حياكم الله زائرنا الكريم في شبكة الربانيون العلمية، إذا كنت قد اشتركت معنا سابقًا فيمكنك تسجيل الدخول بالضغط هنا، وإذا لم تسجل عضوية من قبل فيمكنك إنشاء حساب جديد بالضغط هنا، تقبل الله منا ومنكم.




07-12-2011 04:48 مساء
مشاهدة مشاركة منفردة [0]
أبو عمر عادل سري
rating
معلومات الكاتب â–¼
تاريخ الإنضمام : 08-03-2011
المشاركات : 113
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif إنباء أبناء العصر بشطحات كتاب الصوفية والسياسة في مصر
وبالجملة :
فالميت قد انقطع عمله، فهو محتاج إلى من يدعو له ويشفع له. ولهذا شرع فى الصلاة عليه من الدعاء له، وجوباً واستحباباً، ما لم يشرع مثله فى الدعاء للحى.
قال عوف بن مالك : " صَلّى رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عليْهِ وسّلَم عَلَى جَنَازَة، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِه وَهُوَ يَقُولُ : " اللّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحمهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأكْرِمْ نُزُلَهُ وَوَسعْ مَدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ، وَنَقهِ مِنَ الْخَطَايَا كما نَقّيْتَ الثَّوْبَ الأبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلاً خَيْرًا مِنْ أهْلِه، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ. وَأَدْخِلْهُ الجنة، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، أوْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ. حتى تمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا المَيتُ، لِدُعَاءِ رَسُولِ اللهِ صلّى الله تَعَالَى عليهِ وآلهِ وسلم عَلَى ذلِكَ المَيتِ" رواه مسلم .
وقال أبو هريرة رضى الله تعالى عنه : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول فى صلاته على الجنازة : " الّلهُمَّ أَنْتَ رَبُّهَا، وَأَنْتَ خَلَقْتَهَا وَأنْتَ هَدَيْتَهَا لِلإِسْلاَمِ، وَأنْتَ قَبَضْتَ روُحَهَا وَأنْتَ أعْلَمُ بِسِرهَا وَعَلانِيَتِهَا جِئْنَا شُفَعَاءَ فَاغْفِرْ لَهُ" رواه الإمام أحمد .
وفي "سنن أبي داود" عن أبى هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال : " إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الميت فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ " .
وقالت عائشة، وأنس عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : " مَا مِنْ مَيت يُصَلى عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ، إلاّ شفعوا فِيهِ ".
وعن ابن عباس رضى الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول : " ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً، لا يشركون بالله شيئاً، إلا شفعهم الله فيه" رواه مسلم.
فهذا مقصود الصلاة على الميت، وهو الدعاء له والاستغفار، والشفاعة فيه.
ومعلوم أنه فى قبره أشد حاجة منه على نعشه. فإنه حينئذ معرَّض للسؤال وغيره.
وقد كان النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقف على القبر بعد الدفن فيقول : " سَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ " .
فعلم أنه أحوج إلى الدعاء له بعد الدفن، فإذا كنا على جنازته ندعو له، لا ندعو به، ونشفع له، لا نشفع به. فبعد الدفن أولى وأحرى
فبدّل أهل البدع والشرك قولاً غير الذى قيل لهم : بدّلوا الدعاء له بدعائه نفسه، والشفاعة له بالاستشفاع به . وقصدوا بالزيارة التى شرعها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إحساناً إلى الميت وإحساناً إلى الزائر، وتذكيراً بالآخرة. سؤال الميت، والإقسام به على الله، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذى هو مخ العبادة، وحضور القلب عندها، وخشوعه أعظم منه فى المساجد، وأوقات الأسحار.
ومن المحال أن يكون دعاء الموتى، أو الدعاء بهم، أو الدعاء عندهم، مشروعاً وعملاً صالحاً، ويصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ثم يرزقه الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون.
فهذه سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى أهل القبور بضعاً وعشرين سنة، حتى توفاه الله تعالى .
وهذه سنة خلفائه الراشدين .
وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان .
هل يمكن بشر على وجه الأرض أن يأتى عن أحد منهم بنقل صحيح، أو حسن، أو ضعيف، أو منقطع : أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسحوا بها، فضلا أن يصلوا عندها، أو يسألوا الله بأصحابها، أو يسألوهم حوائجهم.
فليوقفوا على أثر واحد ، أو حرف واحد في ذلك .
بلى، يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف التى خلفت بعدهم بكثير من ذلك، وكلما تأخر الزمان وطال العهد، كان ذلك أكثر .
