدَّى الله بسورةٍ من مثله ، فقال : { وإن كنتم في ريبٍ ممَّا نزلنا على عبدنا فأتوا بسورةٍ من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين * فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين } ..." إلى أن قال : " لاخير إلاَّ دلَّ الأمة عليه ، ولاشرَّاً إلاَّ حذَّر منه إلى قيام الساعة ، والخير الذي دلَّ عليه التوحيد ، وجميع ما يحبه الله ، ويرضاه ، والشر الذي حذَّر منه هو الشرك ، وجميع ما يكرهه الله ويأباه " انتهى من كلام طويل في ص171 وما بعدها ، فمن شاء فليعد إليه .
وقال في ص633 وقد سئل أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى : " من لم تشمله دائرة إمامتكم ، ويتسم بسمة دولتكم هل داره دار كفر وحرب على العموم ؟ فأجابوا ( رحمهم الله ) : الذي نعتقده ، وندين الله به أنَّ من دان بالإسلام ، وأطاع ربَّه فيما أمر ، وانتهى عمَّا نهى عنه وزجر ؛ فهو المسلم حرام المال والدم ؛ كما دلَّ على ذلك الكتاب ، والسنة ، والإجماع ، ولم نكفر أحداً دان بدين الإسلام ؛ لكونه لم يدخل في دائرتنا ، ولم يتسمَّ بسمة دولتنا ؛ بل لانكفر إلاَّ من كفَّره الله ورسوله ، ومن زعم أنَّا نكفِّر الناس بالعموم أو نوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه ببلده ؛ فقد كذب ، وافترى ، وإذا كانت عقيدة الشيخ السلفية هكذا إنَّما هي تمسكٌ بالكتاب ، والسنة ، ودعوةٌ إلى الله وحده بهذا التمسك الراشد ، فكذلك هي ليست مصدر تزمُّت ، وترك للدنيا ، ورفضٌ للمصالح فيها ، وإنَّما هي عقيدةٌ الصلاح والأصلح في الدنيا والآخرة ؛ كيف لا وهي مبنيةٌ على أنَّ صريح العقل يوافق صحيح النَّقل " اهـ .
وأخيراً يا سماحة المفتي أنصحك أن تقرأ مؤلفات هذا الإمام اقرأ كتاب التوحيد ، وقد احتوى على ستَّةٍ وستين باباً كلُّ بابٍ مصدَّرٌ بآية أو آيات قرآنية ، وحديثٌ أو أحاديث نبوية ؛  أنصحك أن تقرأ كشف الشبهات ، والأصول الثلاثة ، والقواعد الأربع ، ونواقض الإسلام ؛ أنصحك أن تقرأ رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ؛ فكم فيها من علمٍ أنت وأمثالك بحاجةٍ إليه ؛ اقرأ عن الشيخ ودعوته في الكتب التالية :

1- عنوان المجد في تراجم علماء نجد لابن غنَّام رحمه الله .

2- الضياء الشارق للشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله .

3- عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية للدكتور صالح بن عبد الله العبود حفظه الله .

4- اقرأ عنه وعن أبنائه ، وأحفاده ، وتلامذته في كتاب الدرر السنية في أئمة الدعوة النجدية .

5- اقرأ عن أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الفكر والأدب بجنوب الجزيرة للدكتور عبد الله بن محمد حسين أبو داهش حفظه الله 
وهناك مصادر أخرى لا أطيل بذكرها .

قال المفتي علي جمعة في كلامٍ طويل أُرسل إليَّ عليه صورته : " 2- وهناك فارقٌ بين القطعي ، والظنِّي ؛ فحرمة الخمر قطعية ؛ وحرمة التدخين ظنِّية ، ومحلُّ اختلاف ؛ وقد يقوى الخلاف بين الأئمة المجتهدين العظام ...." إلى أن قال : " 4- وليس معنى أنَّ الخمر حرامٌ هدم الخمَّارات ؛ وليس معنى حرمة القمار ، والدعارة قتل المشتغلين بها ، وليس معنى حرمة عبادة البقر قتل البقر أو حتى قتل العابدين لها ؛ فهذا الإلزام إن دلَّ على شيءٍ ؛ فإنَّما يدل على ضعف الربط بين المقدمات والنتائج ، ويدل على سطحية الربط بين الأسباب والمسببات " اهـ .

