حياكم الله زائرنا الكريم في شبكة الربانيون العلمية، إذا كنت قد اشتركت معنا سابقًا فيمكنك تسجيل الدخول بالضغط هنا، وإذا لم تسجل عضوية من قبل فيمكنك إنشاء حساب جديد بالضغط هنا، تقبل الله منا ومنكم.




25-06-2012 06:28 مساء
مشاهدة مشاركة منفردة [0]
أبو عبدالرحمن حمدي آل زيد
موقوف
rating
معلومات الكاتب â–¼
تاريخ الإنضمام : 27-06-2011
المشاركات : 303
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif [تفريغ] [خطبة جمعة] [بل هي فتنة] لفضيلة الشيخ محمد سعيد رسلان -ثبته الله على الحق-
القراءة المباشرة


إِنَّ الحَمْدَ لِلّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّد صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَة بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَة ضَلاَلَةٌ، وَكُلَّ ضَلاَلَة فِي النَّارِ.
أَمَّا بَعْدُ:
فإن سؤالاً يتردد كثيرًا هذه الأيام من الشانئين المبغِضين المخالِفين، ومن المحبين المُقبلين الموافقين، وهذا السؤالُ هو:
ماذا أنتم فاعلون -يا أهلَ السنة- إنْ وُلي عليكم بعضُ الذي تبدِّعون جماعتهم، وتنتقدون في الاعتقاد مسالكَهم، وتقوِّمون ما اعْوَجَّ من مناهجهم؟!
وكان حَرِيًّا أن تكون الإجابةُ بسؤال هو: هل وقعَ ذلك أو لم يقع؟!
وسيقول السائل: لم يقع. فيُقال له: دعه، فإذا وقع فَسَلْ.
ومع هذا فلا بأسَ من سوق الإجابة عن هذا السؤال ليستبينَ الصبحُ لذي عينين.
وقبل الإجابة عن هذا السؤال أسوق مقدمتين اثنتين، ثم أذكر -إن شاء الله تعالى- جوابًا مجملاً وجوابًا مفصَّلاً.
المقدمةُ الأولى:
لقد شاع وذاع بعد اضطرابات يناير سنة إحدى عشرة وألفين مصطلحُ (الفُلول)، فصار يُطلق ويُراد به معنًا لا ينضبط! بل يضيقُ ويتسع، ويخفُّ ويَثْقُل على حسب مُطْلِقِه والمُطْلَقِ عليه.
ولكنه لا يخرج عن كونه وصفًا بما لا يُحب الموصوف أن يُوصفَ به، ولا يودُّ ذو المروءة أنْ يُطلقَ عليه. فما حقيقة هذا اللفظِ لغةً واستعمالاً؟
أولاً: في اللغة:-
فَلَّ عن فُلان عقلُه فَلاً: أي ذهب ثم عاد.
وفَلَّ السيفَ فَلاً: فَلَمَهُ وكسره في حَدِّه.
وفَلَّ السيفُ فَلَلاً: تَفَلَّمَ حَدُّه، فهو أَفَل.
وأَفَلَّ فلانٌ: ذهبَ مالُه.
والفَلُّ: كسرٌ في حَدِّ السيف، وما انفصل عن الشيء وتناثر؛ كَسُحَالَة الذهب، وبُرَادَة الحديد، وكشرر النار. والجمُع: فُلول.
والفَلُّ: المنهزِم، يُقال للواحد والجمع.
والفَلُّ: الأرضُ الجَدْبَةُ لم تُمْطَر. ويُقال: فلانٌ فَلٌّ من الخير: أي خال منه.. فهذا هو الفَلُّ بالفَتْحِ.
وأما الفِلُّ: فالأرضُ التي لا نباتَ فيها.
والفِلُّ: ما رَقَّ من الشَّعْر.
وأما الفُلُّ -بالضم-: فاسمٌ يُطلق اليوم على الياسَمِين الزّنْبَقِيّ، من جنس الياسَمِين من الفصيلة الزيتونية.
فالمراد بـ (الفلول) -إذن على حسب ما يريد القوم-: المنهزمون.
هذا في اللغة.
وأما في الاستعمال فيختلف المراد على حسب الواصِف والموصوف.
فيُراد به أحيانًا: مَن كان عاملاً في مواقع ووظائف معينة في النظام السابق، ويُراد به أحيانًا مَن هو مُعَاد للثورة -كما يصفونها-، أو مَن هو في الثورة المضادة -كما يقولون-، إلى غير ذلك مما لا ينضبط!
ومعلومٌ في الأعراف الدولية -جميعها- أنّ الثورةَ لا يُقال لها ثورة إلا إذا أرادت التغيير الجذريَّ لجميع الأنماط المجتمعية مما يتعلق بالعقيدة، وطريقة التفكير، والحياة، ونُظُم المعيشة.
فإن كان هذا مرادًا في مصر، فهو انقلابٌ على دينها، وهو تدمير لعقيدتها، وإن لم يكن هذا بمراد فليست بثورة، وإنما هي إحداثٌ للفوضى.
وأقول: إن أكثر الذين يُطلِقون هذا الوصفَ (الفُلول) ينطبق الوصفُ عليهم كما ينطبق على غيرهم، بل هم أولى به وأحرَى!
لقد حكم الرئيس السابق مصر ثلاثين عامًا، ومعنى هذا أن كل مَن هو دون الخمسين -من الخمسين فما دونها- كلُّ هؤلاء من أبناء مصر هم من أبناء الرئيس السابق إعلامًا وتعليمًا -شاءوا أم أبوا-؛ فقد تشكلت عقولُهم، ونمت معارفهم، وتحددت اتجاهاتهم في نطاق منظومة الإعلام والتعليم في تلك الفترة، فأين يذهبون؟!
وأكثرُ الذين يُطلِقون لفظَ (الفُلول) على غيرهم هم أولى به؛ لأن الحزب الوطني كان مسيطرًا على منافذ الحياة، وكان أكثر المصريين ينتمون إليه: إما لجلب منفعة أو لدفع مضرة، ومعلومٌ أن الحزب لم تكن له عقيدة: لا سياسية ولا دينية يدعو إليها، وإنما هو تجميع للناس من أجل المحافظة على الحكم، أو لرغبته في دوام استمراره.
