شبكة الربانيون العلمية
موضوع بعنوان :حاجة الأمة إلى العلم الشرعي للعلامة زيد المدخلي
الكاتب :أبو عبد الله أحمد بن نبيل



حاجة الأمة إلى العلم الشرعي
للعلامة زيد المدخلي

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة


إِنَّ الحَمْدَ للهِ ؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ -وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ-.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران : 102].

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء : 1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأَحزاب : 70-71].
أَمَّا بَعْدُ :
فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخير الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَة بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَة ضَلاَلَة.
و َبَعْدُ :
فهذا تفريغ لمحاضرة الشيخ العلامة زيد بن محمد المدخلي – حفظه الله – أسأل الله أن ينفع بها المسلمين ، وكانت هذه المحاضرة قد ألقيت في مسجد الشيخ السدلان بمدينة الرياض عام 1423 هـ وكانت بعنوان ( حاجة الأمة إلى العلم الشرعي ) .
وكتب
عبد الله السلفي

قال العلامة زيد بن محمد المدخلي – حفظه الله - :


أحمد الله تبارك وتعالى ، وأصلي واسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .


أما بعد :


فالحمد لله على هذا اللقاء ، وهذا الاجتماع في هذا المكان الذي هو أحب البقاع إلى الله تبارك وتعالى ، لما فيه من الخير والبركة لأن الداخل في مثل هذا البيت ؛ المسجد المُعد لذكر الله - تبارك وتعالى – عموماً ، وعلى رأس الذكر الصلوات الخمس التي تقام في بيوت الله في كل يوم وليلة خمس مرات وما فيها من المنافع والفوائد التي جاءت بذكرها القرآن ونصوص السنة المطهرة ، فنحمد الله على ذلك ، ونشكره ونسأله المزيد من فضله العظيم ، فهو ذو الفضل العظيم .


والموضوع الذي دعاني الإخوة الكرام ، وعلى رأسهم إمام المسجد الشيخ صالح السدلان للحديث فيه ( حاجة الناس إلى العلم والعلماء ) ، وكل عاقل يشعر بهذه الحاجة ، ويفكر فيها ، وحقاً أنها لا تطيب الحياة ، وتزدهر المجتمعات إلا إذا وجد فيها أهل العلم الشرعي الذين يعلمونه ، ويعملون به ، ويدعون إليه ، ويصبرون على الأذى الذي ينالهم في نشره ، تطيب الحياة بوجودهم ، وتزدهر المجتمعات بوجودهم في المجتمعات ، وبدونه تظل الحياة حياة تعب ، وحياة ملؤها الجهل ، وقبل الدخول في الموضوع أحب أن أنبه على أمر مهم .


هذا الأمر هو ( بيان مصادر العلم الشرعي ) ، ومصادر العلم الشرعي معلومة عند طلاب العلم ، ولكن من باب التذكير : { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } .


مصادر العلم الشرعي


مصادر العلم الشرعي :

كتاب الله تبارك وتعالى ، وصحيح سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وما أجمع عليه من يعتد بإجماعهم عبر تاريخ الزمان والمكان .

فأم كتاب الله تبارك وتعالى ، فإن الله أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم منجماص بحسب الحوادث والوقائع في ثلاث وعشرين سنة تنزل الآيات ، وتنزل السور ؛ بل وتنزل الآية الواحدة كما في آية : { واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } . قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم : (( اجعلوها بين آية الربا وآية الدين )) . وهي آخر ما نزل من القرآن .


فكان النبي الكريم عليه الصلاة والسلام يتلقاه عن جبريل ، وجبريل عن رب العالمين ، تكلم به قولاً ، وأنزله وحياً ، وبلغه الأمين على الأمين عليهما الصلاة والسلام إلى الصحابة الكرام ، الذين بذلوا الجهود ، واهتموا به أعظم الاهتمام ، يتلقونه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال قائلهم : " كنا لا نتجاوز العشر الآيات حتى نعلم ما فيه من العلم والعمل ، فتعلمنا العلم والإيمان والعمل " .