وأقول: في هذا الكلام خلطٌ بين الأمور ، والله يحاسب قائله عمَّا أراد ؛ فقوله : " فحرمة الخمر قطعية ، وحرمة التدخين ظنِّية "
أقول:
أولاً : هذه نزعةٌ اعتزالية ؛ فالمعتزلة هم ؛ الذين يقولون أنَّهم لايقبلون إلاَّ القرآن ، ومتواتر السنَّة ؛ أمَّا أحاديث الآحاد فلايقبلونها ؛ وقد أشار إلى أصحاب هذا الفكر الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله : (( ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ؛ ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن ؛ فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه ، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ؛ ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي ، ولا كلُّ ذي ناب من السبع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه ؛ فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه )) رواه الإمام أبو داود في كتاب السنة باب لزوم السنة وقال عنه الألباني رحمه الله صحيح ، وصححه أيضاً في صحيح سنن ابن ماجة برقم 12 من حديث المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه .

ثانياً : حرمة الخمر قطعية ، ولاشكَّ في ذلك ؛ قال الله عزَّ وجل : { يا أيها الذين آمنوا إنَّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم

تفلحون}[ المائدة : 90 ] .

ثالثاً : حرمة الدخان قطعية أيضاً ، ولكن بالوصف ؛ قال الله عزَّ وجل :{ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث } [ الأعراف : 156 ] ومفاد هذه الآية أنَّ كلَّ طيب حلال ، وكلَّ خبيثٍ محرَّم ، وخبث الدخان لايتمارى فيه عاقلان ، فلذلك فهو محرم قطعاً ؛ لشمول وصف الخبث له ، فنحن نقول كلُّ خبيثٍ محرَّم ، والدخان خبيث فهو محرَّم .
ومن ناحية أخرى فإنَّ الله عزَّ وجل حظَّ عباده على حفظ المال ، ونهى عن إعطائه للسفهاء ، فقال : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً } [ النساء : 5 ] ونهى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال ، وإحراق المال منهيٌّ عنه قطعاً ؛ فهو أشدُّ من الإتلاف بغير التحريق ؛ ولو أنَّ إنساناً اشتغل حتى كسب مالاً ، ثمَّ أحرقه خارج جسمه ؛ لكان متَّهماً في عقله ، وإحراقه داخل الجسم جمعٌ بين مصيبتين ؛ إتلاف المال ، وإتلاف الجسم ؛ ينضاف إلى ذلك معصية الله ورسوله لأنَّه مخدرٍ ، ومفترٍ ، وكلُّ مخدِّرٍ ، ومفتِّرٍ حرام ؛ فما اجتمعت فيه هذه الأمور كيف يقال إنَّ حرمته ظنِّية .
رابعاً : أقول للمفتي هداه الله كلامك هذا يدل على أنَّك تقرُّ إبقاء الخمَّارات ، ومواطن الميسر ، ومواقع الدَّعارة ؛ فكأنَّك تقول لايتعرض أحدٌ لهذه المناكر ؛ بل اتركوها ، وأهلها ، ولاتتعرضوا لهم بسوء ، وهذا خطأٌ فاحش ، ومنعٌ لإنكار المنكر ؛ فإن كان المفتي يقصد الرد على الإرهابيين بأنَّه لايجوز لهم أن يتلفوا محلاَّت المناكر بأنفسهم ؛ بل أنَّ الواجب عليهم أن يرفعوا ذلك إلى الحكومات ، ويطلبوا من الحكومة إزالتها ، ومنعها ؛ فهذا له وجهٌ من الصحة إلاَّ أنَّه أخطأ في هذا التعبير المعمَّم . إنَّ واجب الأمر بالمعروف ، والنَّهي عن المنكر حكمٌ مجمعٌ عليه ؛ لأنَّ الله عزَّ وجل جعل الأمر بالمعروف ، والنَّهي عن المنكر ثلثي الدين فقال تعالى :{ كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } [ آل عمران : 110 ]
أمَّا إن كان المفتي يزعم أنَّا نقول الخمر حرام ، وحرمته قطعية ؛ لكن لايجوز أن ننكره ، والميسر حرام حرمته قطعية ، ولايجوز أن ننكر على أصحابه ، والدعارة ؛ وهي بيوت
الزنا محرَّمة حرمةً قطعية ، ولايجوز أن ننكرها ؛ فهذا أمرٌ غريب ، وشيءٌ عجيب أتى به هذا المفتي .
إنَّ واجب الأمر بالمعروف ، وإنكار المنكر يفرض علينا أن ننكر هذه المحرمات إنكاراً علنياً بألسنتنا ، ونطالب الدولة مطالبةً جدية بإغلاق دور البغاء ، ومواخير الخمر ، ودور
الميسر ؛ لأنَّ الإسلام يفرض ذلك ، ويوجبه فإن أبوا أن يفعلوا برئت ذممننا ، ولايجوز لنا أن نهدم دور البغاء ، ومحلاَّت المواخير بأنفسنا ؛ لأنَّ الأمر بالمعروف ، والنَّهي عن المنكر باليد ليس للأفراد بل هو للدول ، وللأفراد فيما لهم نفوذٌ عليه كبيوتهم ؛ ونقول للدولة إذا قررتم إباحة بيع الخمر علناً ، وأبحتم البغاء علناً في دولتكم فقد ساهمتم في هدم الإسلام ، وتقويضه من أركانه ، وفي الحديث : (( كلّ مسكرٍ حرام )) انظر صحيح الجامع برقم 4426 وفي الحديث أيضاً : (( كلُّ مسكرٍ حرام ، وإنَّ على الله لعهداً لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال ؛ عرق أهل النار )) انظر صحيح الجامع برقم 4427 وفي حديثٍ آخر : (( كلُّ مسكرٍ حرام ، وما أسكر منه الفَرَقُ ، فملء الكفِّ منه حرام )) انظر صحيح الجامع برقم 4428 وفي الحديث الآخر : (( كلُّ مسكرٍ خمر ، وكلُّ مسكرٍ حرام ، ومن شرب الخمر في الدنيا ؛ فمات وهو يدمنها لم يتب لم يشربها في الآخرة )) انظر صحيح الجامع برقم 4429 .