فإذًا لم يكن أمرًا إيديولوجيًا -كما يقولون-، ولم يكن الانتماء إليه إنتماءً إلى عقيدة سياسية محددة، ولا إلى عقيدة دينية ولا مجتمعية قد حُددت.
وإنما كان الذين ينتمون إليه في الجملة من أبناء هذا الشعب الطيب، كانوا ينتمون إليه: إما لجلب منفعة أو لدفع مضرة.
لأنه لم يكن أحدٌ يرتقي في منصب ولا يُقَدَّم في مجال ولا يُعَيَّن في وظيفة إلا إذا كان له انتماءٌ على نحو ما إلى الحزب.
وعليه، فكل الذين يدَّعون الثوريةَ والوطنية اليومَ، ويَتَّشِحُون بِوِشاحِها، ويَلْبَسُون لَبُوسَها هم من (فُلول) الحزب الوطني أيضًا بهذا الاعتبار.
وحتى المعارضة كانت جزءًا من النظام السابق، فهي من الفلول أيضًا بهذا الاعتبار.
فَلِمَ التخوين؟! ولِمَ التمزيق؟! لأبناء الوطن على غير شيء إلا للمطامع تُحصَّل، وإلا للمغانم تُقسَّم، وإلا لهذا الوطن الطيب يُشَرَّد أبناؤه، ويُمَزَّق أَدِيمُه، ويُقسَّم في رُقعته التي حفظها الله -رب العالمين- فيما مضى، ونسأل الله حفظها فيما هو آت.
وأما (الإسلاميون) الذين يُولَعُون بإطلاق هذا الوصف على المخالفين، فهم أيضًا من (الفُلول) بهذا الاعتبار السابق!
ومَن لم يكن منهم من (الفُلولِ) -فلولِ النظام السابق- فهم من (فُلول) النظام الخاص، ومن (فُلول) جماعات العنف المسلح، ومن (فُلول) جماعات الصدام الدموي، وأكثرُهم أيديهم ملطخةٌ بالدماء، والسواد، والدخان: قتلاً، وتدميرًا، وتشريدًا، وتفجيرًا؛ فهم (فُلولٌ) بهذا المعنى -(فُلول) النظام الخاص-.
ومُرْشِد الإخوان السابق، ومرشدهم الحالي من (فُلول) النظام الخاص، وكثيرٌ ممن صار نائبًا عن الشعب بغرفتيه أو سُمح له بإنشاء حزب سياسيّ هم من (فُلول) جماعات العنف الدمويّ، وإراقة الدماء، وتفجير المنشئات، واغتيال المصريين، والمعَاهَدين على السواء.
هذا الوصف يجمعهم، فهم أولى به وأحرى، لكنهم صاروا اليوم بعد أن تجاهلوا ماضيهم وظنوا أنهم إذا ما وضعوا رءوسهم في الرمال، فإنّ الصيادَ لا يراهم؛ كالعصفور الأحمق إذا أتى الصيادُ وضع رأسه تحت جناحه يعتقد أنه إذا كان لا يرى الصياد؛ فإنّ الصيادَ لا يراه!!
هذه (الفُلول) التي صارت أحزابًا سياسية تتكلم في مصير الأمّة، وتخطط لمستقبلها، وتحدِث الفوضى بين أبنائها، هذه الأحزاب أكثرُ مَن أنشأها أيديهم ملطخة بالدماء، وهم سببٌ مباشر فيما وصلت إليه الأمّة بهذا التمزق الحاصل والتردي الواقع من الأ زمات السياسية والاقتصادية.
لأنهم لما صادموا الحكم؛ فصادمهم، صار الأمن كله سياسيًا!، وأُهملت جوانب أخرى من جوانب الأمن كان ينبغي ألا تُهمل، ولكن لما صادموا السلطة الزمنية أجبروا الحكام على محاولة الحفاظ عليها بكل سبيل، فصار الأمنُ في معظمه أمنًا سياسيًا؛ من أجل المحافظة على النظام بأركانه، وصارت جوانب من جوانب الأمن المهمة مهملةً أو كالمهملة.
وما الذي دعا إلى ذلك؟! الذين أوقعوا الصدامَ بينهم وبين السلطة!، ولم يأخذوا الفرصة من أجل الدعوة إلى الله على منهاج الأنبياء كما جاء به رسول الله -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-، فوقع ما وقع مما لا يجهله أحدٌ.. فهذه حقيقة (الفُلول) التي لا تشتبه! فأين أنتِ يا حُمرةَ الخجل؟!!
المقدمة الثانية:
أنّ هذا الجيلَ بشيوخه ودُعاته ليس بجيل النصر المنشود!، ولا بجيل تقوم به الشريعة؛ إذ لم يقم هو بها.. لا شيوخُه قاموا بها، ولا دُعاته قاموا بها، وبالأولى لا يكون طلابه ممن أتى بها.
فهذا الجيل ليس بجيل النصر المنشود، إنّ لله في هذه الأمّة سننًا، وهي نافذة وفاعلة بأمر الله وقدره، وسنن الله لا تحابي، سنن الله -رب العالمين- فاعلة على مقتضى حكمته، وعلمه، ومشيئته، وإرادته، ولا يُحابي ربك أحدًا، ولا يظلم ربك أحدًا.
ومَن تأمل في درجة انصياعهم للأحكام، وطريقة فهمهم لها عَلِمَ يقينًا أنهم يقودون المسلمين إلى الفوضى من حيث يريدون أو لا يريدون.
ومَن تأمل في غفلتهم عما يُراد للأمة مما هو معلنٌ ظاهر وما هو باطن لا يخفى عَلِمَ أنهم يسوقون المجتمع المصري إلى الفوضى.
إن الذي يُراد له أن يحدث في مصر هو (الفوضى الخَلّاقَة)، والمرادُ بها: تفكيك المجتمع المصري، ثم إعادة تركيبه على الأجندة الغربية في: العقيدة، والفكر، والحياة، والأخلاق، والسلوك؛لإزالة هوية المجتمع الإسلامية العربية، وإحلالُ ضدها محلها.