فأتم الله تبارك وتعالى هذا الكتاب ، وقضى أن يكون ميراثاً لعالم الإنس والجن ، ميراثاً باقياً كم قال عز شأنه : { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير } . فهو الميراث الثمين ، الميراث الباقي ، الخالد النافع ، الذي من تمسك به نجا ، ورضي الله عن حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – قال : " تكفل الله لحامل القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة " عند قول الله عز وجل : { ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى } . فتعلمه الصحابة الكرام ، وتعلمه منهم من جاء بعدهم وهكذا الأجيال عن الأجيال يتعلمون هذا الكتاب العزيز ليعملوا به ويستضيئوا بنوره ، كما قال الله – تبارك وتعالى – ممتناً على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأمته تبع له في ذلك : { وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرن ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } .


وتكفل الله تبارك وتعالى بحفظه لأنه آخر كتاب أنزل على خير نبي بُعث ، تكفل الله بحفظه ، فلا يستطيع عدو من أعدائه أن يحرفه ، أو يبدله ، أو يغيره ، بقليل أو كثير كما قال عز شأنه : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } . والآية وإن كانت عامة تتناول جميع شرع الله المطهر ، من كتاب وسنة إلا أن القرآن العظيم في الدرجة الأولى ، فهو محفوظ من التغيير والتبديل ، بخلاف الكتب المتقدمة التي أنزلها الله تبارك وتعالى على رسله وحصل فيها من التغيير والتبديل ما هو معلوم لطلاب العلم .


وأثنى الله – تبارك وتعالى – على هذا القرآن ، ورغب في تلاوته لتستفيد أمة القرآن منه ، تستفيد من أحكامه في بيان الحلال والحرام ، وتستفيد من أوامره التي فيها حياة للأرواح والقلوب والجوارح ، وتستفيد من النواهي التي فيها الحماية والوقاية من الوقوع في الرذائل والفساد ، وتستفيد من قصصه ، ومن أمثاله { نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين } . { وتللك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون } . وكم من مثل جاء ذكره في هذا الكتاب العزيز لبيان معنى من المعاني تتأمله الأمة التي نعبدها الله تبارك وتعالى بهذا القرآن وما فيه من الأحكام للعلم والعمل الشيء الكثير ، ضرب الله مثلاً للتوحيد والموحد ، وللشرك والمشركين ، ولمن يستحق العبادة ، ولمن لا يستحق العبادة ، وللدنيا ، وغير ذلك من الأمثال التي من قرأ القرآن وجدها وافرة تحمل المعاني التي جاءت لها .


نعم .. حثنا الله على تلاوته والعناية به ، على العناية به تلاوة وفهماً للمعاني ، واستنباطاً للأحكام ، ومعرفة للحلال والحرام ، ووقوفاً عند الحدود ، واتعاظاً بالمواعظ التي جاءت فيه والعبر ، كما في آيات الوعد والوعيد والقصص والأمثال ، وبيان الأحكام على اختلاف أنواعها كما اسلفت قريباً .


حثنا الله على تلاوته ، والعلم به ، والعمل بمعناه ، وبما دل عليه واقتضاه فقال – تبارك وتعالى - : { اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة } . { اتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته } . { إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور } . { الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته } . { وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد } . قال عز وجل : { نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين } . وجعله الله – عز وجل – عزاً وفخراً لهذه الأمة { وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون } . وعليهم التبعة في تبليغه إلى الأمة كلٌ بقدر استطاعته لأن العرب شرفهم الله – عز وجل – وكرمهم فنزل القرآن بلغة العرب ، وهو كلام الله – تبارك وتعالى – حقيقةً ، فلا تشكل عليهم معظم آياته بحكم لغتهم ، ولذلك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لكفار قريش ومن على شاكلتهم : (( قولوا لا إله إلا الله تفلحوا )) عرفوا المعنى وأنهم إذا قالوا هذه الكلمة العظيمة بطلت عبادة أصنامهم على اختلاف انواعها ، وقالوا ما قصه الله عنهم { أجعل الآلهة إلهً واحداً إن هذا لشيء عجاب } .