أمَّا البغاء فحرمته متفقٌ عليها في شرعة الإسلام ، وجميع الشرائع لايشكُّ في ذلك أحد ، والله سبحانه وتعالى يقول إخباراً عن قصة مريم حين ولدت بعيسى عليه السلام ، وجاءت به : {يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمُّك بغيا } [ مريم : 28 ] فهذا يدل على تحريم الزنا في جميع الشرائع .
والمهم أيسكت عن هذه المناكر على ما فيها من الوعيدات ، بل وتقرُّ إقرار الشيء المباح ،والله تعالى يقول : { كنتم خير أمَّةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهـون عن المنكر

وتؤمنون بالله } ويقول الله عزَّ وجل : { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسـان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لايتناهون عن منكرٍ فعلوه لبئس ما كانـوا يفعلـون } وفي الحديث : (( عن عائشة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( مروا بالمعروف ، وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم )) رواه الإمام ابن ماجه في كتاب الفتن باب الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة برقم 3251 .

تنبيه :

لقد وجدت لمفتي مصر الدكتور علي جمعة في نفس المقال كلاماً يدل على أنَّه يقول : " لابدَّ من الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر " فدلَّ ذلك على أنَّه إنَّما قصد تصرفات الإرهابيين .

قال المفتي بعد كلامٍ كثير : " وبهذه القواعد نشأت قاعدة التعايش حتى أنَّه لو اعتقد أحدنا أنَّ شيئاً ما حرامٌ حتى لو كان متفقاً عليه كالعري والخمر ؛ فإنّه يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، ولايُدمِّر ، ولايُفجِّر ، فما بالك بالمختلف فيه " اهـ .

وأقول: ما ذكره المفتي هنا كلامٌ جيد أسأل الله أن يوفقنا وإيِّاه ، وأن يلهمنا رشدنا ، ويعيذنا من شرِّ أنفسنا إلاَّ أنَّ ترك التدمير ، والتفجير ؛ ليس من أجل التعايش فحسب ، ولكن من أجل أنَّ الله عزَّ وجل لم يكلفنا بذلك لأمور :

1- أنَّ الإتلاف لأموال المسلمين ، والإزهاق لأرواحهم أو الإضرار بهم ؛ كلُّ ذلك محرَّمٌ لايجوز فعل شيءٍ منه ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : (( ألا إنَّ دمائكم ، وأموالكم ، وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلَّغت اللهم أشهد )) رواه البخاري ، ومسلم .

2- أن الأمر بالمعروف يشترط فيه أن يكون بمعروف ؛ فإن حصل فيه تدمير أو تفجير أو تقتيل كان نُكْرَه أعظم من المنكر ؛ الذي يراد تغييره ، وقد قيل :

ومن ينكر منكراً بأنكرا    كغاسل الحيض ببولٍ أغيرا

3- أنَّ الإنكار باليد كثيراً ما يؤدي إلى فتن بين الناس بحيث يتعصَّب لهذا أشخاصٌ ، فيحاولون ضرب المنكر أو الانتقام منه ، فالأولى تركه ، وليكن إنكار المنكر باللسان دون اليد أو تستعدي الدولة على صاحب المنكر ، فإنَّ استجابت الدولة ، ونصرت الحق ، وإلاَّ فقد برئت الذمة ، ولقد بقي النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة ينكر عليهم عبادة الأصنام ، ويذم طريقتهم ، ولم يكسِّر شيئاً من أصنامهم ، فلمَّا دخلها فاتحاً جعل يطعنها بقوسه ، ويسقطها ، ويقول :{وقل جاء الحق وزهق الباطل إنَّ الباطل كان زهوقا}[ الإسراء : 81 ] .