حتى لقد وجد فى ذلك عدة مصنفات ليس فيها عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ولا عن خلفائه الراشدين، ولا عن أصحابه حرف واحد من ذلك، بلى فيها من خلاف ذلك كثير كما قدمناه من الأحاديث المرفوعة.
وأما آثار الصحابة فأكثر من أن يحاط بها .
وقد ذكرنا إنكار عمر رضى الله عنه على أنس رضى الله عنه صلاته عند القبر . وقوله له : القبر، القبر.
وقد ذكر محمد بن إسحاق فى مغازيه من زيادات يونس بن بكير عن أبى خلدة خالد بن دينار قال: حدثنا أبو العالية قال : " لما فتحنا تستر وجدنا فى بيت مال الهرمزان سريرا عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف له، فأخذنا المصحف، فحملناه إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه فدعا له كعباً، فنسخه بالعربية. فأنا أول رجل من العرب قرأه، قرأته مثل ما أقرأ القرآن. فقلت لأبى العالية : ما كان فيه ؟ قال سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم. وما هو كائن بعد. قلت : فما صنعتم بالرجل ؟
قال : حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرقة، فلما كان الليل دفناه وسوينا القبور كلها، لنعميه على الناس لا ينبشونه.
فقلت : وما يرجون منه ؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم أبرزوا السرير فيمطرون. فقلت من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: دانيال، فقلت: مُذْ كم وجدتموه مات؟ قال: مذ ثلاثمائة سنة، قلت: ما كان تغير منه شىء؟ قال: لا، إلا شعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض، ولا تأكلها السباع "
ففى هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره لئلا يفتتن به الناس، ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به، ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف، ولعبدوه من دون الله .
فهم قد اتخذوا من القبور أوثانا من لا يدانى هذا ولا يقاربه، وأقاموا لها سدنة، وجعلوها معابد أعظم من المساجد.
فلو كان الدعاء عند القبور والصلاة عندها والتبرك بها فضيلة أو سنة أو مباحاً، لنصب المهاجرون والأنصار هذا القبر علما لذلك، ودعوا عنده، وسنوا ذلك لمن بعدهم ولكن كانوا أعلم بالله ورسوله ودينه من الخلوف التى خلفت بعدهم .
وكذلك التابعون لهم بإحسان راحوا على هذا السبيل، وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم بالأمصار عدد كثير، وهم متوافرون. فما منهم من استغاث عند قبر صاحب، ولا دعاه، ولا دعا به، ولا دعا عنده، ولا استشفى به، ولا استسقى به، ولا استنصر به، ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعى على نقله، بل على نقل ما هو دونه.
وحينئذ، فلا يخلو :
إما أن يكون الدعاء عندها والدعاء بأربابها أفضل منه فى غير تلك البقعة، أو لا يكون .
فإن كان أفضل ؟
فكيف خفى علما وعملا على الصحابة والتابعين وتابعيهم ؟ فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة بهذا الفضل العظيم، وتظفر به الخلوف علما وعملاً ؟ ولا يجوز أن يعلموه ويزهدوا فيه، مع حرصهم على كل خير لا سيما الدعاء، فإن المضطر يتشبث بكل سبب.
وإن كان فيه كراهة ما، فكيف يكونون مضطرين فى كثير من الدعاء، وهم يعلمون فضل الدعاء عند القبور، ثم لا يقصدونه ؟
هذا محال طبعاً وشرعاً.
فتعين القسم الآخر : وهو أنه لا فضل للدعاء عندها، ولا هو مشروع، ولا مأذون فيه بقصد الخصوص، بل تخصيصها بالدعاء عندها ذريعة إلى ما تقدم من المفاسد.
ومثل هذا مما لا يشرعه الله ورسوله البتة، بل استحباب الدعاء عندها شرع عبادة لم يشرعها الله، ولم ينزل بها سلطاناً.
وقد أنكر الصحابة ما هو دون هذا بكثير.
فروى غير واحد عن المعرور بن سويد قال : " صليت مع عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى طريق مكة صلاة الصبح، فقرأ فيها :
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعلَ رَبُّكَ بِأَصْحابَ الْفِيلِ} [الفيل: 1] و {لإِيلاَفِ قُرَيْش} [قريش: 1].