هذا ما يُراد لمصر، وهذا ما يُراد لكل بلد عربي إسلامي ممن اندلعت في أرجائه شرارةُ الثورة الماسونية يحرِّكها الماسون عن طريق عملائهم في الداخل والخارج، وممن خربت ذممهم، وماتت ضمائرهم، وانتفى انتماؤهم إلى دينهم، وعقيدتهم، وإلى وطنهم وترابهم؛ فصاروا كالدمى! كالعرائس في مسرح العرائس! يحرِّكها بخيوطها من وراء ستار شيطانٌ رجيم.
وأما هؤلاء تحسبون أنهم يُحسنون صنعًا!!
إنّ جيل النصر الذي يقيم الشريعة لابد أن يحقق أسبابَ التميكن ويحصِّلَ مقوماته.
الذي يتأمل في كتاب ربه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه يجد أن سبب التمكين في الأرض، إنما هو تحقيق التوحيد وإخلاص العبادة لله -جل وعلا- من شَوْبِ الشرك والابتداع والمحدثات من الأمور.
إنما يكون ذلك بتوحيد المتابعة للمعصوم، فلابد من توحيد القصد والإرادة، ولابد من توحيد المتابعة، ومَن لم يأتِ بهذا فلا تمكين في الأرض.
الإسلام مبني على أصلين: ألا نعبدَ إلا اللهَ -رب العالمين- وحده، وألا نعبده -تعالى- إلا بما شرع، لا نعبده بالأهواء والبدع ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَة مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض وَاللهُ وَلِيُّ المُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: 18-19]، وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ ﴾ [الشورى: 21].
فليس لأحد أن يعبدَ الله إلابما شرعه الله عن طريق رسول الله-صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-من واجب ومُستحَب، لا نعبده -تعالى- بالأمور المبتدَعة، قال ربنا -جل وعلا-: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]
إِلَهُكُمْ الذي أدعوكم إلى عبادته إِلَهٌ وَاحِدٌ لا شريك له، فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ، أي ثوابَه وجزاءه الصالح، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا، وهو ما كان موافِقًا للشرع، وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا، وهو الذي يُراد به وجهُ الله -رب العالمين- وحده لا شريك له.
وهذان ركنا العمل المُتَقَبَّل، لابد أن يكون خالصا لله، صوابًا على شريعة رسول الله -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-.
متى ما حققتِ الأمة ركنيّ العمل المُتَقَبَّل، وأتت بأصليه مكّن الله -جل وعلا- لها، ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55]
قال العلامة السَّعْدِيّ -رحمه الله-: «هذا من وعوده الصادقة، التي شُوهد تأويلها وعُرف مَخْبَرُها، فإنه وَعد مَن قام بالإيمان والعمل الصالح من هذه الأمة، أنْ يستخلفهم في الأرض، يكونون هم الخلفاء في الأرض، ويكونون المتصرفين في تدبيرها، وأنه يمكِّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وهو دين الإسلام، الذي فاق الأديان كلها، ارتضاه لهذه الأمة، لفضلها وشرفها ونعمته عليها، بأن يتمكنوا من إقامته، وإقامة شرائعه الظاهرة والباطنة، في أنفسهم وفي غيرهم، لكون غيرهم من أهل الأديان وسائر الكفار مغلوبين ذليلين، وأنه يبدِّلهم من بعد خوفهم الذي كان الواحد منهم لا يتمكن من إظهار دينه، وما هو عليه إلا بأذى كثير من الكفار، وكون جماعة المسلمين قليلين جدًا بالنسبة إلى غيرهم، وقد رماهم أهل الأرض عن قوس واحدة، وبغَوْا لهم الغَوائل.
فوعدهم الله هذه الأمور وقت نزول الآية، وهي لم تشاهِد الاستخلاف في الأرض، والتمكين فيها، والتمكينَ من إقامة الدين الإسلامي، والأمنَ التام، بحيث يعبدون الله ولا يُشركون به شيئًا، ولا يخافون إلا الله.
فقام صدرُ هذه الأمة، من الإيمان والعمل الصالح بما يفوقون على غيرهم، فمكَّنهم من البلاد والعباد، وفُتحت مشارقُ الأرض ومغاربها، وحصل الأمن التام والتمكين التام».
حتى وقف واقفهم من مجاهديهم على فرسه على شاطئ البحر المحيط يخاطبُ أمواجه ويناجي ما هنالك من مياهه، ويقول: أما والله لو أعلم أن وراءك أيها البحرُ قومًا لا يعبدون الله لخضتكَ على متن فرسي هذا، ولأقاتلنهم في سبيل الله حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وحتى يعبدوا الله وحده لا شريك له.
«هذا من آيات الله العجيبة الباهرة، ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة مهما قاموا بالإيمان والعمل الصالح؛ فلابد أن يُوجد ما وعدهم الله».
وهؤلاء الذين يقومون من أهل الإيمان والعمل الصالح إذا كان الذي يتوسلون به من العمل الطالح! ومما لا يحبه الله ولا يرضاه كما جاء (عليُّ بن حاج) في بِزِّة عسكرية -وهو مدنيّ- ولكن هكذا تكون الأمور، وأتى ببعض أشياعه يريد أن يذهب إلى العراق؛ ليجهاد -بزعمه- في سبيل الله، وليدفع الحملة الصليبية عن العراق وأهله، فنزل الأردن، فلقي الشيخَ ناصرًا -رحمه الله- فلما استفسر منه عن حاله وأين يريد؟ وأخبره الرجل أن عندهم من مئات الألوف مَن يبذل نفسه لإقامة دين الله، فسأله: أكلُّهم على المعتقد الصحيح؟! وحدَّد سؤالاً لم يَرِم عنه، فأراد الرجل أن يروغ، فحاصره بالسؤال، فقال: لا. قال: إذًا لا يُنصرون!!
مَن الذي يُنصر؟!