4- أنَّ التدمير، والتفجير يترك ؛ لأنَّ الله عزَّ وجل لم يأذن فيه ؛ لأنَّ فيه إضراراً بالمجتمع المسلم .

5- أنَّ المجتمع الذي يعيش فيه هؤلاء المدمِّرون ، والمفجرون تتحول حياتهم إلى جحيم ، فيسود فيهم الخوف ، وقلة الأمن ، ولا والله ما أراد الله من المجتمع المسلم أن يكون هكذا ؛ بل أراد أن يشيع في المجتمع المسلم الأمن ، والطمأنينة ، والوداعة حتى يعبد الناس ربَّهم ، وهم آمنون .

6- وأخيراً الذي أريد أن أقوله موضحاً للمفتي ، ومبيناً له أنَّ قاعدة التعايش لايجوز أن نخضع لها ديننا ، فنترك تعاليمه أو بعضها ؛ لنعايش غيرنا ، فهذا لايجوز ؛ بل الواجب علينا أن نخضع جميع مصالح الدنيا للدين .

وأمَّا قوله : " أنَّ الصحابة كانوا أشاعرة " فهذا قولٌ باطل ليس له حظٌّ من الصحة ، فأبو الحسن الأشعري ، ولد بعد أن مضت مائتا سنة من الهجرة ؛ أي ولد في القرن الثالث ، ومضى معظم عمره في الاعتزال ، ثمَّ تراجع عن مذهب المعتزلة ، وأعلن مذهبه الأشعري ، ثمَّ رجع عنه ، وأعلن توبته منه ، وعاد إلى مذهب أهل السنة والجماعة ؛ أهل الحديث .

فأين الصحابة ، وأين مذهب أبي الحسن الأشعري ؟ وما تلك إلاَّ فريةٌ افتراها هذا المفتي إن صحَّ ذلك عنه .

فلو قدِّر أنَّ الأشعري وجد في عصر الصحابة بعد موت نبيهم ، وموت الخلفاء الراشدين ، فهل يمكن أنَّ الصحابة يتركون ما جاء به نبيهم ، ويتابعون الأشعري في آرائه ؟ الجواب :

لا ، وألف لا ؛ وإن قال أنَّ مذهب الصحابة ، وعقيدتهم وافقها الأشعري ؛ فهل سيستطيع أن يثبت أنَّ الصحابة كانوا يقولون في استوى استولى ، ويقولون في الحديث المتفق عليه : (( ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول : من يدعوني فأستجيب له ؛ من يسألني فأعطيه ؛ من يستغفرني فأغفر له )) يقولون ينزل أمره ، وهل يمكن أنَّ الصحابة أوَّلوا اليدين في قوله تعالى : بل يداه مبسوطتان[ المائدة : 64 ] بالنعمتين إلى غير ذلك ؟
والجواب :
إنَّ هذا ما هو إلاَّ قولٌ باطل انتحله هذا الرجل ؛
هدانا الله وإيِّاه .

وأمَّا اعترافه على نفسه : " أنَّه صوفي ، وأنَّه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظةً "

وأقول:  هذا الادعاء يكفي في إسقاط هذا الرجل ، وأنَّه ليس من العلماء ، وإنَّما هو صوفيٌّ خرافي يُصَدِّق الترَّهات الكاذبة ، ويكذِّب بالقرآن ؛ فالله تعالى يقول : { وحرامٌ على قريةٍ أهلكناها أنَّهم لايرجعون * حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كلِّ حدبٍ ينسلون *واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصةٌ أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنَّا في غفلةٍ من هذابل كنَّا ظالمين } الآيات من سورة الأنبياء : 94 – 97
قال ابن كثير رحمه الله : " يقول تعالى :
{ وحرامٌ على قريةٍ } قال ابن عباس : وجب ؛ يعني قدِّر أنَّ أهل كلِّ قريةٍ أهلكوا أنَّهم لايرجعون
إلى الدنيا قبل يوم القيامة ؛ هكذا صرَّح به ابن عباس ، وأبو جعفر الباقر ؛ وقتادة ، وغيرواحدٍ ، وفي روايةٍ عن ابن عباسٍ : { أنَّهم لايرجعون } أي لايتوبون ، والقول الأول أظهر ، والله أعلم " .
قلت : ولعلَّ الآية عامَّةٌ في القولين ، وأنَّ الله كتب ، وقدَّر أنَّ من مات لايعود إلى الدنيا قبل يوم القيامة ؛ وأنَّ من كتبت عليه الشقاوة لايتوب ، ولايرجع عن كفره ؛ وهذا هو الأمر المشاهد ؛ الذي لايماري فيه أحدٌ ، ولهذا يقول الكفَّار للمؤمنين إذا أخبروهم بأنَّ الله يبعث الناس يوم القيامة ، ويحاسبهم ، ويجازيهم ، فيقولون : { فما كان حجتهم إلاَّ أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين } [ الجاثية : 25 ] أي أنَّهم مستبعدين لذلك غير مصدقين أنَّ الله يبعث الأموات ، والحقيقة أنّ الله لايعيد أحداً إلى الدنيا بعد الموت إلاَّ ما جعله الله آية كما في قوله تعالى : {أو كالذي مرَّ على قريةٍ وهي خاويةٌ على عروشها قال أنَّى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عامٍ ثمَّ بعثه } [ البقرة : 259 ] وكأصحاب الكهف ، وما أشبه ذلك ممَّا جعله الله آية ، ودلالة على قدرة الله عزَّ وجل ، وكذلك قول الله عزَّ وجل : { حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربِّ ارجعون* لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلاَّ إنَّها كلمةٌ هو قائلها ومن ورائهم برزخٌ إلى يوم يبعثون }[ المؤمنون : 99 – 100 ] قال ابن كثير في تفسير هذه الآية بعد أن ذكر آياتٍ كثيرة في سؤال الكافرين ، والمفرِّطين ؛ الرجعة عند الموت ، فلايجـابون ، فقال رحمه الله : " فذكر تعالى أنَّهم يسألون الرجعة فلايجابون عند الاحتضار ، ويوم النُّشور ، ووقت العرض على الجبَّار ، وحين يعرضون على النَّار ، وهم في غمرات عذاب الجحيم " اهـ .
قلت : وقد ثبت أنَّ الشهداء يسألون الرجعة بعد الموت ؛ ليقاتلوا في سبيل الله ، فيقتلوا مرةً أخرى ، وهذا ثابتٌ في السنة بما لامجال للشكِّ فيه ، ومما سبرناه يعلم أنَّ من مات لايعود إلى
الدنيا ، وأنَّ ما يقوله ، ويعتقده أصحاب النحلة الصوفية ما هو إلاَّ كذبٌ ، وافتراء ؛ فإن رأى أحدٌ منهم شيئاً ؛ فهو الشيطان يتلاعب بهم ؛ فإن قيل إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ومن رآني في المنام فقد رآني ؛ فإنَّ الشيطان لا يتمثل في صورتي )) متفق عليه ، فنقول هذا صحيحٌ أنَّ الشيطان لايتمثل بصورته صلى الله عليه وسلم ولكن لايمتنع أنَّه يتمثل في صورة غير صورته ، ويقول هو رسول الله ، وقد تمثَّل في صورة ملِكٍ له عرشٌ ، وعليه تاج ، وقال : إنَّه الله عزَّ وجل ؛ كما نقل ذلك ابن تيمية في كتاب التوسل والوسيلة .

فإذا كان الشيطان قد لعب على علي جمعة ، وتصوَّر له في صورةٍ غير صورة النبي صلى الله
عليه وسلم وقال له : إنَّه رسول الله ، وخدعه كما خدع غيره ، فلانستبعد ذلك ، والله تعالى يقول :{ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألاَّ تعبدوا الشيطان إنَّه لكم عدوٌّ مبين * وأن اعبدوني هذا صراطٌ مستقيم * ولقد أضلَّ منكم جبلاً كثيراً أفلم تكونوا تعقلون * هذه جهنَّم التي كنتم توعدون اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون } [ يس : 60 – 64 ] إنَّ النجاة من الشيطان هو في التمسك بالوحيين كتاب الله ، وسنَّة رسوله على فهم السلف الصالح .

وقال مفتي مصر في ص 6 من النشرة التي وصلت إليَّ : "  وحرمة التماثيل عند الجمهور هي للتمثال الكامل ، وليس للصورة الفوتغرافية ، وليس أيضاً للتمثال الناقص ؛ وليست للعب الأطفال ، وليس لما لاظلَّ له ، وليس لما يستعمل للإفادة أو للعلم أو للتذكير " ثمَّ قال : " وهذا محررٌ في الفتاوى عبر خمسين عاما "  اهـ .