ثم رأى الناس يذهبون مذاهب، فقال : " أين يذهب هؤلاء ؟ " فقيل: يا أمير المؤمنين، مسجد صلى فيه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فهم يصلون فيه، فقال : " إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا. كانوا يتبعون آثار أنبيائهم، ويتخذونها كنائس وبيعاً. فمن أدركته الصلاة منكم فى هذه المساجد فليصل، ومن لا فليمض، ولا يتعمدها "
وكذلك أرسل عمر رضى الله تعالى عنه أيضاً فقطع الشجرة التى بايع تحتها أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.
بل قد أنكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على الصحابة لما سألوه أن يجعل لهم شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ومتاعهم بخصوصها.
فروى "البخاري" في "صحيحه" عن أبي واقد الليثي قال : " خرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قبل حنين، ونحن حديثوا عهد بكفر، وللمشركين سدرة، يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها : ذات أنواط. فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : " اللهُ أَكْبَرُ، هذَا كما قَالَتْ بَنُو إِسْرَائيلَ: {اجْعَلَ لَنَا إِلهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف: 138] لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن كان قَبْلَكُمْ " .
فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف حولها اتخاذ إله مع الله تعالى، مع أنهم لا يعبدونها، ولا يسألونها.
فما الظن بالعكوف حول القبر، والدعاء به ودعائه، والدعاء عنده؟ فأى نسبة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر؟ لو كان أهل الشرك والبدعة يعلمون.
قال بعض أهل العلم من أصحاب مالك : فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمونها، ويرجون البرء والشفاء من قِبلها، ويضربون بها المسامير والخرق، فهى ذات أنواط، فاقطعوها.
ومن له خبرة بما بعث الله تعالى به رسوله، وبما عليه أهل الشرك والبدع اليوم فى هذا الباب وغيره، علم أن بين السلف وبين هؤلاء الخلوف من البعد أبعد مما بين المشرق والمغرب، وأنهم على شىء والسلف على شىء، كما قيل:
سَارَتْ مُشَرقَة وَسِرْتُ مُغَرباً *** شَتَّانَ بَيْـنَ مُشَرق وَمُغَربِ
والأمر والله أعظم مما ذكرنا.
وقد ذكر البخارى في "الصحيح" عن أم الدرداء رضى الله تعالى عنها قالت : "دخل عليّ أبو الدرداء مغضباً، فقلت له : مالك ؟ فقال : والله ما أعرف فيهم شيئاً من أمر محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، إلا أنهم يصلون جميعا " .
وروى مالك في "الموطأ" عن عمه أبى سهيل بن مالك عن أبيه أنه قال : "ما أعرف شيئاً مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة، يعنى الصحابة رضى الله عنهم " .
وقال الزهري : " دخلت على أنس بن مالك بدمشق، وهو يبكى، فقلت له : ما يبكيك ؟ فقال : " ما أعرف شيئاً مما أدركت إلا هذه الصلاة . وهذه الصلاة قد ضيعت" ذكره البخاري .
وفى لفظ آخر : " ما كنت أعرف شيئاً على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلا قد أنكرته اليوم "
وقال الحسن البصري : "سأل رجل أبا الدرداء رضى الله عنه فقال : رحمك الله، لو أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بين أظهرنا، هل كان ينكر شيئاً مما نحن عليه ؟ فغضب، واشتد غضبه، وقال : وهل كان يعرف شيئاً مما أنتم عليه ؟ " .
وقال المبارك بن فضالة : " صلى الحسن الجمعة وجلس، فبكى، فقيل له : ما يبكيك يا أبا سعيد ؟ فقال : " تلوموننى على البكاء، ولو أن رجلاً من المهاجرين اطلع من باب مسجدكم ما عرف شيئاً مما كان عليه على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنتم اليوم عليه إلا قبلتكم هذه " .
وهذه هى الفتنة العظمى التى قال فيها عبد الله بن مسعود رضى الله عنه : " كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير، وينشأ فيها الصغير، تجرى على الناس، يتخذونها سنة إذا غيرت قيل : غيرت السنة، أو هذا منكر " .
وهذا مما يدل على أن العمل إذا جرى على خلاف السنة فلا عبرة به ولا التفات إليه. فإن العمل قد جرى على خلاف السنة منذ زمن أبى الدرداء وأنس كما تقدم.