صاحبُ الإيمان، صاحب العقيدة الصحيحة، وصاحب العمل الصالح، الاشتراكيون الثوريون معتقدهم إحداث الفوضى في البلاد، وألا يكون للبلاد حاكمٌ، وهؤلاء ممن يضمهم القوم اليوم ويجعلونهم تحت عباءتهم!!
والذين ذهبوا إلى المراكز الأمريكية وغيرها، وارتحلوا إلى صربيا؛ ليتعلموا إشاعةَ الفوضى في البلاد المسلمة، وليكونوا الطليعةَ المجرمة في تفكيك المجتمعات المسلمة، هؤلاء هم الذين يخوضون المسيرة اليوم، لأي شيء ولأي سبب؟!!
لابد أن تُغلف المسألة.. من أجل المساكين، من المسلمين الذين لا يعلمون، من أجل إقامة شرع الله!! مَن الذي يُقيم شرع الله؟!
مَن أقام الشرع على نفسه كأصحاب محمد -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-، رُبُّوا على التوحيد، احترقت بداياتهم، فأنارت نهاياتهم، وكانوا بين البداية والنهاية مُستقيمين، موحِّدين، مُتسنين، وكذا كان مَن بعدهم ممن تبعهم بإحسان، والوعدُ قائم إلى يوم الدين للذين آمنوا وعملوا الصالحات.
«لا يزال الأمر إلى قيام الساعة، مهما قاموا بالإيمان والعلم الصالح فلابد أن يُوجد ما وعدهم الله، وإنما يُسلَّط عليهم الكفار والمنافقون ويُزَالُوا عليهم في بعض الأحيان؛ بسبب إخلال المسلمين بالإيمان والعمل الصالح». اهـ
وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ -التمكين والسَّلْطَنَة التامة لكم يا معشرَ المسلمين- فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ الذين خرجوا عن طاعة الله وفسقوا؛ فلم يُصلِحوا الصالح، ولم يكن فيهم أهلية للخير؛ لأن الذي يترك الإيمان في حال عِزه وقهره وعدم وجود الأسباب المانعة منه يدل على فساد نيته وخبث طَويته؛ لأنه لا داعي له لترك الدين إلا ذلك، إلا خبث النية وسوء الطَّوِية!!
تأمل كيف مكَّن الله -رب العالمين- للنبيين ممن أعلى الله -رب العالمين- شأنهم ورفع ذكرهم دنيا وآخرة، ﴿وَقَالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: 54-57]
هذا التمكين الذي مكّنه الله -رب العالمين- ليوسف كان لتحقيق التوحيد والعبودية لله -رب العالمين- وحده، حيث قال -تعالى ذِكره- على لسان يوسف -عليه السلام-: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْم لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْء ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان إِنِ الحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 37-40]
دعوةٌ للتوحيد وإخلاص العبودية لله مع العمل الصالح يُمكِّن الله -رب العالمين- في الأرض.
ما تخرجَ جماعة -أنْ يخرجَ قومٌ- ليس لهم معتقد صحيح، ومَن كان منهم منتسبًا إلى السلف والسنة، فهو على طريقة الخوارج ومذهبهم، فهم كلاب النار، قتلاهم شر قتلى تحت أديم السماء، وخيرُ قتيل مَن قتلوه، يقول رسول الله: «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَاد»!! وقضى ربُّكَ -وفي الحديث مقالٌ- أنه لا يطلع منهم قرن إلا قُطع.
هذا موسى -عليه السلام- قال له ربه: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 13-14].
وقال -تعالى- على إرادة تمكينه وقومِه ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: 5-6].
ثم بيَّن موسى لقومه سببَ التمكين، فقال: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 128-129].
إلى أنْ قال -تعالى-: ﴿وَأَوْرَثْنَا القَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: 137]
بِمَا صَبَرُوا: على تحقيق التوحيد، بالصبر على البلاء، والتمسك بالعروة الوثقى، كما قال القرطبي في تفسيره: «بصبرهم على أذى فرعون وعلى أمر الله بعد إذ آمنوا بموسى -عليه السلام-». اهـ
والنبي-صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- كما في الحديث الذي رواه أحمدٌ، والبيهقي في السنن، وقال الهيتمي في المجمع: رجاله ثقات -وهو كما قال- من حديث رَبِيعَةَ بن عَبَّاد، قال: قال رسولُ الله -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تُفْلِحُوا».
فما رأيتُ أحدًا يقول شيئًا..
لا يسكت، يقول: أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تُفْلِحُوا.
فما رأيتُ أحدًا يقول شيئًا..
لا يسكت!! ويدعو إلى التوحيد، إلى توحيد الله -رب العالمين.
سَلُوهُم: مَن منهم يعرف معنى لا إله إلا الله؟!!
مَن منهم يعرف شروطها؟!!
مَن منهم يعرف مقتضاها -حتى يعمل بمعناها-؟!!
مَن منهم لا يأتي بناقض من نواقضها؟!!
سَلُوهُم: عن عقيدتهم في الأسماء والصفات؟!!
سَلُوهُم: عن عقيدتهم في القضاء والقدر؟
سَلُوهُم: عن عقيدتهم في القرآن؟!!
سَلُوهُم: عن عقيدتهم في أصحاب رسول الله، وأمهات المؤمنين؟!!
سَلُوهُم إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ!! ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْم عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 105-106]
يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ الذين قاموا بالمأمورات، واجتبنوا المنهيات؛ فهم الذين يُورِثهم الله الجنات، كقول أهل الجنة: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: 74]
وقد يكون المراد الاستخلافَ في الأرض، وأن الصالحين يُمَكِّنُ الله لهم في الأرض، ويُوَلِّيهم عليها، كقوله -تعالى-: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [النور: 55].
إذن لا يتحقق التمكينُ في الأرض، والاستخلافُ فيها، وتحصيلُ الأمن من بعد الخوف إلا بالإيمان والعمل الصالح، واللهُ -جل وعلا- جعل ذلك من السنن الكونية، كما أنه من السنن الشرعية؛ فهو قضاء شرعي كوني، مَن أتى بالإيمان والعمل الصالح استخلفه الله في الأرض، ومكَّن له فيها، وأبدله من بعد الخوف أمنًا يعبد الله وحده لا يُشرك به شيئًا.