وأقول : مفاد هذا المقطع أنَّه لايحرم من التصوير إلاَّ ما كان صنماً ؛ يعني هيكلاً كاملاً ، وهذا عليه فيه مؤاخذات :
فهو أباح الصورة الفوتغرافية ، وأباح التمثال الناقص ، وأباح لعب الأطفال ، وأباح ما لاظلَّ له ، وأباح ما يستعمل للإفادة ؛ أو للعلم أو للتذكير ، وأحال على الفتاوى الصادرة خلال خمسين عاما ؛ علماً أنَّ الأدلة تدل على تحريم التصوير بجميع أشكاله ، وألوانه ؛ قال البخاري - في كتاب اللباس باب عذاب المصورين يوم القيامة برقم الحديث 5738 - حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا الأعمش عن مسلم قال :كنَّا مع مسروق في دار يسار بن نمير فرأى في صُفَّته تماثيل فقال : سمعت عبد الله قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( إنَّ أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون )) ثمَّ أخرج البخاري بعده حديثاً برقم 5739 قال : حدثنا إبراهيم بن
المنذر حدثنا أنس بن عياض عن عبيد الله عن نافع أنَّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أخبره أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( إنَّ الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم )) وللحافظ ابن حجر في فتح الباري في شرح هذين الحديثين كلامٌ طويل قال فيه : " قال النووي ؛ قال العلماء : تصوير صورة الحيوان حرامٌ شديد التحريم ؛ وهو من الكبائر ؛ لأنَّه متوعدٌ عليه بهذا الوعيد الشديد ، وسواءً كان في ثوبٍ أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها ؛ فأمَّا تصوير ما ليس فيه صورة حيوان ؛ فليس بحرام ؛ قلت ( القائل هو الحافظ ابن حجر ) : ويؤيد التعميم فيما له ظل وما لاظلَّ له ؛ ما أخرجه أحمد من حديث علي رضي الله عنه : (( أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : أيُّكم ينطلق إلى المدينة ؛ فلايدع بها وثناً إلاَّ كسره ، ولاصورةً إلاَّ لطَخها أي طمسها )) " اهـ .
قلت : وهذا الذي تؤيده الأدلة إلاَّ أنَّ تصوير الجبال ، والشجر أفتى بجوازه ابن عباس رضي الله عنه ، ويجوز من الصور ما ألجئ إليه الإنسان كالصورة في الجنسية ، والجواز ، والإقامة ، ورخصة قيادة السيارة ، وما أشبه ذلك لقوله تعالى : { إلاَّ ما اضطررتم إليه } [ الأنعام : 119 ] ومما يؤيد أنَّ التحريم شاملٌ لما له ظل ، ومالا ظلَّ له إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة في قصة القرام ؛ وهو ثوب فيه تصاوير ، نشرته على سهوتها عند قدومه صلى الله عليه وسلم من تبوك فهتكه ، وقال : (( إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله )) رواه أحمد وغيره ، وأصله في صحيح مسلم باب تحريم تصوير صورة الحيوان .

وأكتفي بهذا القدر من الرد على الدكتور فيما زعمه أنَّه لايحرم إلاَّ التمثال الكامل ، والأدلة عامَّةٌ في التحريم ، وشامله ماله ظلٌّ ، وما لاظلَّ له ؛ كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر ، والنووي رحمهما الله تعالى .