وذكر أبو العباس أحمد بن يحيى قال : حدثنى محمد بن عبيد بن ميمون، حدثنى عبد الله بن إسحاق الجعفرى قال : كان عبد الله بن الحسن يكثر الجلوس إلى ربيعة، قال : فتذاكروا يوماً السنن، فقال رجل كان فى المجلس : ليس العمل على هذا، فقال عبد الله : " أرأيت إن كثر الجهال، حتى يكونواً هم الحكام، فهم الحجة على السنة ؟ " فقال ربيعة : " أشهد أن هذا كلام أبناء الأنبياء"أهـ "إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان" للعلامة ابن القيم(1/201-225) ط. دار التراث

قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى : "وكان أصحابه خير القرون، وهم أعلم الأمة بسنته، وأطوع الأمة لأمره، وكانوا إذا دخلوا إلى مسجده، لا يذهب أحد منهم إلى قبره، لا من داخل الحجرة ولا من خارجها، وكانت الحجرة في زمانهم يدخل إليها من الباب إذ كانت عائشة- رضي الله عنها فيها- وبعد ذلك إلى أن بني الحائط الآخر، وهم مع هذا التمكن من الوصول إلى قبره لا يدخلون إليه؛ لا لسلام ولا لصلاة عليه ولا لدعاء لأنفسهم ولا لسؤال عن حديث أو علم .
ولا كان الشيطان يطمع فيهم حتى يسمعهم كلاماً أو سلاماً فيظنون أنه هو كلمهم وأفتاهم وبين لهم الأحاديث، أو أنه قد رد عليهم السلام بصوت يسمع من خارج كما طمع الشيطان في غيرهم فأضلهم عند قبره وقبر غيره حتى ظنوا أن صاحب القبر يحثهم ويفتيهم ويأمرهم وينهاهم في الظاهر وأنه يخرج من القبر ويرونه خارجاً من القبر ويظنون أن نفس أبدان الموتى خرجت من القبر تكلمهم وأن روح الميت تجسدت لهم فرأوها كما رآهم النبي- صلى الله عليه وسلم-ليلة الإسراء يقظة لا مناما
والمقصود : أن الصحابة-رضوان الله عليهم- لم يطمع الشيطان أن يضلهم كما أضل غيرهم من أهل البدع الذين تأولوا القرآن على غير تأويله، أو جهلوا السنة، أو رأوا وسمعوا أموراً من الخوارق فظنوها من جنس آيات الأنبياء والصالحين وكانت من أفعال الشياطين كما أضل النصارى وأهل البدع بمثل ذلك، فمنهم من يتبعون المتشابه ويدعون المحكم، وكذلك يتبعون المتشابه من الحجج العقلية والحسية فيسمع ويرى أموراً فيظن أنه رحماني وإنما هو شيطاني ويدعون البين الحق الذي لا إجمال فيه.
وكذلك لم يطمع الشيطان أن يتمثل في صورته ويغيث من استغاث به، أو أن يحمل إليهم صوتاً يشبه صوته، لأن الذين رأوه علموا أن هذا شرك لا يحل.
ولهذا أيضاً لم يطمع فيهم أن يقول أحد منهم لأصحابه : إذا كانت لكم حاجة فتعالوا إلى قبري واستغيثوا بي لا في محياه ولا في مماته، كما جرى مثل هذا لكثير من المتأخرين.
ولا طمع الشيطان أن يأتي أحدهم فيقول : أنا رسول الله أو يخاطبه عند القبر، كما وقع لكثير ممن بعدهم عند قبره وقبر غيره، وعند غير القبور، كما وقع كثير من ذلك للمشركين وأهل الكتاب، يرون بعد الموت من يعظمونه من شيوخهم.
فأهل الهند يرون من يعظمونه من شيوخهم الكفار وغيرهم.
والنصارى يرون من يعظمونه من الأنبياء والحواريين وغيرهم
والضلال من أهل القبلة يرون من يعظمونه : إما النبي- صلى الله عليه وسلم- وإما غيره من الأنبياء يقظة ويخاطبهم ويخاطبونه وقد يستفتونه ويسألونه عن أحاديث فيجيبهم
ومنهم من يخيل إليه أن الحجرة قد انشقت وخرج منها النبي- صلى الله عليه وسلم- وعانقه هو وصاحباه.
ومنهم من يخيل إليه أنه رفع صوته بالسلام حتى وصل مسيرة أيام وإلى مكان بعيد وهذا وأمثاله أعرف ممن وقع له هذا وأشباهه عددا كثيراً
وقد حدثني بما وقع له في ذلك وبما أخبر به غيره من الصادقين من يطول هذا الموضع بذكرهم.