وفي حديث العِرباض -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَة ضَلَالَةٌ». رواه أحمد، وغيره بسند صحيح.
إذن بيّن لنا رسول الله -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- أن ما ينبغي علينا عند الاختلاف أن نتمسك بسنته، وسنته في هي هذا الموضع وأشباهه: طريقته، ودينه، وهديه، وما جاء به.
ليست السنة هاهنا بالمعنى الاصطلاحي الحادث، وإنما هي السنة في لسان رسول الله.
دِينه: من عقيدة، وعبادة، ومعاملة، وأخلاق، وسلوك، مَن تمسك بذلك، وعَضَّ عليه بالنواجذ، وقاه الله -رب العالمين- من الاختلاف وشره.
وإذا تمسكت الأمة به جمع الله -رب العالمين- شملَها، وأعلى كعبها، وأنار دربها، ووضح سبيلها، استقامت خُطَاها على الصراط المستقيم.
هذا الذي مَرَّ كلُّه إنما هو من المقدمة الثانية؛ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾، يعني: أمرَ رسول الله-صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- وسبيله، ومنهاجه، وطريقته، وسنته، وشريعته، ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾، في قلوبهم بكفر، أو نفاق، أو بدعة، ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، في الدنيا بقتل، أو حَدّ، حَبْس، أو نحو ذلك.
ما عند الله -جل وعلا- لا يُنال إلا بطاعته، فإذا أردنا ذلك فعلينا بالأخذ بذلك.
وعليه، هذا الأجيل -لأنه لم يتربَّ على هذا الأصل الأصيل- لا يُمْكِنُ أن يكون جيلَ النصر المنشود، هذا وَهْمُ واهِم أو خداعُ خادِع مخادِع.
والذين يُقِيم الله -رب العالمين- بهم الشريعة، ويُعلي بهم منار الملة، هم مَن انغمسوا في هذه الشريعة ظاهرًا وباطنًا، وأقاموها على أنفسهم أولاً وآخرًا، وهم الذين تحققوا بهذه الملة ظاهرًا وباطنًا: اعتقادًا، وعملاً، ودعوةً، وسلوكًا، ومنهاجًا.
وعلينا ألا نغامر كالصبية تجرفهم الأمواج حتى إذا وقعوا في عين اللُّجَّة وثَغَرَ لهم البحرُ بالموتِ بقبره المائيّ نادَوا وَلَاتَ حِينَ مَنَاص بالنجاة.. ولا نجاة!
علينا أن نتوقى الفتن، وأن نخشى الفوضى أن تقع في هذه الأمة بأيدينا نحن..
وكان العدو -قديمًا- إذا أتى بحدِّه وحديده، وقَضِّه وقَضِيضِه، وأتى بسلاحه وعَتادِه، وجُنده وأجناده، توحدتِ الأمة في وجهه، فصار يجنِّد من أبناء الأمة مَن يكون عدوًا لها في دينها وعقيدتها، في شرفها وعزتها؛ لينخر في عظامها حتى تتهاوى أركانها، وإلى الله المشتكى، وهو المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
إنّ النظام الإسلامي يقوم على هذه القاعدة، وهي: «وجودُ كبير يُطاع في غير معصية»، وقد أرادوا هدمها، وبلغوا من ذلك المبالغ! وحطَّموا الرموز حتى اجترأ الصغار، واشرئبت أعناقٌ هي من الذلة بالمكان السحيق، ووهِم أقوامٌ أن الناس كلهم سواسية كأسنان المُشْط -لا من حيث التكليفُ، ولا من حيث الحقوق والواجبات، ولا من حيث الخِلقةُ في أصلها- من حيث لا يفخر أحدٌ على أحد، وحتى لا يرتفع أحدٌ على أحد، فحسبوا أن ذلك في كل شيء!!
فلم يَصِر لكبير من الاحترام شيء، ولم يصر لعزيز من العزة شيء، وخرج الأذلاءُ والحقراءُ والمَفْلُوكُون الصَّعَالِيك.. خرجوا يعتدوا على الحُرمات، وليتطالوا على القمم التي مايزَ الله -رب العالمين- بها الناسَ بعضهم على بعض؛ فلم يجعلهم ربك سواء!! رفع بعضهم على بعض درجات، وجعل الله -رب العالمين- لهذه الرفعة أسبابًا..
لم يسوِّ بين العالِم والجاهل، ولا بين الشجاع والجبان، ولا بين المنفِق الجَواد والمُمسِك البخيل.
لم يجعل صاحبَ القيمة تتألق في قلبه حفاظًا وحفظًا وعفافًا وشرفًا كالمُسِف الذليل الذي يتقمم في كل زبالات الأقوام لا يبالي!!
إنما مايزَ الله -رب العالمين- الناسَ بعضهم من بعض، لا يَصلحُ الناس فوضى لا سَرَاةَ لهم، ولا صلاح إذا جهلاؤهم ساهبوا.
مايزَ الله -رب العالمين- الخلقَ، فأتى هؤلاء ليدوسوا بالأقدام النجسة والأحذية النجسة قممًا ترتفع بالحق، لا وقار لرجل من أهل العلم، ولا حفاظ لأحد من أهل الفضل والبذل، ولا حَسَب ولا نسب، ولا شرف، ولا عفة، ولا قيمة، وصارت الرؤوس سواء، كيف يصلح مجتمع بهذه الصورة؟!!
هذا ما أرادوه، أن يهدموا الأصل الذي يقوم عليه النظام الإسلامي في كل مكان.
في مؤسسة الأسرة: لابد من كبير يُطاع في غير معصية، فإذا هُدم هذا الأصل في الأسرة تفككت وتفسخت وصارت إلى العهر والعار واستجلبت الفقرَ والشَّنَار.
في مؤسسة الدراسة: في فصولها ومجالسها، في المدارس والمعاهد والجامعات إذا لم يكن هنالك كبير يطاع في غير معصية انهارت المؤسسة التعليمية.
وكذلك الشأن في كل أمر من الأمور، إلى رأس الدولة الذي قال فيه رسول الله: «مَن أهان سلطانَ الله في الأرض أهانه الله». والحديثُ ثابتٌ عن الرسول-صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-.