أمَّا لعب الأطفـال فإنَّما يبـاح منها ما كان من القصب ؛ أمَّا مـا كان من البلاستيك المنفوخ ( الدُّمى ) فهو محرَّمٌ ، ومن يقول بحلِّه ، ويستدل عليه بما روته عائشة من لعب القصب ؛ فقد أخطأ إذ أنَّ اللعب ؛ التي من القصب ، واللعب التي من البلاستيك بينها فرقٌ كبير ، ثمَّ إنَّ لعب البنات من القصب كان في زمن الصغر بعد زواج النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ودخوله بأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، وتحريم الصور والتصوير وقع متأخراً ، فهتْك النبي صلى الله عليه وسلم لقرام عائشة كان في السنة التاسعة حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك ، فالإذن فيهـا ( أي لعب الأطفال ) على القـول الأصح ؛ فيما إذا كانت من القصب ؛ أو أنَّه منسوخٌ بقصة القرام ، والله أعلم .
أمَّا قوله : " وهذا محررٌ في الفتاوى عبر خمسين عاما " فهذا إحالةٌ على مجهول ؛ علماً بأنَّ الفتاوى التي حصلت إذا كانت مخالفةً للنصوص الشرعية ؛ فإنَّها لاعبرة بها ، وإنَّما الاعتبار بالفتاوى ؛ التي تؤيدها الأدلة ؛ أمَّا ما ليس كذلك ، فلا عبرة به كما قلنا ، والله سبحانه وتعالى يقول عن بني إسرائيل : { وغرَّهم في دينهم ما كانوا يفترون } [ آل عمران : 24 ] ومعنى ذلك أنَّ اليهود ركنوا إلى قول من قال منهم كما في صحيح البخاري : (( نكون فيها يسيرا )) أي النار (( ثم تخلفونا فيها ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اخسئوا فيها ، والله لا نخلفكم فيها أبداً )) فالاعتماد إنَّما يكون على ما جاء بدليلٍ واضـحٍ ، وليس على قول من لايعتـبر قوله حجـة ، وبالله التوفيق .
أمَّا دفاع أسامة القوصي عن علي جمعة ، وزعمه : "  أنَّه لايجوز أن يطعن في الشيخ على جمعة مفتي الديار المصرية ؛ لكونه عنده شيءٌ من التصوف ، وعنده شيءٌ من التمشعر ؛ هذا خطـأ هذا منصبٌ لابد أن يحترم ؛ هذا منصبٌ لابدَّ أن يعظم ؛ هذا المنصب يعتبر ولاية شرعية لابدَّ من تعظيمها ، وتفخيمها ، ولايجوز الطعن فيمن تولَّى هذا المنصب  " اهـ .
ومعنى ذلك أنَّ مفتي الدولة لايجوز الكلام فيه ؛ كما لايجوز الكلام في رئيس الدولة ، ونحن نطالبك أولاً بالدليل الذي يجعل لمفتي الدولة حكم رئيس الدولة في عدم ذكر أخطاءه علانيةً ، ومناقشته فيها .

ثانياً : من هو الذي سبقك إلى هذا من العلماء .

ثالثاً : إذا لم تأت بدليلٍٍ صحيحٍ صريحٍ على صحة مدَّعاك فأنت مجاملٌ للمفتي تريد أن تضيِّع الحق من أجل مجاملته ، فتبوء بمثل إثمه ، فأخشى أن ينطبق عليك قوله صلى الله عليه وسلم : (( من التمس رضى الله بسخط الناس رضي الله عنه ؛ وأرضى عنه النـاس ، ومن التمس رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه ؛ وأسخط عليه الناس )) رواه ابن حبان في صحيحه .
رابعاً : هل يجوز السكوت عمَّن يفتي بحلِّ الشرك الأكبر ، والتطوف بالأضرحة .

خامساً : وإذا كان الأمر كذلك ، فما معنى قوله صلى الله علي وسلم في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه : (( وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن ترو كفرا بواحاً عندكم من

الله فيه برهان )) متفق عليه ؛ فهل المنازعة لرئيس الدولة أو لكل من اتخذ منصباً فيها ؟ .