فدعوتي لنفسي ولإخواني الحاضرين والسامعين أن يهتموا بشأن كتاب الله – عز وجل – علماً وعملاً ، ودعوة إليه ، وبيان لفضائله ومحاسنه ، وبيان مدى الخطر لمن أعرض عنه ليكسبوا الأجر الوفير ، ويحرزوا الخير الكثير ، ولقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم في العناية بالقرآن ترغيباً عظيماً

فقال عليه الصلاة والسلام : (( اقرأوا القرآن فإنه يأتي شفيعاً لأهله يوم القيامة )) . (( اقرأوا الزهراوين فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف يحجان عن صحابهم )) . (( اقرؤا البقرة فإن أخذها بركة ، وتركها حسرة ، ولا تستطيعها البطلة )) . ورغب الأمة عموماً مبيناً لهم فضل القراءة وكثرة الثواب على قراءة القرآن فقال عليه الصلاة والسلام : (( من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألفٌ حرف ، ولامٌ حرف ، وميمٌ حرف )) وإن الله ليرفع أقواماً بهذا القرآن ويضع به آخرين كما في حديث عمر – رضي الله عنه - .

فلنهتم بشأن كتاب الله عز وجل لأنه خير ما نطق به اللسان ، ولا نقتصر على مجرد التلاوة ، ولكن تلاوة مع العناية بقراءة كتب التفسير ، تفسير السلف كالإمام ابن جرير ، والإمام ابن كثير ، والإمام البغوي ، والإمام بن ناصر السعدي ، وما كان مثل هذه الكتب فيها البركة ، وفيها الكفاية ، لأنك إذا قرأت آيات القرآن مع فهم المعنى اكتمل لك النور ، واكتملت الهداية ، والقرآن كله هداية { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً } . { ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين } .


المصدر الثاني : صحيح سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .

وكم فيها من الفضل ، وكم في العناية بها من الأجر ، من حيث حفظ المتون بقدر المستطاع ، ومن حيث التدبر لأحجكام السنة ، سواء في باب تصحيح الاعتقاد وما يضاده أو في باب الشعائر التعبدية ، أو في عموةم أبيواب الحلال والحرام والفقه الإسلامي ، أو في باب الجهاد في سبيل الله ، والدعوة إلىالله ، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو في باب النصيحة ، أو باب الآداب والأخلاق والسلوك ، إلى غير ذلك ، لأن الله – تبارك وتعالى – بين لنبيه صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم والسنة المطهرة كل ما تحتاج الخليقة إليه ، بل كل ما يحتاج عالم الإنس والجن إليه ، وقال في القرآن : { تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين } .

وقال عليه الصلاة والسلام : (( تركتم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك )) . وقال عليه الصلاة والسلام : (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار )) .


كما إن من العناية بالسنة المطهرة التمييز بين الصحيح والضعيف ، وبيان أقسام الضعيف مما يقبل منه ومما لا يقبل ، والحياة في ظلها ، فإن الحياة في ظل هذين الثقلين العظيمين كتاب الله وصحيح سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام هي الحياة الطيبة المباركة ، وما عدها من متاع الحياة فإنها وسيلة من الوسائل ، والعناية بالكتاب والسنة غاية من الغايات ، فيجب أن تكون الوسائل نافعة ومفيدة تحمل على تحقيق الغاية التي أرادها الله تبارك وتعالى من الثقلين عالم الإنس والجن .