أسأل الله جلت قدرته وتقدست أسماؤه إذا أراد بالناس فتنةً أن يقبضنا إليه غير فاتنين ولا مفتونين، وأن يجعلنا جميعًا من أهل التوحيد والاتباع، وأن يثبتنا على ذلك حتى نلقى وجه ربنا الكريم غير خزايا و لا محزونين ولا مُغيِّرين ولا مُبدِّلين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له هو يتولَّى الصالحينَ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ صلَّى اللـهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ صلاةً وسلامًا دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أمّا بعدُ:
فالآن عَوْدٌ بحول الله وقوته بعد هاتين المقدمتين إلى السؤال الذي يتردد وهو: ماذا أنتم فاعلون يا أهل السنة إن وُلي عليكم بعض الذين تبدِّعون جماعتهم وتنتقدون في الاعتقاد مسالكهم وتقوِّمون ما اعْوَج من منهاهجهم؟!
والجوابُ -كما مَرَّ من وجهين-: مُجْمَل ومُفَصَّل.
فأما المُجْمَلُ، فهو: أن أهل السنة ليسوا بدعاة فتنة، ولا بمثيري محنة؛ لأن منهاج النبوة الذي يتبعونه لم يدع لأحد منهم -في مثل هذه الأمور- رأيًا لضبطه لقواعدها وإحكامه لبنيانها، فهم يعطون الحكام الذي لهم، ويسألون الله حقوقهم.
وأهلُ السنة لا يعرفون التظاهرَ، ولا الاعتصامَ، ولا العصيانَ المدني، ولا التشهيرَ بالحكام، وإنما يعطون الحكام الذي لهم من السمع والطاعة في غير معصية، ويسألو ن الله –تعالى- الذي لهم من الحقوق إنْ استأثرَ حكامُهم بها دونهم.
فالجوابُ المُجْمَل، واتباع منهاج النبوة ومنهج السلف مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقواعده وضوابطه، ومن غير إفراط ولا تفريط، ومن غير غُلو ولا جفاء، مع الدعوة إلى التوحيد والاتباع، مع الإيمان والعمل الصالح، وبيان الحق وإنكار المنكر والشر.
الجوابُ المُفَصَّل: الآن يَعْقُبُ الجوابَ المجملَ، يفصِّله ويبيِّنه، ويظهر هذا بالتأمل في مسالك الأئمة من أهل السنة في هذا الأمر الجَلل مع ما وقع من المخالفات العظيمة والآثام الجثيمة..
الإمامُ أحمد مَرَّ عليه المأمونُ -وكان مُعْتَزِليًّا جَلْدًا- والمعتصمُ -وكان كسلفه- والواثقُ -وكان جهميًا متعصبًا لمنهج الجهم وعقيدته معتزليًا محترقًا-.
كان الواثق آخِذًا بمذهب الاعتزال حتى النخاغ، وكان جهيمًا جلدًا، وكان يدعو إلى تعطيل ربنا -جل وعلا- عن صفاته، وكان يدعو إلى (خلق القرآن) بحدِّ السيف، حتى إنه قتل بيده أحمد بن نصر -رحمه الله- يتقرب بقتله -بزعمه- إلى الله!!
أحمدُ بن نصر ذو الجَنان واللسان والثبات، وإن اضطرب المُهَنَّدُ والسِّنَان، وإن ملأت نار الفتنة كل مكان، كان شيخًا جليلاً قوَّالاً بالحق، آمَّارًا بالمعروف، نَهَّاءًا عن المنكر، وكان من أولاد الأمراء وكانت محنته على يد الواثق..
قال له الواثق: ما تقول في القرآن؟
قال : كلام الله، وأصر على ذلك غير مُتَلَعْثِم.
فقال بعضُ الحاضرين: هو حُلال الدم!!، وقال ابن أبي دؤاد: يا أميرَ المؤمنين، شيخٌ مُخْتَل، لعل به عاهةً، أو تغير عقلُه، يُؤخَّر أمره ويُستتاب.
فقال الواثق: ما أُرَاه إلا مُؤديًا لكفره، قائمًا بما يعتقد منه، ثم دعا بالصَّمْصَامَة، وقال: إذا قمتُ إليه فلا يقومنّ أحدٌ معي؛ فإن أحتسب خُطاي إلى هذا الكافر!! الذي يعبد ربًا لا نعبده، ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها.
ثم أمر بالنِّطْع فَأُجلس عليه أحمد بن نصر -وهو مقيَّد- وأمر بأن يُشد رأسه بحبل، وأمرهم أن يمدوه، ومشا إليه، وضرب عنقه، وأمر بحمل رأسه إلى بغداد، فنُصبت بالجانب الشرقي أيامًا وفي الجانب الغربي أيامًا.
وعُلِّق في أُذُن أحمد بن نصر رقعةٌ فيها: هذا رأس الكافر المشرِك الضال أحمدَ بن نصر ممن قُتل على يدي عبدالله هارون الإمام الواثقِ بالله أمير المؤمنين، بعد أن أقام عليه الحجة في خلق القرآن، ونفي التشبيه، وعرض عليه التوبة، ومكّنه من الرجوع إلى الحق فأبى إلا المعاندة والتصريح، فالحمد لله الذي عجّله إلى ناره وأليم عقابه بالكفر، فاستحل بذلك أمير المؤمنين دمه ولعنه.
كان أحمد بن حنبل وكذا أحمد بن نصر من أكابر العلماء العاملين وممن كان قائمًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، لم يزل رأس أحمد بن نصر منصوبًا ببغداد من يوم الخميس الثامن والعشرين من شعبان من سنة إحدى وثلاثين ومائتين إلى بعد يوم الفطر بيوم أو يومين من سنة سبع وثلاثين ومائتين، فَجُمِعَ بين رأسه وجثته، ودُفن بالجانب الشرقي من بغداد بالمقبرة المعروفة بالمالكية -رحمه الله-.