وهذا موجود عند خلق كثير كما هو موجود عند النصارى والمشركين، لكن كثير من الناس يكذب بهذا، وكثير منهم إذا صدق به يظن أنه من الآيات الإلهية، وأن الذي رأى ذلك رآه لصلاحه ودينه، ولم يعلم أنه من الشيطان، وأنه بحسب قلة علم الرجل يضله الشيطان
ولهذا لم يقل قط أحد من الصحابة: إن الخضر أتاه، ولا موسى ولا عيسى، ولا أنه سمع رد النبي-صلى الله عليه وسلم-عليه.
وابن عمر كان يسلم إذا قدم منسفر ولم يقل قط إنه يسمع الرد، وكذلك التابعون وتابعوهم، وإنما حدث هذا في بعض المتأخرين.
وكذلك لم يكن أحد من الصحابة- رضوان الله عليهم- يأتيه فيسأله عند القبر عن بعض ما تنازعوا فيه وأشكل عليهم من العلم، لا خلفاؤه الأربعة ولا غيرهم.
مع أنهم أخص الناس به- صلى الله عليه وسلم- حتى ابنته فاطمة- رضي الله عنها- لم يطمع الشيطان أن يقول لها : اذهبي إلى قبره فسليه هل يورث أم لا يورث.
كما أنهم أيضاً لم يطمع الشيطان فيهم أن يقول لهم اطلبوا منه أن يدعوا لكم بالمطر لما أجدبوا . ولا قال : اطلبوا منه أن يستنصر لكم . ولا أن يستغفر كما كانوا في حياته يطلبون منه أن يستسقي لهم وأن يستنصر لهم.
فلم يطمع الشيطان فيهم بعد موته- صلى الله عليه وسلم- أن يطلبوا منه ذلك . ولا طمع بذلك في القرون الثلاثة، وإنما ظهرت هذه الضلالات ممن قل علمه بالتوحيد والسنة، فأضله الشيطان كما أضل النصارى في أمور لقلة علمهم بما جاء به المسيح ومن قبله من الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم.
وكذلك لم يطمع الشيطان أن يطير بأحدهم في الهواء، ولا أن يقطع به الأرض البعيدة في مدة قريبة، كما يقع مثل هذا لكثير من المتأخرين
لكن المقصود أن يعرف أن الصحابة خير القرون وأفضل الخلق بعد الأنبياء، فما ظهر فيمن بعدهم مما يظن أنها فضيلة للمتأخرين ولم تكن فيهم فإنها من الشيطان، وهي نقيصة لا فضيلة، سواء كانت من جنس العلوم، أو من جنس العبادات، أو من جنس الخوارق والآيات، أو من جنس السياسة والملك، بل خير الناس بعدهم أتبعهم لهم
قال عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه : " من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد أبرّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم" "مجموع فتاوى شيخ الإسلام"(27/ 328-395) بتصرف يسير.

قلت : وهذا البيان الكافي الشافي جمع فيه شيخ الإسلام- رحمه الله تعالى- جملة من البيان يأتي على أركان التصوف ورأس الخرافة، بالهدم والنقض، لا بل بالنسف والتدمير، فيجعلها أثراً سيئاً بعد عين آثمة فاجرة كاذبة

هذا وقد شارك شيخَ الإسلام في الإنكار شيخُهم الغزالي أوليس هو القائل عن مس القبر وتقبيله أنه من عادة أهل الكتاب في"الإحياء" (4/419) : " إن ذلك من عادة النصارى "
قال العلامة الألباني - رحمه الله تعالى : " وقال في مكان آخر منه(1/232) : " وليس ذلك من السنة" "الآيات البينات" (93-94) المتن والحاشية بتصرف
وكذا أحمد الرفاعي حيث قال : " قال بعض صوفية خراسان : إن روحانية ابن شهريار تتصرف في ترتيب جموع الصوفية!!! ذلك لم يكن إلا لله الوهاب الفعال، إن تصرف الروح لا يصلح لمخلوق " "الكليات الأحمدية"ص (117) و"الرفاعية"ص(62)

وزيادة على ذلك فقد كان الرفاعي يرى العكوف على قبور المشايخ والتبرك بها من الوثنية، وسمى القبر في مثل هذه الحالة "صنماً"
فقال الرفاعي : " يا سادة : لا تجعلوا رواقي حرماً، ولا قبري بعد موتي صنماً، عليكم به سبحانه، لا يضر ولا ينفع ويضل ويقطع ويفرق ويجمع ويعطي ويمنع إلا هو" "البرهان المؤيد" ص(52) و"حكم الرفاعي"ص(12) و"الكليات الأحمدية"ص(115)



الساعة الآن 01:57 صباحا