الإجماع :

والإجماع لا يخالف الكتاب والسنة ، كما هو معلوم لدى طلاب العلم ، وجلكم من العلماء ومن طلاب العلم ، فلنحمد الله تبارك وتعالى على هذه المنعمة العظيمة ، ولندم عليها شكراً بالقول ، وشكراً بالعمل ، وليس لطلب العلم والعمل به ، ليس له نهاية حتى تلتف الساق بالساق .

لذا فإن حملة الكتاب والسنة الذين توسعوا في العناية بهما هم الذين تحتاج إليهم البشرية في كل زمان وفي كل مكان لأن الله – تبارك وتعالى – أثنى على العلماء العاملين ، وعظم شأن العلم الذي يؤخذ من المصدرين الكريمين ، فقال سبحانه وتعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } فحصر الخشية على وجه التمام في العلماء ، والمقصود بهم العلماء العاملون الذين عقلوا العلم عن الله – تبارك وتعالى – من كتابه وسنة نبيه عليه الصلاةو والسلام علماً وعملاً ودعوةً ونشراص وصبراً .


وقال – عز شأنه - : { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب } ، وحقاً أنه لا يستوي من بذل جهده في حياة العمل في العناية بكتاب ربه وسنة نبيه عليه الصلاةو والسلام قاصداً بذلك لينتقل من الجهل إلى العلم وليعلم غيره لأن له الأسوة الصالحة والقدوة الرشيدة في رسل الله الكرام ، وأنبيائه العظام ، الذين بعثهم الله – عز وجل – معلمين للبشرية عبر تاريخ الزمان والمكان { رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } وقال – عز شأنه - : { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } والجواب : لا يستويان ، لأن العلم حياة طيبة مباركة وشرف عظيم لأهله وذخرٌ يقدمون عليه يوم لقاء الله عز وجل ، والجهل داء وشر مستطير ، فالجاهل لا يحسن التصرف على مراد الله ونهج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لذا فإن الله أخذ الميثاق على أهل العلم أن يعلموا الجاهلين ، كما أخذ الميثاق على من جهل العلم أن يتعلم : { وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه } فالبيان أمرٌ من الله – تبارك وتعالى- أُمر بهِ من أنعم اللهُ عليهم بشيء من العلم فلا يجوز لهم أن يكتموه عن محتاجيه وطالبيه ، كلٌ بحسب استطاعته ، وقدرته العلمية ، وحكمته الدعوية ، والجاهل أمره الله أن يسأل { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } فمن قصر في واجبه من العلماء أو الجاهلين فقد عرض نفسه للعقوبة سواء عقوبة عاجلة ، أو عقوبة آجلة .


هذا شأن العلم ، وشأن العلماء ، وما ألقى الله – تبارك وتعالى – عليهم من المسئولية لأنه أعطاهم هذا الفضل العظيم ، ولقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أكمل مثل يتناول ما أنزله الله – تبارك وتعالى – عليه من كتاب وسنة ، كما يتناول أقسام الناس فيه ، كما في حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فأصاب منها طائفة طيبة قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وأصاب طائفة أمسكت الماء ، وأصاب طائفة أخرى أجادب أمسمت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءاً ولا تنبت كلأً ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً هذا المثل والغرض منه قال : فذلك من فَقُهَ في دين الله فعلمَ وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي جئت به )) هكذا انقسم الناس ، وقلوب الناس إلى هذه الأقسام الثلاثة :


قسم : هم أشرف الأقسام منَ اللهُ عليهم بسعة في العلم فيحفظوا المتون التي أخذوها من غيرهم ، وشرحوها شروحاً عظيمة فتح الله على قلوبهم وعقولهم فاستنبطوا الأحكام من نصوص الكتاب والسنة ولا يحتاج ذلك إلى دليل مني فكتب التفسير موجودة ، وشروح الأحاديث النبوية مدونة ، توسعوا في العلم حفظاً للمتون ، وصيانة لها ، واستنباطاً للأحكام منها وتدويناً ونشراً لها في حياة العل فاستفادت الأمة من هذه الكتب ، فهي الميراث الثمين .