ضُرب في المحنة محمد بن نوح، ونُعَيْم بن حماد، وقد مات نُعَيْمٌ في السجن مقيدًا!!، ولما أرسل الواثقُ نائبه من أجل فداء أسرى المسلمين بأسرى الروم كان هؤلاء وهؤلاء كلٌّ على جانب من جسر، والمبادلة تقع فوق الجسر، فقال الواثق لنائبه: إذا جاء الأسير من المسلمين من عند الروم وأنتَ تقدِّم الأسير الرومي في المقابل، فاختبر مَن قُدِّمَ لك من المسلمين، قل له: القرآن مخلوق؟ فإن قال: نعم فَفَادِه، وإلا فأرجعه إلى الروم لا حاجةَ لنا فيه!!
هذه عقيدته يمتحن بها حتى الأسرى المساكين!! ويُرجِعهم لأنهم كفار عنده وفي عقيدته ونِحْلَتِه، يُرجِعهم إلى الروم مرة أخرى ولا يُفاديهم.
هذه بدعة صَلْعَاءُ شَنْعَاء عمياء صَمَّاء، لا مستندَ لها من كتاب ولا سنة، ولا من عقل صحيح، بل الكتاب والسنة والعقل الصحيح بخلافها.
العلماء الذين امتنعوا عن القول بخلق القرآن لم ينزعوا يدًا من طاعة، وحاربوا الجهمية الذين كان حكامهم على عقيدتهم، ليس هذا من الخروج في شيء!!
فإذا جاءكم إخواني حاكمًا فحاربوا عقيدةَ الإخوان المسلمين وزيفوها عند المسلمين، وبيِّنوا عُوَارَها للمسلمين، ولا تنزعوا يدًا من طاعة كما فعل أئمتكم من السابقين كالإمام أحمد -رحمه الله- رحمةً واسعةً.
فإنه وقع ما وقع له ولغيره من العلماء في عصره من المأمون والمعتصم والواثق، ومن الواثق خاصة، وجاءه الفقهاء ليآمِرُوه على الخروج عليه، فنهاهم وهو يكتب في الوقت عينه: (الردُّ على الجهمية)، وكذا يفعل ولده وتلاميذه يحاربون معتقَد الحاكمِ، ولا ينزعون يدًا من طاعة.
فنهاهم عن الخروج عليه، وأن ينزِعوا يدًا من طاعة؛ لأنه على منهج السلف، لا يحيد عنه قِيدَ أُنْمُلَة، ولكنه يبين الحق، ويوضِّح المعتقد الصحيح، ولا يتعرض للحاكم على المنابر بالنقد، ولا في المجامع، ولا يُشهِّر بسياساته.
وإنما يتكلم عن العقيدة وإن امتحنها مَن امتحنها ممن يحكمهم، ولا يُعَد هذا خروجًا كما فعل الأئمة: أحمد بن حنبل، وأحمد بن نصر، ونعيم بن حماد، ومحمد بن نوح، والبُوَيْطِيّ وغيرُهم من الأئمة فَعَلَ فِعْلَهم: لم ينزعوا يدًا من طاعة، ولكن بينوا العقيدة الصحيحة، وبينوا العقيدة الطالحة الفاسدة، يأمرون بالاتباع للحق، وينهون عن متابعة الباطل والزَّيْف.
وكذا فعل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، كان بِيبَرْسُ (الجَاشَنْكِير)، وكان الحاكمَ الزمني في وقته -في بعض وقته- وكان قد قفز على السلطة، وصار متغلِّبًا، ولم يدعُ شيخ الإسلام للخروج عليه، وإنما يسمع ويطيع بغير معصية.
وأما معتقَد بِيبَرْس (الجَاشَنْكِير) فكان معتقَدَ شيخه نَصْر المَنْبِجِيّ، وكان حُلوليًا اتحادِيًا!! فكتب شيخ الإسلام ما كتب من الرد على الحلولية وعلى الاتحادية، وبيّنَ منهج أهل السنة والجماعة في هذا الأمر العظيم، ولم يكن ذلك خروجًا بحال.
بل إنه لما وُشِيَ به عند الناصر بن قلاوون وكان الناصر له محبًا وقضى الله وقدّر، ولا يُدفع قضاؤه ولا يُرد قدره أن يتغيرَ قلب الناصرعلى شيخ الإسلام، مع أنه كان يلقاه من بعيد ويمشي إليه ويجلس معه وقد تساوت الرأس بالرأس في ظاهر الأمر والشيخ -رحمه الله- تعالى يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر ويعرف قصده..
لما وقعت الوحشة، ووُشي بالشيخ عنده، واستدعاه فسأله فقال: بلغني أنك تُعد العُدَّة، وتُجَيِّش العامة؛ للخروج عليّ من أجل الملك.
قال: أنا؟!! والله إن مُلكك ومُلكَ المُغْلِ -يعني المَغُول، يعني التتار- لا يساوي عندي فَلْسَيْن!!، أنا رجل مِلة، لستُ برجل دولة.
كان يعلم أن قصده هذا، ولكنه أراد أن يطمئن قلبه فسأله، ثم وقع بعد ذلك ما وقع: لما نهى شيخَ الإسلام عن الفتوى بأمر رأى الشيخُ أنه يلزمه أن يبين الحق فيه، فأمر بحبسه، ولم ينزع هو -رحمة الله عليه- يدًا من طاعة في المعروف؛ فإنْ أمر بمعصية فلا طاعة ولا سمع، إنما الطاعةُ في المعروف، وتبين الحق للناس.
ولمَ لا تبينه وقد بينه غيرُكَ ممن كان قريبًا منهم، وممن كان معهم، وممن كان يطمعُ أن يكون في أعلى مناصبهم؟!
فهذا محمد الغزالي يقول بعد أن ابتعد عنهم وأخرج ما كان في قلبه، قال: «إن قيادة الإخوان الآن -كتب ذلك أيام حسن الهُضَيْبِيّ- حريصةٌ على الأوضا ع الغامضة والقرارات المريبة الجائرة، ثم هي مسئولة من قَبل ومن بعد عن الخسائر التي أصابت الحركة الإسلامية في هذا العصر».