سادساً : ونحن نوجدك دليلاً يدل على خلاف زعمك ؛ وهو أنَّ أهل الكوفة شكوا سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب - وسعد أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ؛ وهو الذي فتح العراق – فعزله ، واستعمل عليهم عمَّاراً ؛ فقالوا عن سعد : (( أنَّه لا يحسن يصلي ، فأرسل إليه ، فقـال يا أبا إسحاق : إنَّ هؤلاء يزعمون أنَّك لا تحسن تصلي ؟ قال أبو إسحاق : أمَّا أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخرم عنها ؛ أصلي صلاة العشاء ، فأركد في الأوليين ، وأُخِف في الأُخريين . قال : ذاك الظن بك يا أبا إسحاق ، فأرسل معه رجلاً - أو رجالاً - إلى الكوفة ؛ فسأل عنه أهل الكوفة ، ولم يدع مسجداً إلا سأل عنه ، ويثنون معروفا ؛ حتى دخل مسجداً لبني عبس ، فقام رجل منهم يقال له أسامة بن قتادة ؛ يكنى أبا سعدة ؛ قال : أما إذ نشدتنا ؛ فإنَّ سعداً كان لا يسير بالسرية ، ولا يقسم بالسوية ، ولا يعدل في القضية . قال سعد : أما والله لأدعونَّ بثلاث : اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا ؛ قام رياءً وسمعةً ؛ فأطل عمره ، وأطل فقره ، وعرضه بالفتن ، وكان بَعْدُ إذا سئل يقول : شيخٌ كبيرٌ مفتونٌ ؛ أصابتني دعوة سعـد . قال عبد الملك : فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر ، وإنَّه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن )) رواه البخاري .
سابعاً : ونقول لك من الأولى بأن يحترم سعد بن أبي وقَّاص - الذي قال عنه عمر رضي الله عنه في صحيح البخاري وغيره : " فمن أصاب الخلافة منكم ( يقصد عثمان وعلي رضي الله عنهما ) فليستعن بسعد ، فإنِّي لم أعزله عن عجز ، ولاخيانة " - أو علي جمعة ؛ الذي يفتي بجواز بناء الأضرحة على القبور ؛ مراغمةً للأحاديث الصحيحة الصريحة ؛ التي تنهى عن البناء عليها ، ويتهم من يفتي بتحريم ذلك تبعاً للأدلة ، وأنَّه ذريعةٌ من ذرائع الشرك الأكبر يتهمه بالهوس ؛ وهو الجنون .
ثامناً : جاء في الصحيحين ، واللفظ لمسلم : (( عن عروة عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال : (( استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأُسد يقال له ابن اللُّتبية ( قال عمرو ، وابن أبي عمر : على الصدقة ) فلما قدم قال : هذا لكم ، وهذا لي أهدي لي ؛ قال : فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، وقال : ما بال عاملٍ أبعثه فيقول : هذا لكم ، وهذا أهدي لي ! أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا ؟ والذي نفس محمد بيده ! لاينال أحدٌ منكم منها شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه بعير له رغاء ؛ أو بقرة لها خوارٌ ؛ أو شاة تيعر ، ثم رفع يديه حتى رأينا عُفْرتي إبطيه ، ثم قال : اللهم هل بلغت مرتين )) وجه الدلالة من هذا الحديث : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أنكر على هذا العامل إنكاراً علنياً ؛ وهو يدل على خلاف ما زعمه أسامة القوصي من أنَّه لايجوز الكلام في علي جمعة ، ولانشر أخطاءه احتراماً لمنصبه ، وكونه مفتي دولة .
تاسعاً : الحقُّ يقال ، والمنكر ينكَّر ؛ حمايةً لديننا ، ونصرةً لعقيدتنا ، وطاعةً لربنا ، واتباعاً لسنة نبينا ؛ ونصحاً لأمَّتنا ، وإن كره ذلك من كره ، وعارض من عارض ، والله تعالى يقول : {فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقيةٍ ينهون عن الفساد في الأرض إلاَّ قليلا ممن أنجينا منهم واتَّبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين } [ هود : 116 ] فأخبر الله أنَّ الذين كتب لهم النجاة هم الذين ينهون عن الفساد في الأرض أي يظهرون الإنكار للفساد والإفساد يعني للفساد وأهله ، وليس ببعيدٍ عن أذهاننا قصة أصحاب القرية ؛ الذين اعتدوا في السبت ، وأنَّهم انقسموا إلى ثلاثة أقسام :  قسمٌ قارفوا المعصية ، وقسمٌ أنكروا ، وقسمٌ سكتوا ، فأهلك الله المعتدين ، والساكتين ،وأنجى المنكرين .

عاشراً : أترى يا أسامة القوصي أنَّه يجوز لك أن تدافع عمَّن يبيح رفع الأضرحة ؛ مراغمةً للأحاديث ؛ التي تمنع ذلك ، وتحرم التطوف بالقبور ، ودعاء أصحابها ، وسفك الدماء على أعتاباها ، ويرى من يفتي بتحريم ذلك أنَّ به هوس يعني جنون ، وكأنَّه لم يقرأ الآيات الواردة في الشرك وتحريمه ؛ فهل يجوز لك يا أسامة القوصي أن تدافع عن هذا ، وتقرر عدم الرد عليه ؛ فيما يبيحه من المحرمات من شركٍ ، فما دونه ؛ إنَّك إذا لم تتب إلى الله عزَّ وجل من هذا الذي فعلته ، فستقف بين يديه موقفاً صعباً ؛ فلقد توعَّد الله نبيه إن هو أشرك ليحبطنَّ عمله ، وليكوننَّ من الخاسرين حيث يقول تعالى : { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطنَّ عملك ولتكوننَّ من الخاسرين *بل الله فاعبد وكن من الشاكرين  } [ الزمر : 65 – 66 ] أفتأمن يا أسامة من أن يحبط الله عملك بدفاعك عن المشركين ، والله تعالى يقول : { ومن يدع مع الله إلهاً آخر لابرهان له به فإنَّما حسابه عند ربه إنَّه لايفلح الكافرون } [ المؤمنون : 117 ] ونحن لم نقل أنَّك دعوت غير الله ، ولكنَّك أقررت إباحة الدعاء بتبريرك لمن أفتى بذلك ؛ فتب إلى الله ، وانزع عمَّا أنت فيه ؛ هذه نصيحتي لك ولأمثالك ، وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه .

كتبه

أحمد بن يحيى بن محمد النَّجمي

23 / 9 / 1427 هـ

...




الساعة الآن 02:23 صباحا