والقسم الثاني : على جانب من الخير ، قومٌ حفظوا النصوص ولكن لم يتوسعوا في استنباط الأحكام منها ، واستنباط مسائل الفقه الإسلامي منها ، ولكنهم حفظوها بأمان ، وأدوها إلى من أكرمهم الله بسعة العلم .


والطائفة المشؤمة : الطائفة الأخرى الذين لم يرفعوا رأساً أي أعرضوا عما جاء به نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ، وبسبب هذا الإعراض خسروا الدنيا والآخرة .


فلا حياة إلا في ظل الوحيين الذين قال في حقهما نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم : (( إني تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم به لم تضلوا أبيداً ، كتاب الله وسنتي )) .


ورضي الله عن عبد الرحمن بن صخر أبي هريرة – رضي الله عنه – فقد ثبت عنه أنه مر يوم بالسوق والناس في بيعهم وشرائهم ، وحركاتهم ، فوقف عليهم وقال : " ميراثُ محمد صلى الله عليه وسلم يقسم وأنتم هاهنا " فهرع الناس إلى المسجد ، ورجعوا فقالوا : ما رأينا شيء يقسم ، رأينا قوماً يصلون ، ورأينا قوماً يتذاكرون الحلال والحرام ، وقوماً يقرؤون القرآن . فقال لهم – رضي الله عنه - : " ذلكم ميراث نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم " . فهو الميراث الباقي الذي تسعد به الحياة ، وبدونه لا حياة { وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا } سماه الله روحاً لأنه تحيا به الأرواح ، وتحيا به القلوب ، وتنتقل به البشرية إن طلبته وتعلمته وآمنت به وصدقت من موت القلوب إلى حياتها { أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها } والجواب : لا .


نعم .. أثنى اللهُ ثناء كثيراً فيه الترغيب العظيم للعقلاء من الناس أن يهتموا بالعلم الشرعي من مصادره الشرعية كما في حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس اللهث عليه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة ، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة ، وما أجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة ، وذكرهم الله فيمن عنده ، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه )) فالعلم هو الذي في الميزان ، العلم والعمل به هو الذي يملأ الميزان حسنات فتكون كفة الميزان حسنات ثقيلة ، فيكون مآله إلى جنة عرضها كعرض السماء والأرض كما وصفها الله في كتابه ، ووصفها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في سنته بما لا مزيد عليه ترغيباً لهذه الأمة لتسعى جادة في ساعات ليلها ونهارها يتقربون إلى الله بصالح الأعمال التي قال الله في شأنها : { المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً } خير ما يثاب الإنسان وخير ما يؤمل ويُرجى لرحمة الله – تبارك وتعالى – وورضاه .


وجاء في الأثر المروي عن قيس بن كثير قال : " قدم رجلٌ من المدينة إلى أبي الدرداء بدمشق فقال له : ما أقدمك يا أخي ؟ قال : حديثٌ بلغني أنك تحدث به . قال : أما قدمت لتجارة؟ قال : لا . قال : أما قدمت لحاجة ؟ قال : لا . قال : ما قدمت إلى لطلب هذا الحديث ؟ قال : نعم . قال : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( من سلط طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة ، وإن العالم ليستغفر ل ه من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضىً لطالب العلم ، وإنه ليستغفر للعالم من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء ، إن العلماء ورثة الأنبيتء ، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ، وإنما ورثوا العلم فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر )) .


نصوص لا تحصى في مقام واحد ، أو مقامات يسيرة في كتاب الله – عز وجل – وصحيح سنة النبي صلى الله عليه وسلم فيها بيان فضل العلم والعلماء وحاجة الأمة ؛ بل حاجة عالم الإنس والجن إلى العلم الشرعي والعلماء الذين هم الأمناء على هذا العلم بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .


نعم .. لا يستطيع أن يدل الناس على مراد الله منهم إلا العلماء بشرع الله المطهر ، ولا يستطيع أن يميز للناس بين البعقيدة الإسلامية الصحيحة وبين العقائد الفاسدة التي تضاد عقيدة الإسلام إلا العلماء ، ولا يستطيعوا يبينوا للناس فضل السنة ومحاسنها وقدر الأجر على العناية بها إلا العلماء ، ولا يستطيع أن يبين خطر البدع المضلة في الأقوال أو الأفعال أو الأعمال الظاهرة والباطنة إلا العلماء فهنيئاً لأهل العلم الذين نذروا نفوسهم وأعطوا من ساعات ليلهم ونهارهم أغلى الساعات لتحصيل العلم بنية خالصة لينقذوا أنفسهم من الجهل ، وليعملوا بعلمهم ، ولينشروه بين الناس ، مع الصبر على الأذى الذي يلحق العلماء الربانيين الذين لهم الأسوة الحسنة في رسل الله الكرام وأنبيائه العظام .


ولنسمع شيئاً من البيان في الموضوع :


خلق الله – عز وجل – آدم عليه السلام أبا البشرية خلقه بيده ، ونفخ فيه من روحه فصار بشراً سوياً ، وعلمه الله تبارك وتعالى العلم الشرعي الذي قضى الله أن يعلمه آدم ، لأن الله هو العليم الحكيم ، العليم بكل شيء كما وصف نفسه { وهو بكل شيء عليم } والحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها ؛ فلا معقب لحكمه ولا راد لقضائه ولا اعتراض على أحكامه – جل وعلا – علمه أشياء ما تعلمها الملائكة حين ذاك وعلمها آدم كما ذكر الله ذلك في صدر سورة البقرة ، ففضله الله بالعلم وشرفه وأمر الملائكة أن تسجد له طاعة لله وتكريماً لهذا المخلوق البشري ، فبقيت الأمة من بني آدم ، من ذرية آدم عشرة قرون على ملة التوحيد التي فطر الله الناس عليها وقال في شأنها { فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم } عشرة قرون يعبدون الله تبارك وتعالى ، ويقدرونه حق قدره غير مشركين به ؛ فلما قل العلم وفشى الجهل كان في قوم نوح قوم صالحون أهل علم وعبادة وتقوى والناس يقتدون بهم فماتوا كما جاء عن ابن عباس فيما لا مجال للاجتهاد فيه ، ماتوا فوسوس الشيطان لذلكم الجيل أن انصبوا في مجالسهم صوراً واعبدوا الله عندها ، أدخلهم في البدعة فأطاعوه لجهلهم ، ومن هنا نعرف خطر الجهل ، ونعرف فضل العلم وقدره ، وسوس لهم لينشطوا في العبادة ويتذكروا كلما فترت العزائم وغفلوا ينشطوا في العبادة بمجرد مشاهدة تلك الصور التي هي رموز إلى أولئك القوم الصالحين الذين ذكر الله أسمائهم في سورة نوح ، فانقرض ذلك الجيل وأتى جيل آخر أشد جهلاً من الجيل الأول ، وجيلٌ ثالث أعظم جهلاً ممن كان قبله فوسوس لهم الشيطان وألقى في قلوبهم أن من كان قبلكم كانوا يستنصرون بهؤلاء فينصرون ، ويسترزقون بهم فيرزقون ، ويستغيثونن بهم فيغاثون ، فإن شئتم أن تكونوا مثلهم فافعلوا كما فعلوا ، فعبدت الأصنام ، عبدت من دون الله – عز وجل - ، فشا الشرك ، وجاء الذنب الأعظم كم قال الله – تبارك وتعالى - : { إن الشرك لظلمٌ عظيم } وقال في مدح المؤمنين الذين كمل إيمانهم { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } أي بشرك { أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } .

[size=5][color=magenta][يتبع]
[/color]


[/size]