هذا كلام الغزاليّ وهو من أهل البيت! وأهلُ البيت أدرى بمن فيه، قال: «وهم مسئولون عن التهم الشنيعة التي تُوجَّه للإسلام من خصومه المتربصين؛ فقد صوَّرته نَزْوَة فرد متحكِّم، كما صوَّرت هيئة الإخوان المسلمين وكأنها حزب من الأحزاب المنحلة تسودها الدسائس وتُسيِّرها الأهواء».
يقول: «إن الذين يحسبون أنفسهم جماعةَ المسلمين يرون مخالفة الأستاذ حسن الهضيبي ضربًا من مخالفة الله ورسوله!! وطريقًا ممهدةً إلى النار وبئس القرار».
يقول: «وكنتُ أسير مع زميلي الأستاذ سيِّد سابق قريبًا من شعبة المَنْيَل، فمرَّ بنا اثنان من أولئك الشبان المفتونين، وأبيا إلا إسماعَنا رأيهم فينا، وهو أننا من أهل جهنم!!.
وصادفَ ذلك منا ساعةَ تبسُّط وضَحِك، فمضينا في طريقنا وقد سقط طَنِين الكلمة النَّابية على الثَّرَى قبل أن يتماسكَ في آذاننا، إلا أنني تذكرتُ بعد أيام هذا العداءَ المر والأوامر التي أوحت به، فَعَزَّ عليّ أن يُلْعَبَ بالإسلام وأبنائه بهذه الطريقة السمجة، وأن تتجدد سياسة الخوارج مرةً أخرى، فيُلعَن أهل الإيمان ويُترك أهل الطغيان». اهـ
انتهى كلامُه، غفر الله له، وهو من أهل الخبرة في الشأن والمعرفة.
والآنَ يُمْكِنُ أن تسأل: لماذا تحرص الإدارة الأمريكية -الآن- على إلقاء مقادة الأمر ولمّا يتبين بعدُ في أيدي الجماعةِ؟! وتخرج المرأة الناطقة باسم الإدارة خارجية! وقد أهملت في الرجل!! وكان الأولى بها والأحرى أن تُوليه بعضَ الاهتمام حتى لا تشيعَ الفضائحُ هنا وهناك!! ولكنها تخرج لتقل: يجبُ، ولا يجب!!
ما لهؤلاء بنا، ولشئوننا وديننا؟!!
كأن الاستقطابَ الواقع سيكون فيه القتلُ على اسم الله وباسم الله!! لأن الاستقطابَ الواقعَ سيقسِّمُ مصرَ إلى فِسطاطين: فِسطاط كفر، وفسطاط إيمان.
فمَن كان هاهنا فهو من أهل الإيمان الصحيح، ومَن كان هنالك فهو من أهل الكفر الصريح!! فدمه حلال!! وعرضه مباح!! وماله غنيمة!! ونساؤه كذلك من السبايا!! لأقوام لم يتعلموا ولم يتربوا على ما جاء به محمد -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
إنّ قادة الإخوان الذين ذهبوا للعزاء في الأمير نايف بن عبدالعزيز -رحمه الله- نسوا أنه قال فيهم: «مشكلاتنا كلها جاءت من الإخوان المسلمين، لقد تحملنا الكثيرَ منهم، ولسنا وحدنا الذين تحملنا منهم الكثير».
قال الأمير نايف -رحمه الله-: «إنهم سببُ المشاكل في عالمنا العربي وربما في عالمنا الإسلامي، حزبُ الإخوان المسلمين دمَّر العالم العربيّ».
هذا كلامه -رحمه الله- تجده في جريدة السياسة الكويتية في العدد الصادر في اليوم الخامس والعشرين من شهر نوفمبر في السنة الثانية بعد الألفين من التاريخ الصليبيّ.
فطريقةُ أهل السنة والجماعة أنهم لا ينزعون يدًا من طاعة، يسمعون ويطيعون في المعروف، فإذا أُمروا بمعصية فلا سمع ولا طاعة، وكأئمتهم يبينون العقيدة الصحيحة وإن انتحلَ العقيدة الباطلة مَن انتحلَ!!
ولا يُعد هذا خروجًا ولا شيء كما فعل الإمامُ أحمد، وكما فعل أحمدُ بن نصر، ومحمد بن نوح، وأبو نعيم، وكما فعل البويطي، وغيرُهم من الأئمة العظام الذين كانوا على مذهب السلف ومنهجهم وعلى منهاج النبوة، يسمعون ويطيعون ولا ينزعون يدًا من طاعة في المعروف.
وكما فعلَ مَن بعدهم إلى يوم الناس هذا، وكما فعل شيخ الإسلام -رحمه الله- يبين عقيدة الاتحادية وزيفها وزَغَلَها، ويدعو إلى الحق والعقيدة الصحيحة، وإن انتحل العقيدة الباطلة.
بيبرسُ (الجاشنكير) وكان على رأس السلطة الزمنية، وعلى مذهب شيخه نصر المَنْبِجِيّ الحلولي الاتحادي!!
فافهموا الحق يا أهل السنة، وأجركم على الله، واعلموا أن مَن قتله الحق قُتل شهيدًا، ومَن نطق به فعاش عاش حميدًا.
واللهَ أسألُ إذا ما تورط أحدٌ في دماء أهل السنة أن يجعل دماء أهل السنة لعنةً عليهم، وعلى أعقابهم إلى يوم القيامة، وأن يجعلها عليهم حسرةً وندامة يوم القيامة، إنه تعالى على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.



وفرَّغه/
أبو عبدالرحمن حمدي آل زيد المصريّ
5 من شعبان 1433هـ، الموافق 25-6-2012 م































































































































































































الساعة الآن 02:39 مساء